جزيرة العرب نيوز

إعـلان تجـاري

وحدة الأمة الإسلامية

قيِّم هذا المقال
(453 تقييمات)

لقد ثبتت وحدة الأمة الإسلامية وأخوة المؤمنين بالأدلة اليقينية التي لا تعد ولا تحصى، من الكتاب والسنة، منها
قوله تعالى: {إنما المؤمنون أخوة}،
وقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}،
وقوله: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولاتفرقوا وذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها}.
وقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}،
وقوله: {هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم لكن الله ألف بينهم}،
وقال عزوجل محذراً أشد التحذير من الفرقة والإختلاف: {ولاتكونوا من المشركين ومن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون}،
وقال: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}،
وقوله: {إن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاعبدون}.

أما الأحاديث النبوية فهي كذلك كثيرة لا تحصى ولا تعد، منها قوله عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». حديث صحيح متفق عليه، كما أخرج مسلم الحديث المشهور: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله....التقوى ههنا ــ ويشير إلى صدره الشريف ثلاث مرات ــ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه».

وقوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقوله: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم»، كلها صحاح أخرجها البخارى!

كما قال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده لا تدخوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ... أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم »،.. قالوا: (بلى يارسول الله؟!)، قال: «أفشوا السلام بينكم»، أخرجه مسلم. وروى أبو داود والترمذى و صححه من حديث أبي الدرداء مرفوعا: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة، قالوا: بلى، قال: اصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة»، كما أخرج البخارى قوله عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولايسلمه».

كما بين صلى الله عليه وسلم حرمة المسلم وعظيم مكانته عند الله في أحاديث كثيرة منها الحديث المتفق عليه: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». ومنها ما أخرجه ابن المبارك: «إن الله يكره أذى المؤمنين». وما رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح: «لا يحل للمسلم أن يروع مسلماً». كما اخرج أحمد: «لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه». وأخرج البخاري عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار». وغير ذلك كثير من الأحكام والآداب التي تضع اساساً عملياً للأخوة الإسلامية وتحيطها بسياج منيع.

بل إن وحدة الأمة من الأهمية إلى الدرجة التي لا تسمح بتفريقها وشق شملها حتى في حالة ارتداد فئة من الأمة عن دينها. ففي هذه الحالة لا يسمح بالإنفصال أو الإستقلال ككيان منفصل، بل يجب قتالهم حتى يعودوا إلى الإسلام، وإلى وحدة الأمة. يشهد لهذا الحكم الشرعي الهام إجماع الصحابة على قتال المرتدين واعادتهم إلى حظيرة الإسلام، وإلى طاعة الإمام. كما يشهد له من شرائع بني اسرائيل عندما عبدوا العجل وانتظار هارون لأخيه موسى صلى الله عليهما وسلم حتى يتم حسم القضية، مما يبين عظم خطر تمزيق شمل الأمة وتفريقها. والأمة المحمدية لا شك أكرم عند الله ووحدتها أولى بالصيانة من بني اسرائيل.

وكذلك ثبت بالكتاب والسنة المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم تحريم التكتل والإجتماع على أساس العصبية أوالقبلية، فمن ذلك إنكار الله تعالى على من قدم محبة العشيرة والأموال والتجارة والأوطان على محبة الله ورسوله وجهاد في سبيله أى على من قدم الولاء العقدى والسياسي المبني على الوطنية أو القومية أو القبلية أو المصالح المادية على الولاء العقدى والسياسي للدولة الإسلامية، والرابطة الإيمانية مع جماعة المسلمين، في قوله تعالى: {قل إن كان اباؤكم وابناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين}، (التوبة؛ 9:24)، وهذه التابعية والوحدة السياسية لايخرج منها إلا من أبى أن يهاجر إلى دار الإسلام، وبقى تحت سلطان الكفر بدلالة قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا اولئك بعضهم أولياء بعض، والذين امنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا، وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ü والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنه في الأرض وفساد كبير}، (الأنفال؛ 8:72-73)، و هذه الآيات يظهر منها التحذير الشديد من المخالفة التى تؤدى إلى فساد كبير وفتنة مهلكة.

والمسلمون أمة واحدة، لهم ذمة واحدة ــ أى شخصية اعتبارية لها أهلية الإيجاب لها وعليها ــ كما نص على ذلك الفقهاء في ابواب العهد والأمان من كتب الفقه بناءاً على ما تقدم، وعلى الحديث الصحيح: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ادناهم، من اخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً» أخرجه البخارى ومسلم وبقية الستة وأكثر أهل السنن والمسانيد، كما روى بالفاظ متقاربة في أحاديث متعددة عن علي ابي طالب وابن عمر وابى هريرة وأم سلمة وابى امامة وعائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن بن علي ومعقل بن يسار وابن عباس وغيرهم رضى الله عنهم. وقد بلغ هذا الحديث حد التواتر المعنوى الذى يفيد القطع واليقين بحيث يكفر منكره إذا قامت عليهالحجة. وقريب من ذلك ما اخرج أبو داود والنسائى بأسانيد صحيحة عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المسلمون تتكافؤ دمائهم، و هم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم ادناهم ...الخ».

وأمَّن عبد من المسلمين أهل حصن فقبل ذلك أهل الحصن، وقال المسلمون أمان عبد ليس بشيء، وقال أهل الحصن إنا لا نعرف العبد منكم من الحر، فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب: (إن عبد المسلمين من المسلمين، وذمته ذمة المسلمين)، روى هذه القصة سعيد بن منصور والبيهقي وعبد الرزاق وابو عبيد في الأموال. كذلك نص الإمام الشافعى في كتاب «الأم» أنه إذا أمَّن مسلم بالغ حرا كان أو عبدا ذكرًا كان أو أنثى من المقاتلين أو من غيرهم فأمانه جائز أما الصغير والمجنون فلا يجوز أمانهم.

من ذلك يظهر يقينا أن المسلمين أمة واحدة، ذات ذمة واحدة، وأهلية واحدة، وينبغي أن تكون لهم جماعة واحدة، ودولة أى كيان سياسي واحد، وهم يد على من سواهم، وقد فرض الله عليهم الولاء والاخوة، وحرّم عليهم التنازع والفرقة والتدابر والانقسام السياسي تحريما قطعيا ورتب عليه اشد العقاب وعد والى ومن عادى على غير أساس الإسلام مرتدًا خارجًا عن الإسلام.

ولعلنا نلخص ماسلف في القواعد التالية:

(1) ــ الأمة هي مجموعة من الناس تجمعهم عقيدة واحدة ينبثق عنا نظامها، والأمة الإسلامية تجمعها العقيدة الإسلامية والعقيدة الإسلامية تنبثق عنها الأحكام الشرعية فالمسلمون أمة واحدة.

(2) ــ الرابطة التي تربط المسلمين بعضهم مع بعض هي العقيدة الإسلامية، وبهذه العقيدة تحصل الأخوة الإسلامية، قال تعالى: {إنما المؤمنون إخوة}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم»، فالإسلام هو الذي جعلهم إخوة.

(3) ــ التابعية هي حمل الولاء للدولة والنظام، واتخاذ دار الإسلام تحت ظل سلطان الله دار إقامة دائمية.

(4) ــ الرابطة التي تربط الرعية في الدولة هي التابعية، وليس العقيدة الإسلامية، فمن يحمل التابعية يملك جميع الحقوق التي يستحقها، والواجبات التي تجب عليه، ولو كان غير مسلم، ومن لا يحمل التابعية فليس له ما للمسلمين وليس عليه ما عليهم، لأن الذمى قد ضمن له الشرع ذلك، بنص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ولأن المسلم الذى لا يرحل للعيش تحت سلطان المسلمين ليس له ما للمسلمين، وليس عليه ما عليهم بدلالة آية الهجرة في آخر سورة الأنفال، ولما ورد في حديث سليمان بن بريدة: «...، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين»، فهذا نص صريح قاطع يشترط التحول ليكون لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام.

(5) ـــ القومية والقبلية والعنصرية نعرات خبيثة ومذاهب مدمّرة، وقد حرمها الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا الرجل تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا»، وقال عن الحمية الجاهلية: «دعوها فإنها منتنه»، وجاء في مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ومن قاتل تحت راية عمّية، يغضب لعصبية، أويدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتل فقتله على جاهلية»، وغيرهامن الأحاديث السابق ذكرها. والقومية حين دستها الدول الكافرة مزقت شمل المسلمين إلى أقوام وأجناس، فحين تحركت في المسلمين القومية التركية، والقومية العربية، والقومية الكردية، والقومية الفارسية تصدع صف الأمة الإسلامية، فأدى ذلك إلى تفرق كلمة المسلمين، وتمزق دولتهم وأنفصال أقطارهم بعضها ببعض، فكان خطرها مدمرا للأمة الإسلامية، وهادماً للدولة الإسلامية، وإذا تمكنت من المسلمين جعلتهم أمماً، وحفرت بين بلادهم خندقاً لا يمكن ردمه، ولا يتأتى أن يعقد فوقه جسر، وجعلت بينهما حدوداً كجدار من الفولاذ، يجعلها بالنسبة لبعضها دار حرب، ولذلك كانت الدعوة إلى القومية إثماً كبيراً ومنكراً فظيعاً، ولا يبعد أن يكون الداعية إليها كافراً مرتداً، ليس من أهل القبلة، لأن الداعية إلى قول لا بد أن يكون معتقداً بصحته، مستحلاً للدعوة إليه: والعصبية بشتى أنواعها حرام مقطوع بحرمتها، فمن استحلها كفر، ومن دعى إليها زاد في الكفر.

وكان اتخاد القومية رابطة إجراماً فظيعاً في حق المسلمين، وفي حق الإسلام، فتجب محاربة القومية، ومقاومة الدعوة لها، وجوباً كوجوب الجهاد. ومثل القومية في الإثم والشر: الوطنية الإقليمية، والعصبية المذهبية الطائفية، فهذه كلها تؤدى إلى تفتيت الأمة وبالتالي إضعافها، فيعامل كل من يدعو إلى القومية، والإقليمة الوطنية، والعصبية المذهبية الطائفية، معاملة المجرم الذي يستحق أقصى العقوبات.

(6) ـــ العالم كله من بلاد إسلامية، وغير إسلامية إما دار إسلام، وإما دار كفر لا توسط بينهما، ولا منزلة بين المنزلتين، ولا ثالث لهما مطلقاً.

ودار الإسلام، وتسمى كذلك دار المهاجرين أو دار الهجرة، هي البلاد التي تحكم بسلطان الإسلام، وتطبق عليها أحكامه في الداخل، وأمانها بأمان المسلمين، أي بسلطانهم، وحمايتها بجند المسلمين، أى تتمتع بالإستقلال والسيادة الدولية في علاقاتها بالخارج.

وأما دار الكفر أو دار الحرب فهي البلاد التي لا تحكم بسلطان الإسلام، ولا تطبق عليها أحكامه، أو التي أمانها بغير أمان المسلمين، أي بغير سلطانهم، لأن إضافة الدار للحرب أو للكفر أو إضافتها للإسلام هي إضافة للحكم والسلطان، لا للسكان ولا للبلاد، كما فصلناه في مكانه.

(7) ـــ لا يجوز للكافر المقيم إقامة دائمة في دار الكفر أن يدخل دار الإسلام إلا بأمان، أي إلا بإذن خاص للدخول، لأن الحربي يمنع من دخول دار الإسلام إلا بأمان.

أما من كانت داره دار إسلام، ولم يكن داخلاً تحت سلطان الخليفة، كأن كان خارجاً عن الخلافة، أولم تنضم بلاده لسلطان الخلافة، فإنه يدخل بغير أمان، أي بغير إذن، وحكمه في الدخول كحكم من كان داخلا تحت سلطان الخليفة سواء بسواء، من غير أي فرق بينهما.

لايجوز أن يكون في الدنيا كلها إلا خليفة واحد:

* لما روى ابن ابي شيبة وأحمد والنسائى وابن ماجه ومسلم في حديث طويل عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»،

* ولما روى أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخرمنهما»،

* ولما روى عن البيهقى في شعب الإيمان والطبراني وأبو داود والنسائى والحاكم ومسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه»،

* وكذلك برواية ابى يعلى وابن ماجة وأحمد والبخارى ومسلم عن أبى حازم قال: قاعدت ابا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا، قال: فوا ببيعة الأول فالأول، واعطوهم حقهم، فان الله سائلهم عما استرعاهم»،

ــ وروى النسائى ومسلم عن أبى هريرة مرفوعاً: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية، أو يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية، ومن خرج على امتي، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذى عهد عهده فليس مني ولست منه)،

ــ واخرج الترمذى والطبراني في الأوسط عن معاوية مرفوعاً: «اذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا آخرهما»،

ــ كما روى الطبرانى عن عبد الله بن عمر الاشجعى مرفوعاً: «اذا خرج عليكم خارج وأنتم مع رجل جميعاً يريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جمعهم فاقتلوه»،

ــ وقد اخرج الديلمى عن أبى بكر رضى الله عنه عن النبى صلي الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فاقتلوه».

فهذه الأدلة القاطعة، المنقولة نقل تواتر، لا تحتمل غير وحدة الخلافة والإمامة لجميع الناس في الدنيا كلها، ووجوب قتل من تسول له نفسه شق عصا المسلمين، أو تمزيقهم إلى كيانات متعددة. وقد انعقد إجماع الصحابة والفقهاء في العصور اللاحقة لعصر الصحابة على ذلك.

أما ما نسب إلى الإمام ابى المعالى الجوينى ـ إمام الحرمين ـ من تجويزه تعدد الأئمة، فهو كذب عليه، لأنه نص على أن وحدة الإمامة من القطعيات، غير أنه عاد فاستدرك فقال: «إذا بعدت البلاد ووجد بحر فاصل فإن الأمر يخرج من القطعيات الى الاحتمالات». وقد أخطأ رحمه الله في هذا خطزً فاحشاً، لمخالفته للادلة الصريحة المذكورة أعلاه، والتى جاءت عامة مطلقة لم تحدد قرب الديار أو بعدها أو وجود بحر فاصل أو عدمه، وليس وجود البحر الفاصل بأولى في الأعتبار من وجود الصحراء المهلكة، بل إن اجتياز البحار أهون وأقل خطورة من الصحاري الكبار، وقد شهدت الدنيا دولاً كثيرة تمتد عبر البحار، بعكس الصحاري المهلكة، ولم يقل أحد يعتد به من أهل الإسلام قط بأخذ الصحراء الفاصلة المهلكة في الإعتبار، وقد كانت دولة النبى صلى الله عليه وسلم تشمل حضرموت وعمان وهما خلف صحراء جزيرة العرب الكبرى، وكذلك دولة الخلفاء الراشدين تشمل بلاداً وراء الصحارى والأنهار، وانعقد اجماع الصحابة على ذلك، وهو إجماع متيقن، وكانت الدولة الإسلامية على عهد بني أمية تضم أمصاراَ كثيرة وراء الصحراء الأفريقية الكبرى، أكبر صحراء في العالم.

وإذا كان في الدنيا إمامان أو أكثر فقد حصل التفرق المحرم، ووجد التنازع، ووقعت المعصية، ونتج حتما الفشل وذهبت الريح وتحققت الهزيمة، واستبيحت دماء وأعراض وأموال المسلمين والمسلمات، وكسرت بيضة الإسلام، ومن هذا يظهر بما لا شك فيه أن وحدة الأمة وكذلك عزتها ومنعتها وأمنها وسلامة ديارها وقدرتها على الدفاع عن ديار الإسلام وحمل الدعوة إلى العالم تتناقض مع تعدد الأئمة، لذلك كان تعددهم حراماً من هذا الوجه.

على أنه لو جاز أن يكون في الدنيا إمامان للمسلمين، لجاز أن يكون فيها ثلاثة أو أربعة أو أكثر بدون حد، حتى يكون في كل قرية ومدينة، بل في كل بيت وأسرة، إمام، وهذا هو فساد الدنيا وضياع الدين وهو حرام بلا جدال، أواحتاج الناس إلى اللجوء إلى معايير أخرى يتكتلون على أساسها كالقبلية والقومية و الوطنية والحدود الطبيعية الجغرافية أو التسلط والبطش والقوة المحضة لمنع هذه الفوضى والتعدد الذى لا ينتهى، وهذه الروابط كلها قد حاربها الإسلام، وأنكر صلاحيتها للربط والولاء السياسي، ولم يجز تقديمها على رابطة الإسلام، فكان تعدد الأئمة حراما لذلك، فضلاً عما في هذه الفرضية من طعن في كمال الدين بل في تنزيله من الله تعالى، إذا أن هذا يعنى عدم احتواء الدين الإسلامي على تنظيم لهذه القضية الخطيرة، وهذا لا يتصور إلا بالطعن في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا هو، لا محالة، قول فهد بن عبد العزيز، وغيره من طواغيت العرب والمسلمين.

وأما ماقد يحتج به البعض من حكم الضرورة في تجويز تعدد الدول الإسلامية فهو باطل يقينا، لأن المسلمين الذين يعيشون خارج سلطان الإمام:

ــ إما أن يكونوا تحت قهر عدو كافر فهم في حكم الأسير، ولا مشاركة لهم في تنصيب الإمام وبيعته ويجب على بقية المسلمين استنقاذهم،

ــ أو تحت قهر حكم إسلامي باغي يمنعهم من الدخول تحت سلطان الخليفة ــ الذي انعقدت لها البيعة انعقاداً شرعيا صحيحاً ـ فيجب عليهم خلع الباغي والرجوع إلى وحدة الأمة والدخول تحت سلطان الخليفة الشرعى،

ــ أو يكونوا خارجين بأنفسهم فتنطبق عليهم حينئد أحكام الخوارج والبغاة وعلى الخليفة مناقشة اعتراضاتهم ودحض شبههم، ثم قتالهم على النحو والكيفية التى فصلها الفقهاء في أبواب قتال الخوارج وأهل البغى.

أما ما نص عليه بعض فقهاء عصور الإنحطاط، وبعض المعاصرين من تجويز ذلك بدعوى الضرورة وفساد الزمان فلا قيمة له شرعاً، والزمان بذاته لا يفسد، وإنما يفسد أهله، وفساد أهله سببه سوء فهمهم لدين الله، أو ضعف التقوى والإقبال على الذنوب والمعاصي، أو التكاسل عن العمل لإعادة الإسلام إلى الحياة، أو نفاق بعضهم للحكام الظلمة، أو سكوتهم عن أنظمة الكفر التى سيطرت على بلاد المسلمين.

وظهور هذا القول ذاته: (فساد الزمان) هو مؤشر شر خطير، وعلامة انحراف كبير، لأنه في حقيقته من سب الدهر، وهو محرم لا يجوز، ومن إلقاء التهمة على المولى، جل وعز، وهو سفه، إن لم يكن كفراًً وردة. وهو تهرب من المسؤولية، وإلقاء للتهمة على من لا يتحمل مسؤليتها، في محاولة فاشلة للهروب من المسؤولية، والتزكية المحرمة للنفس، بدلاً من محاسبتها، ومراقبتها، وأخذها بالشدة إلى أمر الله، وفي أمر الله!

ولله در الشاعر عندما قال:

نعيب زماننا والعيب فينا **وما بزماننا عيب سواناً

والخلاصة أن تعدد الدول الإسلامية أي تعدد الخلافة، بالإضافة إلى مافيه من مخالفات للأحكام الشرعية المقطوع بها ومايترتب على ذلك من عظيم الأثم عند الله وشديد العقوبة يوم القيامة، فهو يهدم وحدة المسلمين، ويناقض كونهم أمة واحدة، ويؤدى إلى تفرقهم، وإلى حرمان بعضهم من خيرات وثروات بعض، وفشلهم وذهاب ريحهم وانكسار بيضتهم وهزيمتهم، كما ثبت قطعاَ من وقائع التاريخ والحاضر المحسوس المشاهد، فاقراره والرضا به هدم لركن أساسي من أركان نظام الحكم في الإسلام، يخشى على القائل به من الردة الصريحة عن الإسلام لأنه انكار لما ذكرناه من المطالب والواجبات التى قامت مئات الأدلة الشرعية عليها بشكل قاطع.

د. محمد المسعري

د. محمد المسعري

Dr. MOHAMMAD AL-MASSARI

http://www.tajdeed.org.uk

البريد الالكتروني: هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

1 تعليق

  • رابط التعليق الجزيري الخميس, 20 يناير 2011 09:46 بقلم الجزيري

    بيض الله وجهك يا د. محمد


    يا ليت أذناب آل سعود من الجمبازية والسناكحة يتعضون ..

اضف تعليق

يرجى ملء الفراغات الموسومة بـ *

اقرأ أيضا للكاتب

المتواجـدون الآن

حاليا يتواجد 188 زوار  على الموقع

مقالات منشورة

تسجيل الدخول