أنظار العالم بأسره تتركز حاليا على منطقة الخليج بشاطئيه العربي والفارسي، لأسباب نفطية بالدرجة الاولى، والزحف الايراني المتسارع لتصنيع رؤوس نووية بالدرجة الثانية، وانعكاسات كل ذلك على الاقتصاديات الغربية المأزومة بدرجة ثالثة.
وفي ظل ازدحام مياه الخليج العربي بحاملات الطائرات، والاساطيل الامريكية، والسفن الحربية الغربية، والمناورات البحرية الايرانية، والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز في وجه 17 مليون برميل نفط يوميا تتجه الى المستهلكين في مختلف انحاء المعمورة، من حق حكام المنطقة ان يقلقوا على مصير مواطنيهم، قبل كراسي حكمهم، وان يتنادوا لبحث الاخطار التي تهددهم.
مدينة المنامة، عاصمة البحرين، استضافت قبل بضعة ايام 'مؤتمر الامن الوطني والامن الاقليمي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية'، شاركت فيه شخصيات امنية من مختلف الدول، الى جانب الامين العام للمجلس السيد عبد اللطيف الزياني، والسفير الامريكي في البحرين.
مفاجآت عديدة وقعت داخل الأروقة، ابرزها الانتقادات الشرسة والمحقة للسياسات الامريكية في منطقة الخليج العربي من قبل السيدين ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي، والامير تركي الفيصل رئيس جهاز المخابرات السعودي والسفير السابق لبلاده في واشنطن، وهي انتقادات دفعت السفير الامريكي للانسحاب غاضبا ومحتجا من الاجتماع.
النقطة التي نجد لزاما علينا التوقف عندها من بين نقاط عديدة مهمة جرى طرحها في هذا الاجتماع هي ما قاله الامير تركي الفيصل، وبالتحديد اعترافه 'ان العراق كان فاعلا رئيسيا في معادلة التوازن الاقليمي الخليجي، لكن اخراجه منها بسبب الغزو الامريكي الخاطئ له (اي للعراق) اخلّ بهذه المعادلة الضرورية لاستقرار الوضع الاقليمي، واتيحت لقيادة ايران فرصة للشعور بتفوق استراتيجي عملت على استغلاله باستخدامها لعامل الطائفية البغيض، لابقاء عراقنا في وضع استقطاب طائفي يهمش دوره، ويجعله أداة من ادوات سياستها الخارجية بل تابعا لها'.
' ' '
نوافق الامير الفيصل بأن الغزو الامريكي للعراق لم يكن خطأ فقط، بل كارثة على المنطقة بأسرها، ولكن أليس من حقنا ان نذكّره وكل المسؤولين الخليجيين الآخرين، بأنهم ارتكبوا 'خطيئة' اكبر عندما ساندوا الحصار الامريكي على العراق، ورقصوا طربا لاحتلال بغداد، وسقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي حارب ايران ثماني سنوات دفاعا عنهم، ولمنع وصول الثورة الاسلامية الخمينية الى شواطئهم؟
فإذا كان الاحتلال الامريكي الكارثي للعراق كلفنا مليون شهيد، والحصار الظالم الذي سبقه، ومهد له، واذل العراق ودمر نسيجه وقيمه الاجتماعية، واهلك مليونا آخر من ابنائه، اخلّ بالتوازن الاقليمي لمصلحة النفوذ الايراني، فإن حكومات دول الخليج تتحمل مسؤولية مباشرة في كل هذه النتائج، والسعودية على وجه الخصوص، باعتبارها الشريك الاكبر في دعم الاستراتيجية الامريكية في المنطقة حتى هذه اللحظة.
الاعتراف بالخطأ فضيلة، وخير الخطائين التوابون وما هو اجمل من ذلك محاولة التعلم من اخطاء الماضي، واستخلاص العبر بما يؤدي الى تجنب الوقوع في اخطاء اكبر في المستقبل القريب، بتبني السياسات الامريكية الخاطئة نفسها، ليس في منطقة الخليج فقط، وانما في الوطن العربي بأسره.
نحن الآن، وليس الخليجيين منا فقط، نقف على ابواب حرب امريكية ـ اسرائيلية مشتركة ضد ايران، وبدأت بعض الدول العربية تروج لها، بل وتحرض عليها بشكل مبكر، وتصلي من اجل انفجارها في اي لحظة للتخلص من الافعى الايرانية، تماما مثلما كانت تصلي لقطع رأس الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فهل اجرت هذه الدول، او قياداتها على وجه التحديد، حساباتها بشكل جيد وهي تقرر الوقوف في الخندق الامريكي، وبمعنى آخر، هل حددت حجم الارباح وقدرت حجم الخسائر؟
زيادة كمية انتاج النفط السعودي لتعويض اي نفط ايراني في حال مضي اوروبا قدما في مخططاتها لفرض حظر على ايران، الا يذكرنا بكيفية اغراق دول مجلس التعاون الخليجي لأسواق النفط العالمية بمليوني برميل اضافية، بحيث هبط سعر البرميل لاقل من عشرة دولارات، لتجويع العراق وتدمير اقتصاده، الامر الذي ادى الى استفزاز حاكم بغداد ودفعه الى كارثة غزو الكويت.. وبقية القصة معروفة؟
امريكا غزت العراق لاسباب اسرائيلية صرفة، وتستعد لحرب ضد ايران للاسباب نفسها، فالسلاح النووي الايراني لا يهدد العرب، بل يهدد اسرائيل، وحتى لو هدد العرب فإنه لن يكون اكثر خطورة من التهديد النووي الاسرائيلي، فلماذا نرضخ للاخير ونتعايش معه، بينما نرفض الاول ونستعد للمشاركة في حرب ضده، قبل ان نتأكد من امتلاك ايران له؟
' ' '
الامير تركي الفيصل يخشى من سباق تسلح نووي في حال امتلاك ايران لهذا السلاح الخطير، ولا نفهم هذه الخشية واسبابها، ونسأل لماذا لم يؤد امتلاك اسرائيل لأكثر من مئتي رأس نـــووي لهذا السباق؟، وحتى لو حدث الآن فأهلا به، لانه سيحقق للعرب التوازن الاستراتيجي مع ايران واسرائيل معا.
امريكا دفّعتنا ثمنا باهظا عندما حثتنا لوضع العراق الشقيق في خانة الاعداء، وتآمرت علينا مرة اخرى عندما عملت جاهدة على تقسيم السودان وتفتيته، وذهبت الى ما هو ابعد من ذلك عندما وضعت ليبيا تحت انتداب حلف الناتو، والآن تتآمر لسرقة الثورة المصرية وحرفها عن مسارها، وهي قطعا تتمنى ان تغرق سورية في حرب طائفية اهلية دموية، ويقدم لها النظام بعناده خدمة كبيرة في هذا الصدد.
ربما يقدر البعض لقادة الخليج انهم ابعدوا الحرب العراقية ـ الايرانية عن دولهم عندما جندوا الرئيس صدام لحماية سواحلهم من الاجتياح الايراني، واستطاعوا اجتثاث ما اعتقدوا انه خطر عراقي عندما استعانوا بالاساطيل والطائرات الامريكية لدرئه، ومن ثم ازالة الحكم العربي الوطني في العراق، ولكن من الصعب علينا ان نتصور انهم سينجحون هذه المرة في تحقيق الانجاز نفسه في حال انفجار الحرب ضد ايران، 'فليس في كل مرة تسلم الجرة' مثلما يقول المثل الشعبي العربي، وايران لم تخف نواياها بالانتقام في حال تواطؤ جيرانها على الشاطئ الآخر عند اي اعتداء عليها.
نتمنى ان يكون كلام الامير تركي الفيصل وانتقادات اللواء ضاحي خلفان بداية صحوة خليجية تقول لقارعي طبول الحرب الامريكيين 'كفى' لقد طفح كيلنا من جراء سياساتهم الخاطئة، ولينسحب كل السفراء الامريكيين غضبا ومعهم اساطيلهم وحاملات طائراتهم.
إعـلان تجـاري
ندم سعودي متأخر جدا
كُتاب الصحيفة
-
محمد أسعد التميمي
Recent items
-
د. أسعد أبو خليل
Recent items
-
محمد أحمد الروسان
Recent items
-
سعود السبعاني
Recent items
-
د. كاظم الموسوي
Recent items
-
د. صباح الشاهر
Recent items
-
د.مُضاوي طلال الرشيد
Recent items
-
د. نوري المرادي
Recent items
-
د. أحمد عويدي العبادي
Recent items
-
د. محمد رحال
Recent items
-
يحيى أبو زكريا
Recent items
-
د. محمد المسعري
Recent items
المتواجـدون الآن
حاليا يتواجد 154 زوار على الموقع
أبـواب الموقـع
مقالات وآراء
|
عدنان عويّد الحركة الوهابية من العقيدة إلى البترو دولار 2 |
|
الصادق العابد قانون السّاسة لا سياسة القانون؟ |
|
محمود صالح عودة عدوّهم الحقيقيّ |
|
عدنان عويّد الحركة الوهابية من العقيدة إلى البترودولار -1- |
|
ناصر صلاح الدين التآمر على العدالة! سقط القناع..عن أوكامبو! |
|
خيرالله محمد ساجر الدليمي قوات البشمركة الكردية أكثر تنظيم وقوة ومهنية من الجيش الشيعي العراقي |
|
محمود صالح عودة جزر الوفاء أم قدس الإسراء؟ |
|
خيرالله محمد ساجر الدليمي الجيش الإسرائيلي أعتمد تكتيكات جديدة لأداء مهام قتالية معقدة |
|
الصادق العابد المجلس الأعلى للقضاء بين: الموجود والمفقود والمأمول والمعقول |
|
عبدالله البصير بنغازي "مدينة البيان الأول" ما بالها اليوم! |
مقالات منشورة
|
محمد زاهد جول تركيا وإيران والربيع العربي |
|
عبد الحليم قنديل الطريق إلى نكبة إسرائيل |
|
عبد الحليم قنديل حرب على مصر! |
|
علي السنيد قصة الـشعب الذي سرقوا وطنه!! |
|
عبد الباري عطوان انذار للسعودية: مصر تتغير |
|
سيمون هندرسون) مَن يكون الملك السعودي الجديد؟ |
|
عبد الحليم قنديل عودة لفلسطين |
|
فيصل القاسم إصلاح الأنظمة الديكتاتورية نكتة سمجة |
|
عبد الحليم قنديل سوريا النازفة |
|
فيصل القاسم نظام عالمي جديد يتشكل وقديم يتلاشى! |




