جزيرة العرب نيوز

إعـلان تجـاري

د.مُضاوي طلال الرشيد

د.مُضاوي طلال الرشيد

PROFESSOR : MADAWI AL RASHEED
http://www.madawialrasheed.org/index.php/site
 

عنوان الموقع: البريد الإلكتروني: هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

عام مضى على الحراك في السعودية والذي استلهم مفرداته وآلياته من الربيع العربي لكن اجهضته الدولة يوم 11 آذار/مارس بتفعيل ثلاثية القمع والدين والوعود الاقتصادية استنفرت السلطة اجهزتها الامنية يوم 11 آذار/مارس من العام المنصرم واحكمت قبضتها على المدن وشوارعها وسماءها في محاولة ارهاب المواطنين وقبلها استنجدت السلطة السياسية بالسلطة الدينية لتفتي لها بحرمة المظاهرات وفتنتها واطلقت وعودا بتنمية اقتصادية ومشاريع اجتماعية اهمها توظيف العاطلين وايجاد السكن وتطوير الخدمات الصحية.
ورغم هذه الاساليب القمعية المباشرة ووعود بطفرة اقتصادية تطال مختلف شرائح المجتمع نجد ان الحراك السعودي ظل رهين السياسة المستبدة سلاحها الاول الرصاص والثاني الاعتقال. وكان نصيب المنطقة الشرقية وخاصة القطيف كبيرا من الاستراتيجية السعودية بثنائيتها حيث سقط اكثر من سبعة قتلى في مواجهات مع قوى الامن ضمن اطار مسيرات واعتصامات ومظاهرات حاشدة تخللتها حملة اعتقالات واسعة طالت الشباب وكان آخرها اعتقال شاعر ليس له سوى الكلمات.
اما في المناطق الاخرى فحملة الاعتقالات لم تثن البعض من التصدي بأساليب سلمية بحتة لقمع السلطة وتغييب الصوت المنادي بالاصلاح. فمن الودعاني والجهني اسمان التصقا بيوم 11 آذار/مارس الى الحقوقيين المطالبين بالافراج عن المعتقلين السياسيين لمحمد البجادي ومؤسسي حزب الامة المختفين تمتلئ السجون السعودية بشخصيات متعددة الاتجاهات الفكرية والخلفية الاجتماعية والثقافية وتميز العام المنصرم بدخول عدد كبير من النساء السعوديات الى السجون على خلفية مظاهرات بسيطة وغير حاشدة للمطالبة باحالة ذويهن الى المحاكم او اطلاق سراحهم.
وتعتبر هذه الاعتقالات ظاهرة جديدة طارئة على الساحة السعودية تلازمت مع الحراك النسائي خاصة بعد تغييب عدد كبير من السجناء واعتقال ذويهم كالابناء والاخوة. ويحاول النظام السعودي ان يحتوي الحراك الشعبي والذي لا يزال معظمه يدور في طيات العوالم الافتراضية كفيس بوك وتويتر رغم بعض مظاهره على ارض الواقع ويستبق تحوله الى حراك يتطلب المواجهة القاسية كما يحدث في منطقة القطيف والتي نجح النظام اجهزته الدينية والاعلامية في عزله عن محيطه الكبير وتطويقه بسرديات تزج به في خانة الاعمال الاجرامية والفتن وهو بعيد عنها حيث مطالبه قديمة ومعروفة ويحارب النظام اي محاولة للتعاطف مع حراك القطيف تماما كما حصل بعد محاكمات جدة وصدور بيان مشترك يدينها ويدين القمع الذي تتعرض له منطقة القطيف فمنع الناشط محمد سعيد الطيب من السفر الى القاهرة لضلوعه في التوقيع على بيان مشترك ربط بين جدة والقطيف كمظاهرتين مرتبطتين بسياسة القمع والاقصاء التي تمارسها السلطة السعودية في منطقتين مختلفتين رغم اشتراكهما في تلقي الضربات الامنية وانتهاكات حقوق الانسان والاعتقال التعسفي.
وبما ان معظم الحراك السعودي اليوم لا يزال في طوره الاول الا ان السلطة تخاف تطوره باتجاه يخرج عن قدرة اجهزتها الامنية على احتوائه والتصدي له لذلك اصبحت السجون السعودية المنتشرة في طول البلاد وعرضها كبيت طاعة يدخله الكثيرون ومن ثم يخرج منه البعض دون محاكمة او مساءلة فما اسهل ان يدخل احدهم لمجرد عبارات قصيرة على التويتر او كلمات شعر في مدونة او نشاط حقوقي او التوقيع على بيان او ظهور على شاشة التلفاز في برنامج حواري للتنديد بالفقر والفساد او نصرة لنساء المعتقلين وبناتهن وان طالب احد بسقوط النظام او تحوله الى ملكية دستورية فلا فرق قد يسجن الاول ويمنع الثاني من السفر حسب شروط بيت الطاعة السعودي والذي يتطلب تطبيق وتفعيل مفهوم الطاعة المطلقة فلا يقبل بيت الطاعة الجدل والحوار والرأي الآخر والنظرة المختلفة للامور وتشخيص مخالف للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ومؤخرا اصبح الحديث عن الفقر من المحرمات بعد ضجة اعلامية تزامنت مع فيلم قصير لمجموعة شبابية منها فراس بقنة الذي سجن ورفاقه بسبب نشر الفيلم على اليوتيوب. فلا فقر في بيت الطاعة بل هناك فقط احصائيات التنمية والميزانية والرخاء والبحبوحة حسب تعبير احد امراء النظام.
وبعد ذلك تمنع البرامج الحوارية عن الفقر وتعلق برامجها كما حصل بعد مشاركة الدكتور زهير كتبي وهو من الذين قد سبق لهم الحديث عن مخالفات وتجاوزات في منطقة مكة المكرمة وعلى خلفية كتاباته السابقة قامت المحكمة الشرعية تحت سلطة وزارة العدل باصدار حكم يكفره يتجاوز طول وثيقته المتر. ففي بيت الطاعة السعودي لا يوجد مجال الا مجال الصمت والتستر على الفساد خاصة ان كان مدعوما من الجهات العليا صاحبة ومالكة البيت. ومن صفات هذا البيت ان دخوله يأتي بأمر وليس بصك من محكمة او ادعاء بل الذهاب اليه رحلة خاصة يديرها اجهزة المباحث تحت سلطة وزارة الداخلية او احد المسؤولين الكبار الذين يملكون صلاحية ادخال المواطن الى السجن دون اللجوء الى اي آلية حقوقية. وقد يخرج احدهم من بيت الطاعة تماما كما دخل اي بأمر ملكي او أميري دون تفسير او تبرير وهذا ما حصل للشيخ الزعير ومخلف الشمري فقضى هؤلاء ما بين 2 ـ 8 اعوام في سجون النظام دون محاكمات واضحة علنية صريحة.
السجن السعودي اليوم هو بيت طاعة للتأديب وكسر المعنويات وترويض النفس البشرية على الخنوع والصمت لكن هيهات لمثل هذا الاسلوب ان ينجح وخير دليل على ما نقول هو الدخول والخروج المتكرر لشخصيات ونشطاء الذين يدخلون ويخرجون منه مرارا وتكرارا دون ان تنجح أساليب القمع في تغيير قناعاتهم وثنيهم عن افكارهم ونشاطهم. فتحول بيت الطاعة السعودي الى نزهة بأمر ولي الامر تنتهي عادة تحت تأثير المزاج السلطوي حين يريد وساعة ما يريد. فتجتمع النخب الاصلاحية في بيت الطاعة اما تحت ظروف السجن الانفرادي او الجماعي فتتلقح الافكار وتمتزج الاطروحات والتجارب فيعرف هؤلاء ان اقتناصهم من قبل السلطة لا يفرق بين شاعر ومحتسب وشيخ دين وحقوقي ومدون وسني وشيعي واسماعيلي وقصيمي وقطيفي وجداوي فكلهم سواسية تحت سوط بيت الطاعة والذي اصبح جناحه النسوي يتطور وتزداد مساحته على قدر تصاعد الوعي النسائي بمعضلة الحقوق المهضومة والمفقودة. فتشترك المرأة المطالبة بالافراج عن زوجها وتلك التي تريد حقها في سياقة سيارة في معاناة السجن رغم اختلاف المطالب.
من تداعيات عام الاحتجاج العربي انه سرع في كشف النظام السعودي امام جمهور عريض من الشرائح الاجتماعية المتباينة فكريا وايديولوجيا ومناطقيا ولم يسلم من قبضة النظام شاب ملتح او حليق او ناشط قديم او جديد فبيت الطاعة يجمع بين الاجيال حيث يلتقي الاب والابن الشاب والكهل وكل من لم يتمرس في فقه الطاعة والصمت وحديث الامراء واجهزة الامن وبيانات الحضارة والتنمية.
وان دلت حملات الاعتقال الواسعة التي تشنها اجهزة النظام على شيء فهي تدل على توجس النظام من انفتاح مساحات الاعتراض والتشكيك والتململ من الفجوة التي تفصل النظام الرسمي عن واقع المجتمع وطموحاته. ولم يفهم النظام بعد ان بيت الطاعة لم يعد له وجود في القرن الجديد وان وجد فهو بيت ان كبر وتوسع لن ينتج الا المزيد من الاحتقان والارادة القوية والتصميم على اكمال المسيرة والمضي بالمطالب الحقوقية والاصلاح السياسي.
ولن تنفع سياسة تفتيت المجتمع الى قبائل وطوائف واسلامي وليبرالي وخائن وعميل ومجرم ومخرب فقد جرب حكام العرب المنقرضون هذا الاسلوب وانتهوا الى ما انتهوا اليه. ربما يعتقد النظام ان بيوت الطاعة ستنتج المواطن المفضل صاحب خصوصيات جيدة كالاذعان والخنوع والرضوخ وعدم الانتقاد لكن المعطيات تدل على عكس ذلك وتشير الى النتيجة العكسية التي انتجتها سنوات في بيت الطاعة وهي مزيد من التصميم والجرأة على تحدي السلطة في مجالات ليست سياسية فقط بل اجتماعية بدأت تظهر في السلوك الجماعي في المدرسة والجامعة والشارع والازقة وكلها دلالات تمرد على السلطة بأشكالها ومظاهرها المختلفة.
وعلى النظام ان يقر ان بيوت الطاعة لن تثني الكثير من النشطاء لذلك عليه ان يتخلص من مشروع الطاعة ويوفر الآلية المؤسساتية لتحتضن الاختلاف والنقد والتشكيك بسياسته قبل ان يفجر بيت الطاعة مشروع الاصلاح الجذري والذي لا يزال في طور التبلور تحت سقف الطاعة العمياء الذي يصبو اليها النظام واجهزته الدينية والامنية.
*كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

في احد المؤتمرات القى وزير سابق محاضرة عن الملكيات وقدرتها على التغيير والاصلاح وقارن ذلك بسوء التصرف وتدبير الامور في الجمهوريات العربية وركز الوزير المثقف على دور الملك الايجابي في حفظ التوازن وقيادة البلد واشار الى بعض التقصير الذي ارجعه الى حلقات الحكم خارج اطار الديوان الملكي.
وحدثنا عن كيفية اختطاف الاصلاح السياسي من قبل اجهزة المخابرات ووزارات الداخلية التي تصبح دولة داخل دولة وتفرض اساليبها ليس فقط على الشعب باطيافه المتعددة بل على الملك نفسه الذي يتحول الى صورة لا تستطيع مقاومة اجندة هذه الاجهزة المتصلة بالمجتمع عن طريق حلقات المراقبة والتجسس واختراق مؤسسات خارجة عن اطار اختصاصها وعملها. فرسم المحاضر لنا صورة عن الملك الضعيف الخاضع لارادة مؤسسات من المفروض ان يكون هو على رأسها تنفذ رؤيته الاصلاحية وتخضع لسيطرته ونظرته المستقبلية لكنه بعثر هيبة الملك وصورته وجعله رمزا بعيدا عن تدبير شؤون الدولة وبما ان المحاضر كان يحدثنا عن ملكية فيها من مظاهر الحياة البرلمانية ما يجعلها تقترب من نمط الملكيات الدستورية اراد ان يبرهن للحضور ان الملكيات عادة تكون مرنة قادرة على استيعاب الصدمات من خلال المؤسسات الموجودة رغم محدوديتها وعلى رأسها ملوك قريبون من شعوبهم يتألمون لألمهم على عكس رؤساء الجمهوريات الدموية وحكامها من المدنيين والعسكر معا.
صدم بعض الحاضرين في المؤتمر من هذا الطرح وتصدى احدهم للمحاضر بأسئلة لا تحرد الا ملك تلك الدولة والذي صور في المحاضرة كملك ضعيف تديره اجهزة مخابرات وأمن لا يستطيع ان يتجاوزها الا بتعيين رئيس وزارة ومن ثم تصريفه وعزله وتعيين آخر مكانه وتدور الايام وتستمر لعبة التعيين والعزل فيستفيد من الدوامة طيف كبير من الشخصيات في مدة قصيرة وتتسع حلقات الولاء لتطال شريحة كبيرة من النخب السياسية الموجودة على الساحة. ففي مثل هذه الملكية تتحول لعبة تعيين وعزل رئيس الوزراء الى محاولة لتجنب أزمة اكبر تتعلق بطبيعة الحكم الملكي نفسه وقدرته على الديمومة في ظل التحولات التاريخية على الساحة العربية.
ورغم تخصص المحاضر في شؤون بلده الا ان محاضرته قيمة حيث انها تفتح المجال لتساؤلات تطال دولا تطمح فيها بعض الشرائح السياسية الى نمط ملكية دستورية كالسعودية مثلا فهناك اكثر من بيان صدر ووقع عليه عدد لا بأس به من النخب الثقافية والسياسية منذ عام 2003 وكل هذه البيانات تطالب بنقلة الى الحكم الملكي الدستوري كبداية لاصلاح سياسي فعلي ورغم ان المشروع بدا في الستينات الا انه توارى عن الانظار وعاد ليظهر من جديد خلال العقدين الماضيين كان آخر هذه الدعوات في شهر شباط (فبراير) عام 2011. ويعتمد الطرح الاصلاحي في مثل هذه البيانات على المطالبة بمجلس منتخب له من الصلاحيات بعض الشيء ليتمكن المجتمع من تمثيل مصالحه ومطالبه ورغم ان مثل هذه المجالس في الملكيات الدستورية العربية تعتبر ضعيفة ومشلولة عندما تتصدى للسياسة الكبرى الا انها خطوة اولى صغيرة في الطريق الى التطور السياسي حسب افكار المطالبين بمثل هذه المطالب وتظل هذه البرلمانات غير قادرة على تغيير سياسات قديمة او المحاسبة الحقيقية الا في حالة نادرة كالحالة الكويتية والتي تنتظر خطوة او خطوتين لتتحول الى ملكية دستورية فعلية. اما في السعودية حيث تنعدم ابسط المؤسسات التمثيلية فنحن هنا بصدد حكم لم يتطور الا شكليا من خلال النظام الاساسي والذي كرس هيمنة الاسرة الحاكمة المطلقة رغم انه تمخض عن محلي شورى صوري وشكلي تجاوزته المرحلة واللحظة التاريخية الحالية.
وبغياب المؤسسات الضعيفة في الملكيات الدستورية تجد السعودية نفسها محرومة حتى من صورة رئيس الوزراء الشكلية او البرلمان الصوري وتستعيض عنه بمصطلح البطانة والتي اصبحت تلعب دور اسفنجة تمتص الصدمات لتحمي شخصية الملك وقراراته صائبة كانت او خاطئة.
فالثرثرة السعودية الحالية عن البطانة المستفردة بتدبير شؤون الدولة تمتص غضب الشارع وتلقي باللوم في اي فشل اداري او سياسي او اقتصادي على تلك البطانة وتنعت البطانة وبعض رموزها بالتقصير والفساد والاقصاء والسيطرة على القرارات المهمة بل التفرد برسم سياسة الدولة وفرض اجندتها على رأس الهرم وعند كل منعطف كارثي او ازمة داخلية تستحضر البطانة بمفهومها الفضفاض او بالتحديد او بأسمائها وتسقط عليها الاتهامات وتعتبر مسؤولة عن كل سلبيات الممارسات السياسية والقرارات المصيرية. وبما ان مصطلح البطانة يبدو مستشريا افقيا في المجتمع لا بد انه يطرب اسماع الحلقة الضيقة المسيطرة على القرار السياسي وهي لا تقتصر على الملك بل تضم في السعودية مجموعة كبيرة من الامراء لكل واحد منهم بطانته الخاصة. واصبحت هذه البطانة كحكومة ظل او بمعنى آخر حكومة حقيقية حيث تبدو الدولة على حقيقتها دون بهرجة ملكية وتضخيم للانجاز خاصة في المجال العام المسوق اعلاميا. فالبطانة تدير السياسة والخدمات وتتعاطى مع معضلة تدبير الشأن المحلي حيث يتعرف المواطن على ممارسات دولته وتقصيرها في مجالات الخدمات التربوية والصحية والقضائية والتنموية باشكالها المختلفة وكلها تحت سيطرة وتدبير حكومة الظل هذه. في ظل هذه التركيبة تجد السعودية نفسها في مأزق ازدواجية السلطة فهناك دولة المسؤول الرئيسي فيها يردد انه 'منكم وفيكم' ويعمل 'لخدمتكم' ويسهر على حل مشاكلكم وهو ابعد ما يكون عن هذا الشعب بسبب المنصب والمركز وهناك دولة البطانة القريبة من المجتمع حيث هي من المجتمع لكنها حسب السرديات المضادة تعتبر فاسدة مقصرة انتهازية منتهكة لابسط حقوق المواطن منتفعة بسبب سيطرتها على موارد الدولة ومؤسساتها.
استطاعت هذه الازدواجية ان تقسم ادارة الدولة الى شريحة ملكية تدعي القرب وهي بعيدة وشريحة ادارية قريبة لكنها بعيدة عن هموم المواطن ومشاكله. بل تقصيرها يؤدي الى كوارث بيئية واقتصادية وعدم القدرة على حل معضلات مثل البطالة والتقصير في الخدمات التربوية والصحية والسكنية. اصبح النظام السعودي في ظل هذه التحولات نظاما مصابا بانفصام في شخصيته يجعله يحتوي شخصية للاستهلاك الاعلامي العالمي والمحلي كنظام اصلاحي سابق لعصره في انجازاته وتخطيطاته المستقبلية وكرمه على شعبه وشخصية حقيقية تديرها ما يصطلح عليه انه بطانة كبيرة ومتشعبة. وتخدم هذه الحالة الفصامية الشخصية الاولى اذ انها تحميها من النقد وتمتص الغضب الشعبي تجاه التقصير في تلبية حاجات المواطن تماما كما يمتص رئيس الوزراء المعين من قبل الملك الغضب الشعبي في الملكيات الدستورية فيعزل ويبدل بين الحين والحين. لكن في السعودية تنعدم مثل هذه الآلية حيث ان الملك هو نفسه رئيس الوزراء ويجمع بين سلطات متشعبة ولا يمكن له ان يبدل ذاته او يعزل شخصه كما يفعل ملوك الملكيات الدستورية تجاه رئيس وزرائهم المعين من قبلهم. فالملك الدستوري على الطريقة العربية له هذا المنفذ ليخلصه من مآزق طارئة لكن نظيره السعودي يفتقد لذلك المخرج المريح فيبقى حبيسا لمحدودية دولته ومؤسساتها. واسوأ من ذلك نجده لا يستطيع عزل ولي عهده وهو ايضا يجمع في شخصه ولاية العهد ووزارة الداخلية. من هنا تكمن اهمية ذلك المصطلح المبهم الفضفاض والذي اتى رحمة للسلطة الا وهو مصطلح البطانة القديم المطعم بمفاهيم قديمة بالية يستحضرها المجتمع السعودي ليجد مخرجا لمأزقه الوجودي المتمثل في خضوعه لسلطة دولتين دولة الظاهرة ودولة الباطن. في الاولى نجد الابهة والثروة والوعود واحصائيات التنمية والرخاء ومقولات الامن والامان وفي الثانية نجد الواقع الحقيقي ومعاناة المواطن وغياب الحقوق السياسية والمدنية والاعتقال والتقييد على الحريات وطوابير البحث عن العمل واسرة في المستشفيات او مقاعد دراسية في الجامعات. في دولة الظاهر هناك صروح مشيدة وتنمية مرئية اما في دولة الباطن هناك المطبات على الطرق وحوادث تصادم مريعة وبذلك تكون دولة الظاهر هي دولة الحلم التي تصطدم بالكابوس الواقعي.
وكلما تباعدت دولة الظاهر عن الباطن كلما كانت البطانة مهمة كاستراتيجية تنفيسية تمتص المطبات في محاولة بائسة لاستيعاب الصدمات عندما يبدأ المواطن يعيش حالة وعي لا تتوقعها دولة الظاهر. هذا الوعي كفيل بردم الهوة بين الدولة المرئية الظاهرة وظلها على أرض الواقع. فالمواطن بدأ يعيش مرحلة الوعي ويطالب بتقريب المسافة بين الوعود والحقيقة وهذا وحده من سينتشل الحالة السعودية من ازدواجيتها وانفصامها. فالدولة المنشطرة الى قسمين هي دولة فاشلة لن تستطيع البطانة والقاء اللوم عليها ان ينتشلاها من مأزقها الحالي مهما حصنت دولة الظاهر نفسها بقوانين تشدد على عصمتها وتجرم انتقادها وتجعلها دولة ظاهر معصومة ومقدسة. فالوعي وحده خطوة استباقية تؤدي الى حراك واسع من اجل دولة واحدة تفي بوعودها دون ان تسترخي على اسفنجة بطانة تشبعت نقدا لن يردم الهوة بين صروح الظاهر وسلبيات الواقع.
*كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

ليس من المستغرب ان تظل الدولة السعودية تبحث عن هوية وشعار تلصقه بها، خاصة في عصر الثورات العربية. في الماضي تقمص النظام مصطلح دولة التوحيد وحليفه جند التوحيد ليكرس في المخيلة ازدواجية توحيد الارض والبشر من جهة والتوحيد بمفهومه الديني من جهة اخرى، لكن مؤخرا ظهر ولي العهد السعودي بمصطلح جديد يطرح للتداول والنقاش على ألسنة المتلقين من مختلف الاطياف الفكرية والسياسية، وأسقط على النظام السعودي مصطلح الدولة السلفية، فصفق البعض وتحفظ البعض الآخر حيث وجدوا في هذا المصطلح حيزا ضيقا لا يحتوي على هوية الدولة الاسلامية الشاملة.
وهنا ليس لنا ان نقيم مدى انطباق الاسم على المسمى او صلاحية مثل هذا الوصف لنظام طارئ لم تثبت بعد هويته، بل هي في طور التغير حسب المعطيات السياسية الآنية، وانما نحاول فهم الطرف التاريخي الآني، الذي دفع بهذا المصطلح للواجهة كهدية واسم لنظام حديث العهد بالعمق التاريخي في قاموس الدول. هناك عدة اسباب تدفع بالنظام السعودي للترويج لمصطلح كهذا، خاصة في المحيط العربي المتغير والمتبدل. السبب الاول ينطلق من رغبة نظام الحكم ان يدغدغ مشاعر جمهوره السلفي التقليدي الموالي للسلطة والمدافع عنها، والممانع لاي تغيير يطرأ على مؤسساتها لما في ذلك من هزيمة لمصالحه التاريخية المرتبطة بالنظام. ويعتبر هذا الجمهور السلفي متطرفا في ولائه للنظام محرما اي شكل من اشكال العمل السياسي، بل هو ينفي عن المواطن والمجتمع صفة العمل السياسي او المشاركة في صنع القرار، ويحرم الحراك الجماعي السلمي المطالب بالحقوق، ولا يزال هذا التيار يتمسك بصلاحياته والمؤسسات التي سمح له النظام باحتلالها وتثبيت سلطته عليها وتوزيع شخصياته على المناصب المتوفرة فيها من هيئات فقهية وتعليمية وقضائية واجتماعية وخيرية.
ورغم ان هذا التيار السلفي المحدود فكريا والمنتشر افقيا قد تلقى ضربات قاسية من السلطة ذاتها وبعض اطياف المجتمع، الا ان فضله على النظام يحتاج ليس فقط الى المكرمات من مبدأ المكافأة، بل ايضا هو يطلب الاعتراف به كهوية تلازم الدولة الملكية المطلقة المعتمدة على الحكم الاسري المتشعب. من هنا جاءت شعارات كشعار الدولة السلفية لتكافئ هذه الشريحة على جهدها في قمع اي حراك شعبي وتكفيره والزج به في خندق الفتنة وغيرها من مصطلحات شاعت تحت عباءة هذه الشريحة الدينية السلطوية. السبب الآخر وراء استدعاء هذا المصطلح في المرحلة الراهنة هو التغيرات الطارئة في العالم العربي.
كان النظام السعودي يفتخر انه النظام الاسلامي الذي يطبق الشريعة عكس الجمهوريات العربية، التي كان ضمنيا عن طريق سلفيته يروج لها وكأنها بؤر كفر والحاد قامت على يد اشخاص كانت المؤسسة الدينية السعودية السلفية قد اصدرت احكامها عليهم وكفرتهم منذ اكثر من اربعة عقود، لكن اليوم وبعد سقوط هذه الرؤوس القديمة تواجه السعودية تحديا جديدا يتمثل في هويات الكيانات الجديدة المنبثقة عن مخاضات الربيع العربي، ومن اهم التحديات هو وصول اسلاميين من اطياف متعددة، منها الاخواني والسلفي الى برلمانات منتخبة وكلها تستمد مناهجها من تفسيرات ومبادئ اسلامية وهذا ما يجعل النظام السعودي يهتز لمثل هذه النتائج التي تفضح مقولة احتكاره للاسلام وتطبيق الشريعة، ومن المفارقات ان تكون دولة تدعي الاسلام تحتقن من بروز الاسلاميين في دول عربية اخرى هم ايضا يستمدون شرعيتهم من شعارات اسلامية صرفة ستخضع لحظة ممارسة السلطة للامتحان القادم. لذلك تبدو هوية الدولة السعودية الاسلامية الشاملة كأنها تتعرض للمنافسة بعد فترة احتكار الاسلام عندما كان النظام يعتبر نفسه الاول والاخير في مسيرة الدول الاسلامية.
ومن هنا جاء الشعار الجديد السلفي ليفرق بين دول اسلامية شاملة كالتي بدأت ملامحها تظهر في العالم العربي وبين ما يسمى بالخصوصية السعودية التي تمثلت في رفع مصطلح الدولة السلفية مؤخرا.
السبب الثالث هو كون السعودية بنظامها الحالي تفتقد لمعطيات وآلية المؤسسات السياسية، حيث انها لا تزال دولة فئوية تقوم على الحكم الاسري الوراثي، بينما تقدم بعض الاحزاب الاسلامية في المنطقة مشروعا لنظام الحكم يعتمد على مبادئ اسلامية ويجمع بينها وبين مؤسسات حديثة كالمجالس المنتخبة والدستور المكتوب وقوانين الاحزاب، وكلها مؤسسات جديدة جاءت مع مفهوم الدولة الحديثة.
واكثر ما يزعج النظام السعودي هو المزج بين الهوية الاسلامية والديمقراطية التي قد تتبلور في بعض الدول العربية كتونس ومصر، خاصة ان نتائجها في بلد مثل تركيا جاءت بنقلة نوعية في الممارسة السياسية والنمو الاقتصادي. وعندما ترفع الدولة السعودية شعار الدولة السلفية حسب المفهوم الضيق للمصطلح، الذي ينظر له طيف كبير من علماء المملكة الرسميين فهي تحاول جاهدة ان تتميز عن الحدث الطارئ على الساحة العربية، وهو هذا المزج بين الهوية الاسلامية وآليات الديمقراطية التي طالما اعتبرها منظرو السلفية السعودية نظاما خارجا عن التقليد الاسلامي المعترف به في نصوصهم ومراجعهم. وان جاء هذا المزج من جماعة الاخوان المسلمين فعادة يسلط النظام السعودي عليه خطب أئمته، خاصة تلك التي تطعن بالآخرين من منطلق عقائدهم المميعة وحزبيتهم المقيتة واهدافهم السياسية على حساب المعايير الدينية الثابتة، في محاولة بائسة لسحب البساط من تحت اقدام مريدي هذا التيار في الداخل السعودي، واسوأ من ذلك بحسب معايير النظام السعودي هو ان تخرج تيارات من رحم السلفية ذاتها، التي يحاول ان يتقمصها، تطالب بتفعيل معاني سياسية حديثة تستمد شرعيتها من تفسيرات مغايرة لتلك التي تطرحها الفصائل السلفية المرتبطة بالاسلام السعودي الموالي للسلطة المطلقة. وقد ظهرت بالفعل تيارات سلفية تشارك بالانتخابات وتطالب بصياغة دساتير للحكم وتقتنع بالتعددية وتلح على حق الأمة بانتخاب رئيسها وتشارك في الانتخابات منذ فترة غير قصيرة. وان كان من السهل على النظام السعودي ان يطعن بالتيارات السلفية التي استعملت العنف في سبيل مشروعها، الا انه ليس من السهل ان يحيد التيارات السلفية الجديدة والتي تتبنى مشروع العمل السياسي السلمي كالانتخابات والمظاهرات والعصيان المدني، ولا تعتبر مثل هذه الآليات خروجا على الحاكم او فتنة تشق الصف.
جاء شعار الدولة السلفية الذي يتبناه ولي العهد السعودي باهتا غير قادر على استيعاب الساحة الاسلامية المتشعبة والمتنوعة، ليس فقط في خارج حدود السعودية بل في عقر دارها وضمن المؤسسات القائمة حاليا. وبعد ان كثرت الطروحات السياسية الاسلامية يجد النظام السعودي حاجة ماسة الى اعادة تثبيت هويته امام هذا الزخم من التيارات والممارسات، التي هي ايضا تنهل من نفس المناهل الفكرية والدينية التي يعتقد انه تأسس على اصولها. وفي الماضي كان من السهل على النظام ان يكتفي بشعار الدولة الاسلامية في بيئة عربية تختلف عما هو في طور البزوغ حاليا، ولكنه اليوم في صدد منافسة من الهويات الجديدة على ماهية النظام ومنابعه وآليات عمله ومدى اقترابه من منظومة الدولة الحديثة التي لا تقضي على خلفيات عقدية اثنية او طائفية، بل تحاول ان تحتضن الاختلاف والتعددية. وان قدر للمشاريع العربية ان تكتمل وتنضج فستكون معيارا جديدا ينافس في شرعيته وهويته الكيان السعودي الذي حتى هذه اللحظة لم يطور اي مؤسسات حديثة لممارسة السياسة وتدبير الشأن العام خارج اطار مفاهيم حكم قديمة قائمة على الاستئثار بالسلطة التي تخضع لها كافة مؤسسات الدولة من مالية وقضائية وتربوية واجتماعية وتحكم عن طريق حلقات الولاء المشخصنة وتبني مفهوم محدود للمواطنة مبني على الولاء المطلق لشخص الحاكم وليس لوطن او دولة مؤسسات. لكن يبدو ان اسقاط شعار الدولة السلفية لن يحل ازمة النظام السعودي الوجودية، حيث يبدو يوما بعد يوم وكأنه خارج اطار الزمان والمكان في منطقة عربية تموج فيها مصطلحات جديدة عن الحقوق والمؤسسات والتمثيل الشعبي وفصل السلطات وكلها يحاول النظام السعودي ان لا تصبح متداولة في محيطه، خاصة ان امتزجت هذه المفاهيم الجديدة بنبش للتراث الاسلامي واستلهام المبادئ من تاريخه القديم في محاولة تقريب الارث الماضي مع متطلبات اللحظة التاريخية الحالية. وبعد ان تبنى النظام السعودي مصطلح السلفية كهوية تتردد على السنة المسؤولين لا بد من طرح السؤال الحرج. عن اي سلفية يتحدث، خاصة بعد ان تشظت وتفرعت تياراتها؟ وان كان يقصد تياره الموالي فلا نعتقد ان المرحلة الحالية بكافة انجازاتها ومخاضاتها مهيأة لتقبل تيار ضيق همه الاول المحافظة على صلاحيات من اهمها التقييد على البشر في حياتهم وحرمانهم من ابسط حقوقهم المدنية والسياسية تحت ذريعة درء الفتن.
* كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

التكنولوجيا سلعة ككل السلع فهي شيء يرتبط بمعنى ورمز ومفاهيم وقيم وطريقة حياة ونمط معيشي من الممكن ان تشترى بالمال وتستورد من بقاع العالم فتعتقد المجتمعات انها وصلت الى آخر مبتكراتها وصرعاتها فتسافر التقنية الحديثة الى بيئات ذات ثقافات متنوعة ومختلفة فتتوطن بها وقد تستخدم لنفس الغايات المناطة بها لحظة اختراعها وتسويقها لكنها تظل مرهونة بجدل واسع في البيئة، خاصة وان كانت هذه البيئة بعيدة كل البعد بثقافتها وحياتها وقيمها عن تلك المصدرة للتقنية.
وتظل عملية توطين التقنية من المهام الصعبة المحفوفة بالمد والجزر في البيئة المستقبلة فتقسم المجتمع بين متحمس وممانع متلهف للجديد وآخر يحذر من عواقبه ورسالته والقيم المتعلقة والمرتبطة به. وتشتد المعركة خاصة في مجتمع كالمجتمع السعودي حيث انفتح على التقنية بسرعة لم يشهدها الكثير من الشعوب الاخرى الا جاراتها في الخليج حيث اجتمعت الثروة النفطية مع رغبة في تسلق سلم التقنية بسرعة ايضا والانخراط في استهلاك آخر انتاجات التقنية. فمنذ بداية القرن العشرين شهدت الساحة السعودية جدلا واسعا حول سلسلة طويلة من الاشياء الحديثة بدأ بالسيارة والمذياع والتلفزيون ومؤخرا اطباق الارسال الفضائي والفاكس وآخرها جدل حول تويتر ومخاطره رسالة خرجت من رحم المؤسسة الدينية تحذر من عواقبه وعواقب الرسائل التي يحملها. اثارت هذه التقنيات جدلا لانها تقنيات تحمل صفة الانتقال السريع والتواصل الحقيقي والافتراضي وتتشبع بمعايير وثقافة تعتبر حاملة للمخاطر والتحول في المفاهيم. لنبدأ بالسيارة اولا والتي جاءت في بداية القرن الماضي لتسهل التواصل والنقل والسفر فكانت نتيجتها القضاء على نمط حياتي ووسيلة نقل قديمة تتمثل بالقافلة والبعير. واهم من ذلك قضت السيارة على اسلوب حياة تتميز بالترحال لكن المجتمع تبنى هذه التقنية ولكنه حصر استعمالها في نصف المجتمع واستمر حتى هذه اللحظة في منع النساء من قيادتها وجاء هذا من باب الاصرار على كبح جماح هذه الايقونة الثورية.
قد يستغرب البعض كيف ان السيارة تتحول الى ايقونة ثورية لكنها بالفعل كذلك فهي ليست وسيلة نقل سريعة ومريحة بل هي اكثر من ذلك بكثير حيث انها تحمل من المعاني الجديدة على المجتمع السعودي والذي يحرمها على المرأة. السيارة ليست بالتقنية المحايدة بل هي منغمسة في معاني وثقافة تحاول السلطات السعودية ان تستثني المرأة منها. من هذه المعاني التي تحملها السيارة الفردية والاستقلالية وعدم الاتكال على الآخرين والرمزية التي تعكس الثراء والطبقة الاجتماعية بل حتى هوية صاحبها والتي تتمثل في انواعها والوانها وحجمها وسرعتها وعدد ابوابها وسقفها ففي مجتمع هبط عليه الثراء فجأة نجدها من اكثر المتحمسين لاقتناء هذه الايقونة الثورية الجديدة وليس بالمستغرب ان السعودية تأتي بالمرتبة الرابعة عالميا في استيراد اغلى السيارات من ماركة الرولزرويز. ورغم ان المرأة السعودية تستطيع ان تقتني السيارة وتمتلكها الا انها لا تستطيع قيادتها حيث فقط قيادتها لهذه الآلة تعكس المعاني الاكثر خطرا في منظور بعض اطياف المجتمع واهمها الحرية الشخصية وفردية التنقل وعدم الاتكال على الآخرين. فالسيارة ايقونة فريدة في مجتمع استهلاكي يحاول جاهدا ان يستهلك دون ان يمتص المعاني المرتبطة بالاشياء المستهلكة وأهم من ذلك نجد السيارة توفر مساحة بين الخاص والعام ففيها يجد الانسان السائق والراكب نفسه محاطا بالعالم حوله لكنه يحتكر حيزا صغيرا من السرية، فراكب السيارة غير راكب القطار والباص لانه موجود في المكان العام ولكنه ايضا غير موجود مما يوفر له بعض التواري عن الانظار وهذا ما يشكل تحديا لمجتمع يحاول جاهدا ان يفصل بشدة بين الخاص والعام ومن هذا يظل منع المرأة من قيادة السيارة قائما حتى اشعار آخر.
وكما السيارة خلقت معضلات عالقة في المجتمع جاء مؤخرا تويتر لينسف الحد الفاصل بين ما يقال وما لا يقال وكغيره من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة والمفترض ان تكون افتراضية الا انها تحولت في السعودية الى عالم حقيقي يشكل خطرا على الشخص المشارك في مساحاته كما يشكل خطرا على حالة السرية والحجر على حرية التعبير، المعتمدة في السعودية ومن هنا نبه مفتي السعودية الى خطر تويتر ورسائله حيث تتحول هذه الرسائل الى ايقونات ثورية تهدد اعمدة الاستبداد الديني ـ السياسي المرتبط بالنظام السعودي ونشأته. وليس بالمستغرب ان السعودية قد ضربت الرقم القياسي في استعمال هذه التقنية الجديدة التي وفرت مساحات للتواصل في غياب مؤسسات مجتمع مدني مستقلة لا تخضع للرقابة والتجسس. ظهر تويتر في بيئة امريكية وبالتحديد في جامعة هارفرد حيث طوره شخص يريد التواصل مع اصدقائه في محيط الجامعة وتطورات الحلقة لتشمل جامعات اخرى ومن ثم تم تسويقه كوسيلة اتصال مباشرة بين مؤسسات وأفراد همهم نقل المعلومة والتعليق عليها دون حسيب او رقيب. ومن هنا تكمن تحفظات السعودية وخاصة مؤسستها الدينية على مثل هذه التقنية. ولم تمضِ مدة طويلة حتى سقط في مأزقها احد الكتاب الشباب المدعو حمزة كشغري والذي نشر جملا تعتبر تطاولا على الذات الالهية والرسول لتتزامن مع عيد المولد النبوي. اعتقد كشغري ان تويتر حرية مطلقة ولم يفرق بين الحرية والتعدي على المقدسات فأثار زوبعة عارمة لا يعرف حتى هذه اللحظة الى اين ستنتهي به وتكاثرت دعوات القتل على صفحات تويتر والتي ربما لم يخطر ببال مخترع تويتر وقد يكون مصدوما بما آلت اليه تقنيته الثورية التي تحولت الى ساحة محكمة تفتقد الى ابسط دعائم المحاكم.
لم يكن تويتر يوما ما مؤهلا لان يكون محكمة لا تستوعب الا 140 حرفا ولكن انتقاله الى بيئة غير بيئته زج به في معارك محترمة في السعودية نتيجة عملية تراكمية تعاون فيها السياسي والديني على تجييش المجتمع والزج به في معارك دينية واجتماعية في محاولة هروب من مواجهة واقع سياسي متخلف لم يعد يواكب تطلعات فئة واسعة من المجتمع. ممارسات النظام السعودي خلال العقود السابقة انتجت مجتمعا مغيبا سياسيا لا يجد متنفسا الا عن طريق القضايا الاجتماعية فيصطف هذا المجتمع في خطين متوازيين لا يلتقيان وهكذا تريده السلطة السياسية التي افرزت حالة تشنج لم يعرفها هذا المجتمع الا تحت قيادة سعودية مزقت تراثه الديني السابق وزرعت مكانه معسكرات جاهزة للانقضاض على فريسة جديدة كل يوم، نعارض وندين التعدي على مقدساتنا تماما كما عارضنا استفزازات الكارتون الدنماركي ومحاضرة البابا وافلام تنتقص من ديننا ويخطئ من يعتقد ان التعدي على رموز دينية هو حرية مطلقة فتدنيس المساجد والتبول على المصاحف ليس حرية بل انتهاكا لمقدسات الآخر واعمال شنيعة لا يقوم بها الا العنصري المتطرف المستفز والتهكم على الله والرسول ليس كوميديا ضاحكة للتسلية او شعرا راقيا وأدبا حداثيا رفيع المستوى. لكن نرفض ايضا التسرع باطلاق الاحكام وتعليق المشانق على تويتر قبل التحقيق والتدقيق قد يكون تويتر سهل صلب البشر وسرع حدة التأزم في مجتمع لا يزال محروما من ابسط انواع الحرية في مرحلة بدأ يتململ من الحجر عليه فأختلطت على كشغري حدود هذه الحرية الفجائية فسطر جمله القصيرة متجاوزا حدودا قديمة لن تتحول تحت مظلة التقنية الثورية الى مباح ومقبول. وحسمت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء الامر واصدرت بيانا اشارت فيه ان ما كتبه كشغري هو من اعظم انواع الكفر وطالبت ولاة الامر محاكمته شرعا لانه كافر مرتد عن الاسلام وهنا ليس من باب الدفاع عن كاشغري لكن يبدو ان الهيئة تحاول غسل ماضي وحاضر تهميشها لتستعيد بعض رونقها في نظام تجاوزها وجعلها رقيبا على كل شيء ما عداه حيث صلاحياتها تتوقف وتتعثر عند عتبات القصور والمراسيم الملكية، فوجدت في هذه القضية فرصة تاريخية لتتجاوز محدوديتها وتهميشها. تماما كالسيارة سابقا وتويتر الآن تبقى التكنولوجيا الحديثة وسائل تحمل معاني وقيم ليس من السهل ان تستوعبها كل المجتمعات دون جدل وان تهافت عليها البعض واكثر من اقتنائها الا ان قيمها دوما تصطدم بقيم البيئات المستوردة لها فتحاول هذه البيئات ترويضها واذلالها والتضييق عليها او استعمالها لغير الاهداف الكامنة وراء اختراعها وتسويقها فكما يمكن ان تكون التقنية ايقونة ثورة الا انها تتحول في بعض البيئات الى ايقونات تثبت القيم السائدة بل تدعمها بسرعة انتشارها واختراقها للمجتمع افقيا بشكل واسع وكبير. فان كان تويتر رمزا للحرية والتواصل كما اراده مخترعه الا انه بسهولة يتحول الى طريق وعر يستغله المتطرف والعنصري. وستبقى العلاقة مع التقنية علاقة متشنجة محتقنة طالما اننا لسنا من يخترعها ويصدرها بل نحن دوما من يستوردها ويحتار في معانيها.
*كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

بعد عامه الاول يبدو الربيع العربي وكأنه لا يزال في بدايته حيث لا توجد اي مؤشرات تجعلنا نقتنع انه سيتوقف عند حدود هذه الدولة او تلك اذ انه فتح صندوق العجائب العربي والذي غلفته عقود من الصمت والقمع فما ان برز ثقب صغير حتى اندلعت شرارات التحول وبدأت تنتقل من بلد الى آخر. ولا بد لنا من وقفة تأملية امام هذا الزخم من الاحداث المتسارعة والمتضاربة تتقدم تارة وتتأخر وتتراجع تارة اخرى اتت هادئة وعاصفة محملة بالامل والتطلع الى المستقبل كذلك جاءت دموية عنيفة راح ضحيتها الكثيرون.

يمكننا ان نحدد هذه الوقفة التأملية بعدة محاور. اولا اشتراك كل الدول العربية بأنظمة اسرية متشعبة تغلغلت في مفاصل السلطة السياسية والاقتصادية والعسكرية حتى اصبحت الدولة عائلة وفضحت احداث الربيع العربي ليس فقط الجمهوريات المنكوبة بل ايضا الملكيات المراوغة والتي صورت نفسها وكأنها بؤر استقرار وازدهار ولحمة بين اسر حاكمة وشعب كبير. اثبتت هذه الانظمة بشقيها الملكي والجمهوري تحولا جذريا من حكم الفرد المتسلط والذي ارتبط وجوده بمرحلة الستينات والسبعينات الى مرحلة حكم الاسرة والعشيرة ومن يلف حولها فالعسكري او الملك في مرحلة سابقة كان شخصا لم يتمكن بعد من تطوير حلقة كبيرة من الموالين والمنتفعين فذهب هؤلاء دون ان يتركوا امبراطوريات اقتصادية كالتي تركها حكام الاسر في المرحلة الحالية. فضح الربيع العربي الفساد الاقتصادي لهذه الاسر المتشعبة حيث الزوجة والابن والعم والاخ يجتمعون مع حلقات كبيرة من المتمكنين والذين ارتبط وجودهم وتمكنهم بولاء لهذه الاسر. ثانيا: نقطة تأملية مفصلية فضحها الربيع العربي تنطلق من كون كل حكام العرب المخلوعين والمتبقين ارتبطوا بعلاقات حميمة مع الغرب وهذا لا ينطبق فقط على الرؤوس المعروفة في الجمهوريات والملكيات بل ينطبق ايضا على الذين تبنوا شعارات الرفض والمعاندة حيث تبين انهم في ايامهم الاخيرة كانت قد تمت عمليات اعادة تأهيلهم واعادتهم الى الحظيرة الغربية من اجل التعاون الاقتصادي والعسكري والاستخباراتي والمصالح المشتركة. وفي مجملهم رغم بعض الاختلافات الجزئية كانوا لا يحكمون الا بتقنية الآلة العسكرية المتقدمة ونصائحها الاستخباراتية والدعم الاقتصادي والاستشارات وقنوات التعاون المكشوفة والمستورة التي قدمتها حكومات غربية طيلة عقود طويلة.

من هنا نقطتنا التأملية الثالثة والتي تطرح مصير مثل هذه العلاقات القديمة ومدى استمراريتها بعد الربيع العربي عن طريق الشرائح السياسية الجديدة والتي تأتي عن طريق الانتخاب او تعيينات المراحل والمجالس الانتقالية. نستطيع ان نستشرف المرحلة المقبلة من خلال اهمية المنطقة العربية استراتيجيا واقتصاديا فهي ليست منطقة نائية معدومة الموارد وفيها من الايديولوجيات والقضايا العالقة كالبطالة والفقر والهجرة بالاضافة الى النفط والغاز والمعادن وفرص الاستثمار ما يجعلها غير قادرة على التملص من الهيمنة والتي تبدو اليوم وكأنها عادت الى مرحلة الحرب الباردة بين الثلاثي الامريكي ـ البريطاني ـ الفرنسي من جهة والثنائي الروسي ـ الصيني من جهة اخرى. مما يجعل المنطقة العربية ساحة قديمة متجددة لصراعات القوى الكبرى على ارضها. رابعا: فتح الربيع العربي ملف القوى الاقليمية التي تلعب وتتلاعب بافرازات الربيع العربي وهنا تبرز عدة محاور اهمها المحور التركي والايراني والسعودي والقطري حيث يتصارع هؤلاء على مصادرة الربيع العربي من منطلق مصالحه وحربه غير المعلنة مع جيرانه. ومن الافرازات العجيبة الغريبة تصدر انظمة لا تعرف معنى او ممارسة الديمقراطية على ارضها واحتكارها للمراتب العالية في ملفات انتهاك حقوق الانسان والحريات الدينية والسياسية حسب معايير دولية معروفة لمشروع الترويج لربيع عربي تفضل ان لا يتقدم باتجاه حدودها وان لا يهب نسيمه العليل في صحرائها القاحلة وان قدر لهذا النسيم ان يهب فتسارع هذه الانظمة الى تحويله الى ريح خماسين حارقة او 'سموم' ملتهبة، هذه النقطة ترتبط بالتحول التاريخي الذي شهده العالم العربي منذ السبعينات حيث صناعة الحدث هاجرت من المنطقة المعروفة بالصدارة الفكرية والسياسية الى منطقة ناشئة تتصرف بأسلوب الاثرياء الجدد ومنطقهم.

اما تركيا الناشئة اقتصاديا حاولت في بداية الربيع العربي ان تتحول الى نموذج يحتذى سياسيا واقتصاديا لكن تبقى التجربة التركية تجربة فريدة ليس من السهل استنساخها حرفيا في البيئة العربية لانها اقترنت بتجربة تاريخية قديمة ومؤسسات عسكرية وتيار اسلامي تركي ربما لا يمكن تصديره او استيراده عربيا بسهولة خاصة وان الساحة العربية الاسلامية تنطلق من مسلمات بعيدة عن نظيرتها التركية رغم وجود بعض المحاولات للاستفادة من التجربة التركية في المنطقة العربية. ويبقى اللاعب الايراني محاولا لان يتحول الربيع العربي الى امتداد للصحوة الايرانية وثورتها لكن هذه الثورة بقيت وحيدة لانها هي ايضا ارتبطت بخصوصية ايرانية شيعية وليس من المعقول او الممكن استنساخها في بيئة عربية. ومهما كثرت النماذج وتعددت الايدي الجاهدة في اقتناص فرص قد جاءت مع الربيع العربي الا ان النهاية دوما ستكون في مصلحة الشعوب العربية ان هي انتقلت الى حكم ديمقراطي يكون فيه التمثيل السياسي الحقيقي حصنا ضد التدخل العالمي والاقليمي حيث يضع هؤلاء المصلحة القومية لمجتمعهم فوق مصالح الدول الخارجية او المصالح الفئوية للنخب الحاكمة.

ويبدو ان تطور المؤسسات الديمقراطية السياسية هو وحده الكفيل لخروج المنطقة من دوامة الهيمنة وتحررها من عقود التبعية التي انهكت شعبها ومواردها لكن ان لم يقترن هذا بنمو اقتصادي حقيقي فستظل الديمقراطية مشروعا عقيما قاصرا على تثبيت السيادة. فالديمقراطيات المنهكة اقتصاديا الفقيرة بانتاجها هي التي تتعثر وتفتح الباب للتدخل الخارجي من طرفين اولا مؤسسات النقد العالمية وثانيا الدول الطامعة لمصالح وتوسع اقتصادي في محيطها وجوارها. فالديمقراطية بدون اقتصاد قوي يلبي حاجات المجتمع شعار خلاب يتهاوى على ارض الواقع ويختطف بنفس السرعة التي جاءت به. التأمل الاخير والمهم ربما لا نجد له اجابة الا في المستقبل وهو يتعلق بسؤال وجيه. هل تقف رياح الربيع العربي عند حدود الجمهوريات ام انها ستنتقل الى الملكيات والتي تنقسم الى قسمين ملكيات ثرية ريعية تعتمد على النفط والغاز وملكيات فقيرة تعتمد على المساعدات الخارجية. ومهما اختلفت مصادر الدخل الا ان رياح التغيير ستطال هذه الكيانات المختلفة بمؤسساتها وحراكها ومجتمعها المدني وتاريخها. وهناك ثلاثة كيانات على الاقل ستنتقل فعليا الى مرحلة اكثر تطورا وهي مخولة لان تقترب من الحكم الديمقراطي قبل غيرها بسبب حياتها السياسية وتجربتها القديمة وهي البحرين والكويت والاردن في المشرق العربي والمغرب في الجهة الاخرى.

اما البقية المتبقية من الملكيات العصية وعلى رأسها السعودية فسيكون انفجارها مدويا لانها ترفض ان ينفتح الخير السياسي تدريجيا ويستوعب بعض الممارسات الديمقراطية وتظل تحكم بتأجيج الانقسام الشعبي الطائفي والقبلي والمناطقي والفكري وتحارب اي مطالب سياسية دستورية او تلك التي تصبو الى المشاركة الشعبية من خلال برلمان منتخب وحكومة غير معينة كما هو الحال الآن. وان تأخر الربيع العربي في السعودية فهذا ليس لان الشعب رضي بالمكرمات الملكية وأجل المواجهة لكن هذا نتيجة فرض قيود تكبل الحراك الوطني وتجرم العمل السياسي السلمي ومثل هذه القيود لا مثيل لها حتى في الجمهوريات العربية البائدة ففي اسوأ ايام حكم مبارك كان المصريون يتمتعون بحريات لا زالت معدومة في الداخل السعودي فالانتخابات المزيفة التي كان يتباهى بها مبارك وحزبه مرنت الشعب المصري على مواجهة اكذوبة النظام بينما في السعودية نجد القمع واستئصال الحراك السلمي يتطور دون مواربة او حتى اكذوبة تغطيه. القمع المفضوح عطل طاقات ونفى الحراك من قاموس الكثيرين في السعودية واجل رياح الربيع العربي واكثر ما يهدد المستقبل في هذا البلد هو انفجار العنف والعودة الى دوامته خاصة وان النظام يصر على تجريم الحراك السلمي السياسي مما يجعل خيار العنف مطروحا كوسيلة للتغيير نتيجة انسداد افق العمل السياسي المدني.

ومنذ عام 1927 شهدت الساحة السعودية موجات عنف لم يتعلم منها النظام اي درس سوى دروس العنف المضاد كوسيلة لاستيعاب موجات الغضب السابقة.

ورغم تحول بعض الشرائح السعودية الاجتماعية والسياسية الى خطاب حقوقي مدني سلمي الا ان تعنت النظام واصراره على الحلول الامنية واتهاماته لهذه الشرائح بالارهاب واثارة الفتن قد يجعل البعض ينأى بنفسه عن الانخراط في تيارات سلمية ويلجأ الى خيارات العنف. ستبقى تأملات الربيع العربي في سنته الاولى مرهونة بأثقال الماضي الذي انهك الشعوب وربما بعضها وتبقى معلقة في اطياف المستقبل وما يخبئه للمنطقة.
*كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

ان اي حراك سياسي حقوقي يفشل في ان يبتكر شعارا له تختطفه السلطة المضادة له وتصبغ عليه صفة تنزع شرعيته وتجرمه حتى تضمن تلاشيه وتفككه امام جمهور يحاول التعاطي معه ضمن المعلومات المتوفرة لديه. وهذا بالفعل ما يحصل في السعودية، حيث تقاوم السلطة السياسية حراكا ما زال مشتتا يفتقد للاجماع الشعبي ومجزءا الى سلسلة طويلة من الحقوق، استطاع النظام ان يعزلها بعضها عن بعض من اجل تشتيت محاولات جمعها تحت شعار عريض قد يطيح بالنظام ان توفرت له البنية المحتجة القادرة على اختراق حلقات الولاء والارتباط بالنظام.
الجزئية الاولى من هذا الحراك متعلقة بقضايا المرأة الحقوقية التي تحولت الى مطلب نسائي بحت غير مرتبط بسلسلة طويلة من الحقوق المدنية والسياسية، واستطاعت السلطة ان تحجر على هذا الحراك وتزج به في خانة الشأن النسوي المنعزل عن قضايا المجتمع بكافة اطيافه. جزئية ثانية تتعلق بقضية البطالة المتفشية في صفوف الشباب، حيث نجد ان الكثير منهم يتجمع امام ابواب الوزارات مطالبا بعمل ومعتصما من اجل حق انساني وكرامة، تماما كقضية المرأة، ونجد ان اعتصامات الباحثين عن عمل قد عزلت تماما عن قضايا المجتمع وتحولت الى تجمهرات بحثا عن وظيفة دون ربطها بقضية جوهرية، وهي فشل الاقتصاد السعودي تحت سيطرة النظام الحالي في ان يوفر ابسط حق من حقوق الانسان، وهو الاكتفاء الذاتي والتحصين ضد العوز. وتفضل السلطة السياسية متمثلة بجهازها الامني ان يبقى البحث عن الوظيفة مهمة فردية وشخصية، يستجدي صاحبها الحل من خلال تفعيل الواسطة وخطاب التزلف لهذا المسؤول او ذاك، ويرفض النظام مبدأ الحقوق الجماعية ومناصرة الباحثين عن العمل بعضهم لبعض، تماما كما يرفض فكرة التكتل من اجل المطالبة بالحقوق، حيث تفرق الاعتصامات ويعتقل منظموها لينفرط عقد الجماعة وهذا ما يصبو اليه نظام يعتمد على تفكيك المجتمع والمساهمة في تشرذم قدرته على الاتحاد خلف مطالبه المشروعة. فلا شيء يثير الذعر في قلب النظام مثل التجمهر والحشود البشرية التي تفضح اساليب القمع بشكل واضح وصريح، ومن هنا اصرار السياسي المدعوم دينيا على حرمة المظاهرات. ومن نفس مبدأ تجزئة الحقوق يتعامل النظام السعودي مع المناصرين للمعتقلين السياسيين، حيث يفرق تجمعاتهم امام الوزارة المعنية ويعتقل من ينظم مثل هذه التجمعات ويفضل ان يلجأ هؤلاء الى الاساليب المعروفة القديمة تحت مسمى استجداء صاحب القرار برسائل وبيانات وخطابات ترسل عبر وسائل بدائية وبسرية تامة، لتتلاشى الحقوق وتمر السنون وملفات المعتقلين تبقى مغلقة بعيدة عن اي ضجة اعلامية واحراج عالمي او محلي. ومن هنا تأتي حلول النظام لسلسلة طويلة من المشاكل والقضايا العالقة كحلول فردية، فقضايا حقوق المرأة تحل عن طريق مكارم ملكية تقر بتعيين عدد قليل من النساء مستقبلا في مؤسسات الدولة، او فتح باب العمل في المحلات التجارية المتخصصة بملابس المرأة الداخلية. وقضية البطالة تحل عن طريق ايجاد وظائف حقيقية او وهمية لبضعة اشخاص ويفرج عن معتقل واحد ليدخل السجن عشرات من الآخرين، وتبقى هذه الحلول الجزئية سمة من سمات النظام الذي لا يقبل اتحاد المجتمع واجماعه على قضايا مصيرية ابعد من وظيفة او معتقل واحد. وان تجاوز الاحتجاج الافراد لتنخرط فيه مجموعة كبيرة نجد النظام يسلط آلته الاعلامية ليفكك ابجدياته ومطالبه فينهار عليه بصفات تخرجه من حيز المطالبة بالحقوق الى حيز الجريمة والفتنة والتخوين، بل نجده يستدعي تهما مثل تهم تعاطي الخمور وتسويق المخدرات فتصبح بؤر الاحتجاج بؤر جريمة وانحراف وهذا هو الاسلوب المتبع مع احتجاجات القطيف والعوامية، حيث تبقى هذه الاحتجاجات ملتهبة وقادرة على حشد جمهور كبير عكس الاحتجاجات الصغيرة المتفرقة في المدن السعودية الاخرى.
ومؤخرا انتقلت عدوى الاحتجاج الى عرعر، وهي مدينة في المنطقة الشمالية لم تتضح معالمه بعد وسارعت اجهزة الدعاية السعودية لاضفاء صفة الشغب على المناوشات التي حصلت في شوارع المدينة من قبل متن اسمتهم بالمراهقين، وزج الصراع القبلي كإطار من خلال احداث عرعر دون وجود اي منظومة اخرى يستطيع المواطن من خلالها ان يفسر ما يحدث ليلا في كثير من المدن السعودية النائية، التي تسدل عليها السلطة السياسية ستارا عازلا ينفي عنها الحدث وان خرجت اخبار هذا الحدث الى العالم تسارع السلطة الى نعته بأوصاف تنفي عنه صفة الحراك او المطالبة بالحقوق او انعكاسا لواقع مزر ينفجر دوما ويعبر عن نفسه بصدام مع اجهزة الدولة المتعددة والمتفرعة. وعندما تزداد وتيرة الصدام بين اكبر شريحة اجتماعية، وهي شريحة الشباب مع اجهزة الامن والرقابة نستطيع ان نستشرف ملامح المرحلة المقبلة، في بلد تسعى حكومته لنفيه من مسيرة التاريخ وحراك الشعوب، حيث تطمح السلطة السعودية الى اخراج المجتمع السعودي من التاريخ البشري والزج به في تاريخ خارج اطار الزمان والمكان تحت منظومة الخصوصية السعودية، فتنفي عنه القدرة على الاحتجاج وهذا ابعد ما يكون عن الواقع، حيث جاء الاحتجاج مصحوبا بالعنف في المراحل السابقة بسبب انعدام قنوات الحراك السلمي ومنعها منعا باتا، وكلما زاد اصرار النظام السعودي على تحريم الاحتجاج السلمي اقتربت السعودية من مرحلة الصدام العنيف، الذي بدأ يظهر من خلال المناوشات المتفرقة وحوادث الاعتداء على ممثلي السلطة بطريقة عشوائية تجعل من السهولة الزج بها في خانة اعمال الشغب. وعادة تكون مثل هذه الحركات والمواجهات المتفرقة الدليل القاطع على احتقان شعبي عريض من قبل شرائح متفرقة تمنعها السلطة من التجمع والمطالبة بحقوقها المشروعة، فتلجأ الى اعمال متفرقة مشاغبة حسب سرديات النظام، ولكنها بهذه الاعمال تعبر عن رغبة حقيقية في الانخراط بالعمل الجماعي المحظور والمعاقب عليه بشدة من قبل النظام واجهزته الامنية. وان لم تتجاوب السلطة مع التغيرات الديموغرافية والاجتماعية على الساحة السعودية ستجد نفسها منجرفة في بؤرة عنف جديدة تختلف عن المرحلة السابقة، خاصة مرحلة المواجهات مع التيارات الجهادية عندما فعلت السلطة الحلول الامنية. ولكن المواجهة القادمة لن تجعل الحلول الامنية بنفس الفاعلية خاصة وان هي تصدت لشباب اعزل يخرج الى الشوارع دون ان يلجأ الى اعمال التفجير والقتل مطالبا بحقوق تعتبر اليوم من المسلمات والبديهيات، والخطر الذي تواجهه السلطة اليوم ينبثق من اولا: توحيد المطالب المجزأة حالية وجمعها في حزمة واحدة تحت شعار كبير يلتف حوله طيف كبير من المجتمع وفئاته. وثانيا: تصاعد وتيرة الاحتجاجات السلمية والاعتصامات والاضرابات التي تحرج السلطة القائمة على منظومة توفير الامن والامان والرفاه والرخاء. ورغم ان مثل هذه الاعمال السلمية ليست متأصلة في المجتمع الا انه عرفها في عصور سابقة خاصة في مرحلة الخمسينيات من القرن المنصرم واندثرت بعد ان تم تجريمها من قبل النظام، الا ان مصطلحاتها بدأت تجد طريقها الى المخيلة الشعبية وصورها تتناقلها شاشات الاعلام المرئي، خاصة بعد ان اصبحت سمة ملازمة لعام 2011 في المحيط العربي والعالمي. وان كانت الدرر السعودية الرسمية جاهزة لتصف العمل الجماعي بمصطلحات الفتنة والتخريب والجريمة الا انها ستجد نفسها غير قادرة على استيعاب احتجاجات سلمية قادمة ومطالب شعبية مستحقة، فالمجتمع السعودي مجتمع بشري لن يخرجه النظام الاستبدادي من مسيرة الشعوب الحية مهما ضلل اعلامه ومثقفوه الرأي العام عن كونه جزءا لا يتجزأ من سكان هذه الارض وطموحاته لا تختلف عن طموحات جيرانه العرب وغيرهم.
' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

الاثنين, 09 يناير 2012 18:09

تشنج النظام السعودي

يبدو ان النظام السعودي قد اصيب بحالة تشنج شلت قدرته على تحديد عدوه الحقيقي فراح يسجن ويمنع من السفر ويعتقل النساء والرجال ويصوب الرصاص على المتظاهرين في محاولة بائسة لاحكام قبضته على المجتمع وتطبيع حالة ذعر وخوف كردع اي حراك سلمي ومطالبة بالحقوق وهو اليوم يضرب بيد من حديد يمينا ويسارا فسجونه لم تعد حكرا على شريحة معينة وفيها من السلفي والحقوقي والنساء المعتقلات ما يدل على اتساع عريضة القمع التي تطال الجميع باختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية والمذهبية وعند ابواب وزاراته تحتشد جموع البطالة بحق العمل تأتي من كل صوب لتضغط بشكل سلمي من اجل وظيفة يعجز النظام على توفيرها من معلمة الى خريج معهد صحي يفتقد هؤلاء الى ابسط الحقوق ولا يجد النظام حلا الا بالمزيد من الحصار على الناشطين في الداخل كان آخر فصولها منع محمد سعيد الطيب من السفر الى القاهرة لحضور زفاف ابنته وقبلها منع الشيخ سلمان العودة من الذهاب الى مصر وكلا الشخصيتين لم يعرف عنهما الا الولاء للنظام رغم بعض المطالب الاصلاحية تحت مظلة النظام ذاته.
يرد النظام علىاي حراك شعبي باصدار لوائح المطلوبين التي تحيك خيوطها وزارة الداخلية وفي مجملها تعكس آحادية الفكر السعودي الرسمي الذي قرر ان عدوه خارجي تسانده ايران لتثير الفتنة وتقوض الامن والامان ويستغل النظام التفكك المناطقي والطائفية وانعدام اللحمة الاجتماعية والاجماع على مطالب اصلاحية سياسية ليمرر سردياته في محاولة بائسة لاحتواء تداعيات الربيع العربي وتأجيل وصول رياحها الى السعودية.
وقد ظهر تخبط النظام وعشوائية اتهاماته بوضوح خاصة بعد ان ظهرت ملامح المرحلة الجديدة بتولي نايف بن عبدالعزيز ولاية العهد بالاضافة الى وزارة الداخلية فسقط قناع النظام المصلح الذي روج له مع فترة حكم الملك عبدالله منذ عام 2005. اليوم يجد المجتمع السعودي نفسه وجها لوجه مع قيادة مشحونة تحاول تصدير همومها الداخلية الى الخارج دون ان تتعاطى بجدية مع معطيات التغيير الجديدة على ارض الواقع والحراك الشعبي البسيط اذا ما قارناه مع الدول العربية الاخرى. فتحول النظام الى نظام غير قادر على تحديد عدوه الحقيقي ولم يبق له سوى تكرار شعارات فارغة تستجدي الشرعية الدينية ففي كل مناسبة وكل خطاب'يردد النظام انه الدولة السلفية التي تحكم بالشريعة وكأنها بذلك الاصرار تعكس تشكيك البعض في قربه من السلفية واهلها. وهو بذلك يتجاوز النقلة النوعية والتي تقيم الانظمة بانجازها ومدى قدرتها على توفير احتياجات مواطنيها واحترام حقوقهم بدلا من شعارات فارغة لا تنفع اليوم حتى للاستهلاك الاعلامي. فالشعار لم يعد يوفر الامن المطلوب للمجتمع بل تحول الى ذريعة يتم تحت جناحها انتهاك حقوق الانسان بالسجن التعسفي والمنع من السفر ويتجاوز ذلك في بعض مناطق المملكة الى اطلاق الرصاص على المتظاهرين وتحت شعار الدولة السلفية يجد الكثير من السلفيين انفسهم خلف قضبان النظام وربما يتقاسمون الزنزانات مع اضدادهم الذين لا يشاركونهم قناعاتهم السياسية تماما كما حدث للناشط علي الدميني عندما شاركه تجربة السجن من يقف على منصة فكرية تختلف عنه تماما وهذا ما وثقه في مذكراته التي نشرت منذ اعوام. وفي ذلك دخلت السعودية مرحلة اشبه ما تكون بتلك التي تطورت في مصر تحت نظام السادات ومبارك والتي عاشها الاكاديمي سعد الدين ابراهيم حيث في سجنه تعرف على طيف كبير من الاسلاميين. وان دلت تجربة هؤلاء على شيء فهي تدل على ان انظمة القمع تصاب بطيش مماثل رغم اختلاف تجاربها واساليبها الا انها تلجأ الى القمع العشوائي خاصة ساعة قرب احتضارها وتلاشي قدرتها على استيعاب الاستياء الشعبي والذي يأتي من كل صوب ومن كل الاطياف الفكرية والسياسية.
ويتوقع النظام السعودي ردودا نمطية من المجتمع فان هو سجن السلفي يستجدي من يقف على المنصة المقابلة ان يقتنع بانه ارهابي وان سجن الليبرالي يتوقع من السلفي ان يفرح بسجن تغريبي مفسد للاخلاق والفضيلة وان قتل شيعيا يفرح الآخر السني بجريمة تخلصه من الرافضي الصفوي ولكن هذه الصورة النمطية وان كان لها دعاتها ومروجوها بدأت تدريجيا بالتلاشي والتآكل وهذا ما يخيف النظام السعودي حيث نلاحظ تبلور خطاب جديد حقوقي يتجاوز تصنيفات النظام الفئوية الهدامة للوحدة الوطنية وان خلت الصحافة الرسمية من هذا الخطاب الجديد وظلت تردد فكر المؤامرة ومصطلحات الخلايا السرية الارهابية المرتبطة بالخارج الا ان الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي بدأت تحتضن اطروحات تبتعد عن مفاهيم قديمة هدفها تقسيم المجتمع وابتعاده عن الوحدة الحقيقية مما اضطر النظام'ودعاته لبث السموم القديمة في حنايا العوالم الافتراضية لاهميتها وقدرتها على تفكيك مصطلحات النظام وسردياته. فانتقلت المعركة بين الدعاية النظامية وردود الفعل الشعبية الى مساحات جديدة سيكون لها اثر كبير على تطوير وعي جديد يرفض التقسيمات القديمة ومصطلحاتها. ومن اهم مظاهر هذا الوعي الجديد بيان اصدرته مجموعة من الناشطين والحقوقيين على خلفية اعتقالات جدة واحداث القطيف ادانت بشكل واضح وصريح الانتهاكات المستمرة والقمع وربطت بين الحالتين بطريقة لم يكن النظام يتوقعها وربما تكون هذه البادرة سببا جوهريا في قضية محمد سعيد الطيب ومنعه من السفر حيث انه من الموقعين البارزين على هذا البيان.
وبينما نجد ان هذا الوعي يتشكل ويتطور رغم الصعوبات والعثرات يظل النظام يحاول جاهدا ان يصرف الحراك والحوار عن قضايا جوهرية ويزج به في امرين لا ثالث لهما. اولا الخطر الايراني وثانيا القضايا المتعلقة بالمرأة حيث يضمن بذلك تسطيح القضايا السياسية العالقة في الداخل. يبدو تصوير الخطر الايراني وتعظيمه دليلا على اهمية افتراضية العدو الخارجي الذي يؤجل فتح القضايا الداخلية وملفاتها دون ان يحسم المعركة لصالح النظام رغم كل الاصوات المتعالية وصفقات الاسلحة والطائرات فمزيد من التسلح وصرف الملايين عليه قد لا يكون الخيار الصائب لحظة بدء المعركة الحقيقية ذات العواقب غير المعلومة. اما قضية المرأة فهي القضية الاكثر سخونة وهي قادرة على تشتيت فكر الكثيرين المهووسين بها دون غيرها من القضايا حيث تسقط كل الملفات والقضايا وينشغل بها طيف يعارض وأخر يناصر حتى استهلكت جميع مصطلحات الادانة والشجب والرفض.
كان آخر هذه الفرقعات الحدث التاريخي الذي وصف كذلك وهو ما سمي 'تأنيث محلات بيع الملابس الداخلية النسائية' رغم معارضة المفتي لمثل هذا الاجراء والحدث الآخر وصف بانه خزي وعار التصق بمؤتمر للمثقفين في قاعة فندق من فنادق الرياض حين لمح احد الصحافيين المتواجدين شعر إمرأة!. عملية تسطيح الملفات السعودية الداخلية لا تخدم سوى محاولات الهاء المجتمع اما بعدو خارجي او قضية شعر أمرأة لا يخدم الا مصلحة النظام الطائش الذي يصدر طيشه الى المجتمع لصرفه عن المطالبة بحقوق سياسية عالقة.
لا يواجه النظام السعودية اشرس من عدو واحد وهو تجاهل استحقاقات سياسية واصلاحات حقيقية تنقل النظام الى مرحلة جديدة تتناغم مع طموحات الكثيرين. وكلما تجاهل النظام هذا الملف كلما حفر قبره بيده فالمملكة وشعبها لا يعيشون في عالم آخر منعزل عن محيطه العربي والعالم وطموحات المجتمع لا تختلف عن طموحات غيره في تحقيق الامن الحقيقي الذي يضمن الحريات المسلم بها والحقوق المعترف بها عالميا. ولا يمكن للنظام ان يستمر في ممارسة السلطة بمعزل عن المشاركة السياسية والمراقبة القضائية المستقلة وان لم يفتح ملف المعتقلين السياسيين ويتعاطى مع حقوقهم المسلوبة فسيظل هذا الملف ساخنا قد ينفجر اي لحظة مثله مثل ملف البطالة التي تهدر طاقات جيل جديد من الشباب والشابات وتنذر بآفات اجتماعية لن يسلم منها المجتمع لسنوات بعيدة. وبدلا من ان يدشن ولي العهد الجديد حكمه بمبادرة حسن النوايا نجده يتماهى في استمرارية الاساليب القديمة والتي لم تسلم منها حتى النساء في ظاهرة تنذر بمستقبل اسود ستقدم عليه السعودية نظاما وادارة. وان اقترنت بداية العهود السعودية سابقا بمكارم ملكية تؤدي الى الافراج عن الابرياء في السجون الا ان هذا قد انعدم اليوم بل ان السجناء يجدون انفسهم في الزنزانات حتى بعد مماتهم اذا اخذنا بعين الاعتبار مدة الاحكام بحق بعض المسنين تماما كما حصل لمجموعة اصلاحيي جدة. ان استجابة النظام السعودي لبعض هذه المطالب قد يعتبر من المستحيل حيث انه اثبت تشنجا وعدم تجاوب مع الاصلاح السياسي وطيشا ربما تحت تأثير الطفرة الحالية لكن هذه الاخيرة اثبتت عدم قدرتها على اخماد الاصوات الاصلاحية رغم بريقها ونأمل ان لا تهدر هذه الثروة ويبقى الطيش.
*كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

اخطأ من ظن ان الفكر الوحدوي العربي اندثر بعد ان مات جمال عبد الناصر او شنق صدام حسين، لكن قد يتفاجأ البعض عندما تنطلق دعوات الوحدة من العاصمة التي بذلت كل ما في وسعها لتقويض الوحدة العربية التي وصمت بأنها مؤامرة صهيونية تارة وفتنة تغريبية تارة اخرى ومحاولة لشق صف المسلمين تحت دعوات جاهلية قديمة، لكن من الرياض انطلقت دعوة الملك السعودي في اطار مؤتمر مجلس التعاون الخليجي الاخير الى نقل هذه المنظومة من التعاون الى الاتحاد ملوحة بكونفدرالية جديدة درءا للمخاطر الخارجية التي تهدد أمن الانظمة الخليجية وعلى خلفية الربيع العربي، ولا تطمح هذه الوحدة الجديدة الى توسيع اطارها بل هي محصورة في الدول المؤسسة للمجلس، التي تربطها مصالح اقتصادية مشتركة وروابط اجتماعية وشعبية قديمة.
وجاء البيان الختامي لمؤتمر مجلس التعاون الخليجي كالعادة مطعما بالشعارات الخلابة والمصطلحات البراقة، وكأنه موضوع انشائي يقدم للدارسين في علوم اللغة او الادب العربي فلم ينبهر به حتى المعنيون بالشأن الخليجي، سوى ما كتب عن المبادرة في الصحافة المحلية من اطراء ومديح لا يختلف عن اسلوب هذه الصحافة المعتاد. وبعد ان تشبعت هذه الصحافة سابقا بمقالات تدعو الى الوطن اولا نائية بنفسها عن مفاهيم الوحدة نجدها اليوم تنتقل لترويج مفهوم الوحدة الجديدة، خاصة انها انطلقت من الرياض، حيث تطمح هذه الاخيرة لقيادة المنطقة الخليجية لمواجهة مخاطر المرحلة المقبلة التي تنحصر بالمؤامرة الخارجية واستهداف أمن المجموعة الخليجية.
لا يفوت العالم العربي ان محاولات الوحدة السابقة ظلت مرتبطة بانظمة روجت لها في فترات تاريخية وفشلت لاسباب لا مجال لذكرها هنا، فسقطت مشاريع كبيرة وشعارات عريضة ربما يكون الشعار الخليجي الحالي آخرها. ورغم سقوط هذه المشاريع القديمة الا ان روح الوحدة وشعاراتها العاطفية تظل حية وتأبى ان تتلاشى، ولكن نعتقد ان التحولات التي حصلت في العالم العربي مؤخرا تؤصل لوحدة من نوع جديد تتجاوز حدود الجغرافية الموروثة والتي تتعدى المناطق العربية من شمال افريقيا الى الجزيرة العربية.
الوحدة المنبثقة اليوم تختلف عن سابقتها، اذ انها تترسخ باطار شعبي وليس على صعيد الانظمة، التي لم تجتمع في السابق الا على قمع شعوبها وانتهاك حقوقهم. توحدت اليوم الشعوب العربية على خطاب جديد نجد صداه في القاهرة وصنعاء والمنامة والقاهرة وغيرها من العواصم العربية. هو خطاب الحقوق وروح مقاومة الظلم والتعذيب والفساد والاستئثار بالسلطة وحكم الاسر وعلاقات الزبونية ورفض العنف الممارس من قبل اجهزة الامن والتصدي له بالوسائل والآليات السلمية من مظاهرات الى اعتصامات ومقاطعة لمشاريع الانظمة. الخطاب الوحدوي الجديد لا ينغمس بالماضي وامجاده، بل هو خطاب مستقبلي يستشرف المرحلة القادمة حيث يعيش المواطن العربي كغيره من مواطني الشعوب الحرة بعيدا عن ممارسات تعسفية اجبرته على الخضوع لانظمة لا تمثل الا نفسها والقائمين عليها والمنتفعين منها.
والتقت الشعوب العربية مجددا على امجاد تريد بناءها في المستقبل وليس تلك القابعة في كتب التراث القديم، الذي نظر لها طيف كبير من مثقفي مشاريع الوحدة السابقة. ولم يستثن خطاب الوحدة الجديد في الجزيرة العربية ذاتها، حيث يتعاطف الكثيرون من شبابها وفعالياتها مع طروحات الديمقراطية والمساواة والعدالة، ويتألم هؤلاء ليس فقط لمعاناة المصري والتونسي واليمني، بل ايضا نجدهم يطالبون بحقوقهم وينتقدون انظمتهم التي لا تزال تعتبرهم شريحة مدللة مرفهة بعيدة عن المطالبة بحقوق المواطنة والعمل واحترام الحرية الشخصية والتمثيل السياسي الحقيقي بعيدا عن شعارات الابواب المفتوحة ومفاهيم الراعي والرعية.
هذا التحول التاريخي الوحيد والجديد هو ما يخيف الانظمة وهو ما يصنف وكأنه العدو اللدود الذي سيطيح بالامن ويهدد الاستقرار الداخلي وليس مزاعم المؤامرات الخارجية التي تحبكها جهات خارجية كايران او غيرها. وان وجدت وحدة عربية حقيقية ومتبلورة فهي فعلا وحدة المعاناة وطموحات المستقبل، الاولى محت الفروقات وازالت اختلافات الملكيات والجمهوريات حيث اشتركت في اساليب الحكم رغم تعدد المسميات والمصطلحات، والثانية تكرس مفاهيم جديدة لن تتراجع عنها الشعوب العربية بما فيها الخليجية تحت تهديدات اخطار مزعومة لا تروج لها الا انظمة تخاف من المستقبل وقدرته على تغيير مفاهيم الحكم القديمة.
وفي منطقة الخليج بالذات لا نجد الا السعودية والبحرين تروجان للخطر الخارجي كتبرير لمشروع الاتحاد الجديد الخليجي، ففي البحرين وبعد تقرير بسيوني عن احداث المملكة لا تزال القيادة تلوح بالمؤامرة والتهديد الايراني وتشترك في هذا الخطاب مع نظيرتها السعودية حيث تردد القيادة السعودية مثل هذه المقولات في محاولة بائسة لتجاوز ازمتها الحالية ومحنتها مع شعبها. اما في الدول الخليجية الاخرى لم نسمع مثل هذا الخطاب المبتذل، فقطر يبدو انها لا تعيش ازمة داخلية ولا تتهم شريحة كبيرة من مجتمعها بولائها للخارج وكذلك الحال في عمان، حيث شهدت السلطنة حراكا استوعبته القيادة واعترفت بانه حراك يتطلب التجاوب مع مطالب شعبية من اهمها توفير العمل والتصدي للفساد ولم تروج هذه القيادة لفكر المؤامرة او التدخل الخارجي عندما خرجت مظاهرات صحار واصطدمت مع الاجهزة الامنية.
اما الكويت فيظل حراكها غير متهم بالعمالة للخارج ويبقى حراكا شعبيا يطمح الى نقل الامارة الى ديمقراطية حقيقية تكون فيها الحكومة منبثقة من مجلس الامة وليس معينة من قبل الامير، وربما تكون هذه الطموحات هي من سينقل التجربة الكويتية الى افق جديد يكون فريدا في المنطقة الخليجية. ونعتقد ان ما يهدد هذه التجربة هو وحدة نظامية مع الشقيقة الكبرى حيث تنعدم المؤسسات السياسية الحقيقية والمحاسبة وتختفي مفاهيم محاسبة الوزراء والحكومة.
وان اشتركت الكويت والسعودية في استشراء الفساد نجد ان فساد الاولى لا يمر بدون ضجة ومطالب لكشفه وفضحه، بينما في الثانية تعتبر امور الفساد من اسرار الامن القومي لا يفضحها سوى تقارير خارجية تصدر عن منظمات، مثل منظمة الشفافية العالمية وتصمت عنها الصحافة السعودية خاصة اذا كانت من اختصاص الوزارات السيادية المعصومة، ناهيك عن صمت مجلس شورى معين ليس من صلاحياته الا الاستشارات الشكلية التي لا ترتقي الى مستوى الاموال التي تصرف عليه وعلى اعضائه.
يبدو ان وحدة الملك عبدالله المقترحة لا تخدم طموحات الشعوب الخليجية بل تخدم مصالح النظام السعودي الطامح الى حشد خليجي خلف ازماته الحالية وحربة غير المعلنة مع النظام الايراني، حيث يتصارع الاثنان على مناطق النفوذ والهيمنة في العالم العربي واستدراج الدول الخليجية الاخرى خلف هذا الصراع عن طريق الترويج والتلويح بالخطر الخارجي لن يجر هذه الدول الصغيرة الا الى المزيد من استنزاف دخلها وتهديد امنها والاحرى بها ان تنأى بنفسها عن المشاريع السعودية العريضة وتركز اهتمامها على تطوير بنيتها السياسية والاستجابة لمطالب شعوبها، بدل ان تغرق في تفاصيل الصراع الايراني ـ السعودي الذي قد يجر المنطقة الى صراعات لا تعرف خاتمتها ولا يمكن التنبؤ بعواقبها.
اما القيادة السعودية غير المعترف بمطالب الاصلاح السياسي فلن ينفعها تأجيل هذا الملف تحت ذريعة الخطر الايراني والتلويج به عند كل ازمة سياسية، فهذا اسلوب قديم عراه الخطاب الوحدوي العربي الملتف على الحقوق السياسية والذي انبثق بشدة خلال الربيع العربي ووصل صداه الى السعودية نفسها. وعليها ان تعترف ان شعبها ليس بالمغفل او القاصر الذي تقنعه شعارات العدو الخارجي والذي من اجله يتم تأجيل ملفات الاصلاح السياسي ولا يمكنها ان تستمر في اختزال المطالب الاصلاحية بالمؤامرة الخارجية الى اجل غير مسمى.
وحل المشاكل العالقة من اعتقالات وانتهاكات لابسط حقوق المواطن هو افضل من اتحاد ممالك ومشيخات لا تصمد امام الشعوب ورغبتها في عيش كريم بعيدا عن شعارات فارغة تنبثق تحت وطأة ازمات سياسية حقيقية. وان قدر للسعودية ان تلعب دورا وحدويا فنعتبرها اليوم بشكلها الحالي ونظامها السياسي غير قادرة على تلبية هذا الطموح الكبير في محيطها الخليجي، ناهيك عن المحيط العربي الواسع خاصة بعد توحد العرب على خطاب المطالب الحقوقية والسياسية.
فالوحدة الحقيقية ليست فقط انعكاسا لاحصائيات النفط والميزانية، بل هي مثال متكامل تجتمع فيه القوة الاقتصادية مع معطيات الحكم الراشد المنبثق من الارادة الشعبية. فالحجم والجغرافيا المترامية الاطراف لن يكونا يوما حافزا لوحدة حقيقية طويلة الامد بل يظلان مشروع هيمنة لا يلقى تعاطفا خاصة في دول الجوار الصغيرة، وان كان لها من الموارد الاقتصادية ما يفوق السعودية.
فقط عندما تنتقل السعودية الى هذه المرحلة تستطيع بعدها ان تطلق دعوات الاتحاد التي ستجد حينها من يستجيب لها وتكون لها ديمومة حقيقية تنتفع منها شعوب المنطقة الخليجية بكافة اطيافها واتجاهاتها، وتجد المؤسسة الحقيقية الكفيلة كبرلمان خليجي مشترك وبنك مركزي متفق عليه وعملة موحدة تسهل انتقال الاموال بين الدول المختلفة وتنفتح على العالم العربي الآخر، ولكن بظل الممانعة السعودية الحالية تجاه ملفات الاصلاح السياسي تتأخر احلام المنطقة بتفعيل الخطاب الوحدوي الجديد وتظل السعودية ترتجف تحت وطأته لا تجد ما يخفف كوابيسها سوى شعارات اتحاد ربما ستظل حبرا على الورق وان نجحت في دغدغة مشاعر البعض.
' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

الاثنين, 19 ديسمبر 2011 01:10

السعودية: نظام يحكم بفكر المؤامرة

في السعودية من الصعب اليوم ان تطالب بحقوق سياسية ومدنية او تتحدث عن قضية معتقلين سياسيين او تحلم باصلاح سياسي ومشاركة شعبية دون ان يمطرك النظام بسلسلة من الاتهامات اولها التآمر على الامن والامان وتقويض منجزات التنمية والطعن في ثوابت الاسلام وانتقاص هيبة ولاة الامر وفضح المستور واثارة البلبلة والفوضى فبيانات الاصلاح وثائق فضائحية وليست اصلاحية والمطالبة باطلاق سراح المعتقلين السياسيين تهديد للامن وعودة للارهاب.
يعتمد النظام على فكر المؤامرة للتملص من استحقاقات سرعت وتيرتها ما شهدته المنطقة العربية خلال الاشهر الماضية من حراك لم تشهده المنطقة منذ اكثر من نصف قرن وتجاوب معه طيف كبير من الناشطين والحقوقيين السعوديين الذين وجدوا فيه حافزا للمطالبة بحقوق تعتبر بسيطة اذا ما قارناها بالتحولات التاريخية العربية المجاورة. ورغم ان الحراك السعودي جاء على استحياء ولم يتطور بعد الى مرحلة اسقاط النظام او التلميح له الا انه رغم محدوديته جعل القيادة السعودية تعيش حالة تشنج واضحة فقواته الامنية تبقى مشدودة وفي حالة تأهب خاصة في البؤر الملتهبة خاصة في المنطقة الشرقية حيث بدأت الاعتصامات في شهر آذار/مارس الماضي وفي المناطق الاخرى تظل الآلة الاستخباراتية والامنية ترصد اي حراك يصنف وكأنه خطر على امن النظام. ويحشد النظام الخطاب الاعلامي ضد اي بيان اصلاحي يصدر من جهات مختلفة ويجتمع عليه وعلى توقيعه طيف متنوع فكريا وسياسيا وينزع عنه الوطنية ويتهمه بأبشع التهم السابقة الذكر.
ويجند النظام لمثل هذا الاتهام الاقلام المعروفة والآراء المنبثقة من المؤسسة الدينية وعلى رأسها المفتي وطاقم هيئة كبار العلماء الذين ما زالوا يرفضون اي نوع من البيانات الاصلاحية ويصنفونها من باب المؤامرة والفضيحة التي لا تصلح ولا تنسجم مع طبيعة الحكم الاسلامي السلفي المزعوم ناهيك عن رفضهم القاطع لفكرة الاعتصامات او المظاهرات من باب كونها عبثا في امن المجتمع والنظام ومن باب الحفاظ على النمو والرخاء. وليس فقهاء السلطة وحدهم من يدين ويشجب المطالب الاصلاحية اذ ان هناك اقلاما اخرى لا ترتبط بالمؤسسة الدينية لكنها تلعب دورها في الدفاع عن النظام تحت سلطة رؤساء تحرير الصحافة السعودية المحلية مهمتها تمييع المطالب الحقوقية ونشر المنظومة الرسمية التي لا تعترف بأي انتهاك لحقوق الانسان او اي فشل سياسي واقتصادي وينشط هؤلاء في استبعاد تداعيات الربيع العربي على السعودية مصورين المجتمع وخاصة شبابه بأنهم ابعد ما يكونون عن كائنات سياسية تطالب باصلاح شامل ويكرسون صورة المجتمع كمجتمع محافظ قبلي يرتبط بقيادته عن طريق بيعة مزعومة ولحمة قديمة واجماع عام ويزعم البعض ان حراك هؤلاء الشباب خاصة في العوالم الافتراضية ما هو الا فضفضة مدعومة خارجيا من دول عدوة تتربص بأمن السعودية او معارضين منفيين خارج الحدود. ويفوت هؤلاء ان معظم البيانات الاصلاحية ودعوات الاعتصام للافراج عن المساجين السياسيين جاءت من الداخل ولم يوقع عليها اي شخصية معارضة معروفة بالخارج.
ومؤخرا وقعت اكثر من مئة امرأة على بيان يطالب بالافراج عن المساجين السياسيين وتعويضهم عن فترة اعتقالهم الطويلة وكلهم نساء من الداخل السعودي لا تزال قضايا ازواجهن وابنائهن عالقة في السجون السعودية ورغم ذلك تظل تهمة الارتباط بالخارج لتمرير مشروع الفتن في الداخل السعودي تلوكها السنة الصحافة السعودية بناء على توجيهات رسمية هدفها تكريس فكر المؤامرة واستهداف السعودية في محاولة بائسة لنزع شرعية المطالب الحقوقية والسياسية. وبدلا من ان يتعاطى النظام مع هذه المطالب بجدية ويرسم خطة مستقبلية لاصلاح سياسي شامل نجده يزج بها في خانة المؤامرة مرة تلو الاخرى دون ان يجد حلا لمعضلة لا يمكن ان تتلاشى في ظل ارتفاع سقف المطالب وتبلور خطاب حقوقي جديد لم يعهد النظام التعامل معه سابقا خاصة وان اساليبه المتبعة والمعهودة قد فشلت في ايجاد حلول جذرية لمعضلة الحكم والذي يبقى تسلطيا محتكرا ولا يقبل اي نوع من الانفتاح على المجتمع او التنازل عن بعض السلطة لصالح المجتمع وتشنج النظام في تعاطيه مع المطالب الاصلاحية خاصة بعد تحييد الملك واسطورة اصلاحه المزعوم وتبلور الدولة البوليسية صاحبة الحلول الامنية. وان كانت السعودية لم تشهد حتى هذه اللحظة ثورة شعبية عارمة على الطريقة المصرية او التونسية الا انها تشهد نقلة شرسة باتجاه المزيد من القمع تحت مظلة خطاب المؤامرة والذي يعتبر وزير الداخلية وولي العهد نايف بن عبد العزيز من اهم اعمدته. وان كان اسلوب القمع المبرمج قد نجح في التخفي خلف شعارات اصلاحات الملك المزعومة منذ عام 2005 الا انه اليوم بات مفضوحا غير قابل للمواربة او التخفي.
فسياسة المملكة الداخلية والخارجية لا تدار الا من خلال اجهزة المخابرات والامن حتى ان تعيين الوزراء الجدد في وزارات غير سيادية لا يعلن عنه الا من قبل المسؤول في الاستخبارات تحت مظلة ولي العهد الجديد وفي ظل هذا التطور الطبيعي نجد ان دور الملك يتقلص بسبب العمر والاختفاء عن الساحة السياسية ويندثر معه شعار الاصلاح الوهمي والذي حتى هذه اللحظة لم يتعاط مع معضلة الحكم الرئيسية وابرز ملامحها كغياب مجلس او برلمان منتخب يمثل المجتمع ناهيك عن حكومة منبثقة من هذا المجلس. ومن هنا تكمن معضلة بعض التيارات السياسية في الداخل السعودي والتي كانت تطمح بملكية دستورية يعلن عنها الملك خلال الاعوام القليلة السابقة الا ان هذا الحلم الذي يراود البعض اصبح ربما ابعد من ان يتحقق في ظل ولاية العهد الجديدة حيث نعتقد ان نايف بن عبدالعزيز آخر من سيقبل بمثل هذا الاصلاح حيث ان الرجل لم يعرف عنه اي تجاوب مع مطالب مثل تلك والتي عبرت عنها في بيانات اصلاحية سابقة شرائح اجتماعية وفكرية متنوعة. وان كان الملك عبدالله قد جعل هذه الشرائح تعيش حالة الترقب والتمني الا ان العهد الحالي قد قضى على مثل هذه الطموحات الى اجل غير مسمى. وربما من المستحيل ان يتجاوب ولي العهد مع مثل هذه الامنيات حيث يفضل ترويج خطاب المؤامرة بدل الاصلاح للنيل من اي مشروع وطني ينبثق من المجتمع وفعالياته وطالما ان الحل الامني يضمن تغييب اي اصلاحي او ناقد للنظام فانه سيلجأ اليه مرارا وتكرارا حتى يستنزف المشاريع الاصلاحية والبيانات خاصة وان مثل هذه المبادرات لم تستطع حتى هذه اللحظة ان تحشد مناصرين يكثفون وجودهم وضغطهم على السلطة.
في ظل خطاب المؤامرة المبتذل، ومن منظور الحل الامني الذي يطبق بحذافيره لا يتردد النظام السعودي الحالي بتفعيل الاعتقالات وحتى اطلاق الرصاص على المتظاهرين تماما كما فعل مؤخرا في القطيف ويخطئ من يظن ان الشيعة هم وحدهم من يسقطون في التظاهرات اذ ان النظام وامنه لا يفرقان بين شيعي وسني وان لم يسقط السنة قتلى حتى هذه اللحظة فهذا لانهم لم يخرجوا للتظاهر ولم يحتشدوا امام مؤسسات الدولة ومساجدها بذلك الزخم الذي شهدته المنطقة الشرقية واكتفى النظام باعتقال الاشخاص والزج بهم في السجون فغيبهم عن الساحة كحالات فردية معزولة عن تيارات سياسية وان قدر للاكثرية في السعودية ان تجتمع على سلسلة مطالب اصلاحية يعتبرها النظام تشكل خطرا عليه فلن يتردد في تطبيق نفس الاساليب المتبعة مع الاقلية الشيعية ولن يردعه سوى المزيد من الاعتصامات والحشود التي تحرجه امام الرأي العالمي وتفند مزاعمه بان المطالب الاصلاحية مقتصرة على اقلية شيعية متهمة بولائها للخارج. ولكن حتى هذه اللحظة تبقى الاكثرية السنية مترددة في مطالبها ومشتتة في حراكها وكأن بعض اطيافها قد قرر تأجيل المواجهة مع النظام خوفا من اتهامها بالمؤامرة والعمالة هي ايضا وفضلت ان تتجه الى المطالب الحقوقية بدلا من المطالب السياسية العريضة عل ذلك يحدث ثغرة في جدار الصمت الذي يفرضه النظام والقبضة الحديدية التي يمارسها على ارض الواقع. ولا بأس ان تظل قضايا المعتقلين السياسيين قضية حية تقلق النظام وتفضح ممارساته فهي قضية انسانية بالدرجة الاولى تطال تبعياتها ليس فقط المساجين بل اسرهم والمجتمع بكافة اطيافه رغم اننا لا نرى حلا نهائيا للاعتقال التعسفي في ظل النظام السعودي الحالي وان وجد حل لمثل هذه القضية فهو يكمن في مسألة مهمة الا وهي سيادة القانون وفصل السلطات حيث تتطور المؤسسة القضائية الى سلطة مستقلة لا تخضع لاهواء الامراء وما يملونه على قضاتها من احكام جائرة. وطالما ظلت السعودية ترزخ تحت حكم لا يخضع للمحاسبة القانونية سيكون من السهل الزج بأي شخص في السجن لفترة طويلة دون محاكمة عادلة او اخراج آخر من الزنزانة بمرسوم ملكي او مكرمة.
ولا يمكن للمطالب الحقوقية ان تصبح حقيقة على الارض الا اذا ارتبطت بمؤسسات تحاسب باستقلالية وليست خاضعة للاهداء والمكاسب السياسية. وان كانت الاكثرية السنية تنتظر المكرمات الملكية الاصلاحية فهي وهم كبير حيث اثبتت الاشهر السابقة القليلة ان النظام بتركيبته الحالية غير مؤهل لتقديم اجندة اصلاحية سياسية ويفضل تجاهل الموضوع في ظل تعميم خطاب المؤامرة والفتنة والفوضى مستعينا بأبواق قديمة متجددة تستحضر عند كل بادرة شعبية ناهيك عن تحويل البلاد الى ثكنة عسكرية تجول فيها وتصول سيارات الامن ورجال الاستخبارات في حالة تأهب لم تشهدها السعودية الا في فترة التفجيرات بين عام 2003 ـ 2007. ورغم ان المدن السعودية لم تشهد مظاهرات حاشدة ما عدا المنطقة الشرقية الا ان النظام يعيش حالة استنزاف بطيئة ترهقه وتجعله يعيش مرحلة تأهب بانتظار المجهول. ومن هنا تكمن اهمية الحراك ودعوات الاعتصام السلمي والتي تختلف بطبيعتها عن عمليات التفجير والعنف وان كان النظام قد نجح في استيعابها في السابق الا ان المتظاهر السلمي يفضح النظام ويقزمه امام شخص لا يحمل السلاح بل يحمل قضية وهما وطنيا لا يموت تحت زخ الرصاص وان علمنا الربيع العربي درسا فهو الآتي: اثبت الحراك السلمي تفوقه على العنف وان كان العنف قد انفجر في بعض مناطق الا ان البادئ كان دوما النظام القمعي والدولة البوليسية. ولن يستطيع النظام السعودي ان يخرج من مأزقه بترديد فكر المؤامرة ان احتشد السعوديون مطالبين بحقوقهم بطرق سلمية حضارية.
' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

الأحد, 04 ديسمبر 2011 22:51

السعودية: انتظار البيان التالي

جاء تقرير منظمة العفو الدولية ليدين بشكل واضح وصريح ممارسات النظام السعودي وانتهاكه لحقوق الانسان وخاصة انعدام حرية الرأي والسجن التعسفي واحكام القضاء الجائرة بحق طيف كبير من الناشطين ليميط اللثام عن سلسلة طويلة من التعديات على الاشخاص تشهدها المملكة منذ بدء الربيع العربي وتحت ضغط موجة المطالبة بالحقوق ورفض الاستبداد بكافة أشكاله.
وطالبت منظمة العفو الدولية باطلاق سراح المساجين السياسيين والتحقيق بقضايا تعذيب المساجين من قبل لجنة مستقلة وتعديل قانون مكافحة الارهاب حسب معايير دولية وتنقيح تعريفات الارهاب حتى لا تشمل تجريم المعارضة السلمية وحرية الرأي وتهديد اصحاب الرأي بالفصل من العمل والتضييق بسبب آرائهم ومواقفهم وتقليص هيمنة وزارة الداخلية على القضاء ومفاصل الدولة وكلها حسب هذا التقرير الاخير ممارسات ممنهجة وثابتة وليست حالات فردية تقع المسؤولية فيها على اشخاص في الجهاز الاداري والقضائي والأمني.
وحدد التقرير اسماء بعض المعتقلين في السجون السعودية مدعوماً بأسماء معتقلين منهم من تقدم بطلب لتأسيس حزب سياسي وآخر شارك في مظاهرة سملية وثالث خرج يستفسر عن سجن والده ومنهم الناشط الحقوقي وعالم الدين والاستاذ جامعي وأكثرهم من حملة الشهادات وذوي المعرفة مما يدل ان اكثرية المساجين في السعودية ليسوا من الرعاع والغوغائيين بل من النخب التي رفضت ممارسات القمع والتهميش وطالبت بحقوق مشروعة كحرية التجمع وتأسيس المجتمع المدني والتظاهر والاعتصام السلمي وكلها تحولت تحت مظلة النظام الى جرائم تهدد أمنه واستمرارية أساليبه في الحجر على المواطنين وتقليص مساحات الحرية والفكر.
ويحارب النظام السعودي اي شخص يثبت ان له فكرا مستقلا ويبرز على الساحة السياسية او الحقوقية ويجمع حوله حلقة تكبر من المتابعين والناشطين الذين يستسيغون آراءه ويتعاطون معها. وان دلت اعداد المساجين الكبيرة على شيء فهي تدل على ان المجتمع السعودي اليوم ليس بمعزل عن القضايا الحقوقية التي شغلت العالم العربي وادت الى اندلاع ثورات في دوله المختلفة تاريخياً واجتماعياً وثقافياً. واسقط المساجين هؤلاء منظومة الخصوصية السعودية التي لا يتمسك بها الا النظام وبعض المرتبطين به والذين يلوحونها في وجه تقرير منظمة العفو الدولية والحقوقيين في الداخل فان منع النظام التظاهر وقلص الحريات فهذا من باب الخصوصية السعودية والتي تعتمد على شقين الأول الخصوصية الاسلامية والثاني الخصوصية الثقافية والاجتماعية فتحت ذريعة الاسلام اصبح النظام ينتهك الحقوق المدنية والانسانية والسياسية بمظلة الشريعة وتطبيقها في بلد يعتبر انه الوحيد الملتزم بها بحكم كونه قبلة المسلمين ولكن السؤال المطروح هو الى متى يظل الاسلام حسب تطبيقاته في السعودية مسؤولاً عن الانتهاكات التي فصلها التقرير الحقوقي الأخير؟
من المؤسف ان يستحضر النظام الاسلام عند كل مناسبة ويزج في مفاهيمه السامية لتغطية ممارساته القمعية خاصة بعد أن انكشفت هذه المزاعم على الصعيد الداخلي والخارجي وان كانت مرجعية منظمة العفو الدولية تظل مفاهيم شاملة وعامة تبلورت تحت مظلة القانون الدولي الا ان فضح السرديات السعودية جاء من الداخل وبمرجعية دينية تنبثق من الاسلام ذاته وهذا ما ظهر واضحاً وجلياً من خلال استعراض فكر هؤلاء الذين يسجنهم النظام واكثرهم لم يرجعوا الى القانون الدولي بل رجعوا الى الاسلام والشريعة لصياغة مفاهيم جديدة للحكم الراشد ومفهوم الحقوق في دولة اسلامية.
تتعارض وتفضح الممارسات اليومية التي يشهدونها على الساحة السعودية تحت مظلة تفسيرات منغلقة للشريعة ومقاصدها من حماية للنفس والمال والعقل والحرية اذاً نحن هنا امام مشروع سعودي اسلامي رسمي ينتهك الحقوق باسم الدين ومشروع آخر ينبثق من الدين ليفكك طلاسم القمع وممارساته. ومن هنا تكمن معضلة التبريرات السعودية التي لوحت بها في وجه الانتقادات العالمية التي لخصتها تقارير منظمات حقوقية خارج المملكة.
فالذين يسجنون اليوم ليسوا بدعاة تغريب وفساد اخلاقي يريدون هتك مسلمات المجتمع المسلم التقي بل هم دعاة حقوق اجهدهم فكرهم في محاولة للخروج من مأزق الدولة التي تدعي الحكم باسم الاسلام وتعاليمه. ولم تكن مرجعية هؤلاء اطروحات عصر التنوير والحداثة الغربية بل جاءت من صميم الفكر الاسلامي ومفاهيمه في محاولة لتطوير مفهوم الدولة الحديثة في مجتمع مسلم ومن هنا لن يستطيع النظام ان يقنع طيفا كبيرا من المراقبين لقضاياهم باطروحة الخصوصية الاسلامية وان كان هناك من خصوصية فهي تنبثق من خصوصية سعودية بحتة من اهم خصائصها الزج باسلام تطور ونما تحت مظلة الحكم الشمولي التسلطي الاسري الذي يظل رافضا لمبدأ الحقوق الانسانية والسياسية من اجل استمرارية هذا النمط الطارئ الذي نما تحت هيمنة اقلية قليلة تتآكل شرعيتها بسبب الممارسات الحالية. وان كان من السهل على اي نظام في العالم ان يحشد المجتمع خلفه عند اندلاع العنف الا ان النظام السعودي لم يستطع ان يخمد الاصوات المنادية بالاصلاح السياسي من منطلقات اسلامية خاصة وان هذه الاصوات لم تمارس العنف ولم تدع اليه. من هنا تكمن المشكلة السعودية والتي لا تجد الحلول الا في الاعتقال وتلفيق تهم الارهاب على الناشطين الذي فصل اسماءهم تقرير منظمة العفو الدولية الاخير.
اما الخصوصية الثانية التي تستحضر فهي ترتبط بطبيعة المجتمع الثقافية والاجتماعية ومنها التخفي وراء انتهاكات حقوق الانسان تحت مظلة قبلية المجتمع فيدافع النظام عن هذه الانتهاكات تحت ذريعة حفظ الامن في مجتمع قبلي ان اتيحت له المزيد من الحريات كحرية التعبير والتجمع والتظاهر فستنفجر فيه النعرات القبلية منذرة بتمزق النسيج الاجتماعي والوطني لذلك هو يضطر لان يحجر على حرياته ويقلص حقوقه خوفا عليه من آفاته الثقافية وانتماءاته الضيقة.
وفي هذه السردية الرسمية صورة مزيقة واعتراف النظام بفشل مشروعه الوطني وان كان بالفعل يظل المجتمع قبليا رغم قرن من الوعظ والارشاد وتنمية الروح الوطنية على حساب الهويات الضيقة الا ان استحضار الخوف من القبلية هو ايضا ذريعة قاصرة على تبرير حالة التضييق وتقليص مساحات المشاركة السياسية.
ومعادلة القمع مقابل الخوف من تفجر النعرات القبلية لا يمكن ان تصمد او تستمر حيث ان الكثير من دعاة الاصلاح هم ابناء قبائل ولم يدعوا هؤلاء لمناصرة قبائلهم بل دعوا الى اصلاح شامل لمؤسسات تصمد امام امتحانات الوطنية في مرحلة لم يعد يقبل فيها المجتمع اساليب الممارسة السياسية الاقصائية التي لا تعترف الا بحكمة النظام ورموزه. ولو كان هؤلاء من دعاة انفصال او تمجيد لعصر القبيلة لكان من السهل على النظام ان يزج بهم في خانة الانفصاليين لكنهم برهنوا في حراكهم أنهم لا يسترجعون أمجاد عصور القبلية الغابرة بل يطمحون الى مستقبل تفعل فيه مفاهيم الوطنية الحقيقية بعيدا عن رفع الاعلام في الايام الوطنية واحتفالاتها او في ملاعب الكرة وضجيجها.
لذلك هم اليوم في السجن بينما غيرهم من المتملقين والمتزلفين يظلون احرارا طلقاء يستدعون في المناسبات الرسمية لينظموا القصيد والمديح والاطراء على ألسنة شعراء القبيلة وكأن النظام يخاف من القبيلة بينما هو يصبو الى ثقافتها السمعية والمرئية لتضفي عليه شرعية التناغم بين رموزه وأطياف المجتمع المختلفة والمتنوعة. وان كان النظام يعتقد انه يستطيع ان يستمر في مصادرة الحريات تحت ذريعة الخوف من القبلية الا انه يصطدم بوعي اجتماعي جديد يتزايد يوما بعد يوم خاصة في حلقات الحوار والنقاش عند شريحة كبيرة من المجتمع التي تجاوزت الخطاب القبلي ووصلت بالفعل الى مفاهيم الوطنية فصاغت لنفسها هوية جديدة ابعد من القبيلة ونطاقها الضيق وتبنت مصطلحات الحقوق للجميع والقانون فوق الجميع بما فيهم رموز الحكم وهذا ما يضاعف ارتجاف النظام امام التقارير التي تدينه وتدين ممارساته فالمجتمع نفسه بدأ يرفض الفئوية والاستئثار بالسلطة من منطلقات جديدة تهدد ديمومتها بشكلها القديم وتفسح المجال لتخيل مستقبل افضل تنعدم فيه الخصوصية حتى يلتحق المجتمع بمفاهيم العدالة الحقيقية وليس العدالة المزعومة تحت مظلة تفسيرات محدودة للدين وثقافة المجتمع.
وان كان للنظام السعودي فرصة اخيرة فيجب عليه التوقف ولو للحظة على التغيرات الحاصلة في العالم العربي حيث لم يقف الاسلام ولا التنوع الاجتماعي في وجه موجة المطالبة بالحقوق والحريات.
وهو اليوم لا يحكم مجتمعا جامدا بل هو متحرك وحراكه يمر في مراحل سليمة وقناعات ستصمد امام المزيد من القمع والانتهاكات التي لم تثن بعض الناشطين عن الاستمرار في مطالبهم وبلورة رؤيتهم المستقبلية بطريقة اسقطت القناع عن اكثر الانظمة العربية سرية وخبثا حيث يستحضر الاسلام والثقافة في مواجهة تحول تاريخي لن تكون السعودية بمنأى عنه. لقد عكس عدد المساجين في السعودية ان المجتمع لم يعد ينتظر الاصلاح الذي يأتي بعد انتظار البيان التالي من القيادة الرشيدة.
* كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية

صفحة 1 من 9

المتواجـدون الآن

حاليا يتواجد 133 زوار  على الموقع

مقالات منشورة

تسجيل الدخول