جزيرة العرب نيوز

سعود السبعاني

سعود السبعاني

SA'UD ALSABAANI
http://www.alsabaani.com

عنوان الموقع: البريد الإلكتروني: هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 لا بد من مُقدمة وتفصيل فليتحملني القارئ الملول لطفاً.

في أكتوبر من عام 2012 صدر كتابي الموسوم بـ«الوهابية دين سعودي جديد» وذلك بعد جهد ومشقة كبيرة وتحضير وتمحيص طويل, تكلل بالقراءة والبحث والتقصي والمُقارنة بين المصادر النجدية والعربية وأيضاً كُتب الرحالة والمُستشرقين الأجانب, وكانت العقبة الكأداء التي تقف عائقاً في نهاية المطاف هي التفتيش عن دار نشر حُرة  تقبل أن تُغامر بطباعة ونشر ذلك الكتاب الموعود, خاصة إذا كان هذا الكتاب لا يجلب إلا المتاعب والحرج لدور النشر العربية الريعية التي تعودت على تلقي الدعم والتمويل من قبل مؤسسات إعلامية وثقافية حكومية خليجية, كما تحظى بالتفضيل والتسهيلات في معارض كُتب الخليج وعلى رأسها معرض الكتاب في الرياض.

وكانت مُعاناتي الشخصية الدائمة هي انعدام دور نشر حُرة ومُستقلة أو على الأقل مؤسسات جريئة تستطيع أن تكسر ذلك «التابو» أو المحظور في كواليس النشر في عالمنا العربي, لأن دور النشر العربية هي في الأساس مؤسسات تجارية ربحية ولا تريد قطعاً أن تسلك مسلك النشر الحر المفتوح, فتدخل في إشكالات سياسية أو تستفز الدول صاحبة التمويل والدعم, لهذا تبتعد تلك الدور عن كل ما يُثير حفيظة الأنظمة العربية والخليجية تحديداً, وأصبح لديها خطوط حمراء ومحظورات معروفة غير مكتوبة, فما بالك إذا تعلق الأمر بمحظورين في آن واحد كما هو الحال في كتابي, وهما المس بالذات الملكية السعودية أو التعرض لآلهتهم الوهابية المعصومة وصنمهم المقدس محمد بن عبد الوهاب, فالطباعة هنا ستكون أشبه بالانتحار بالنسبة لدار النشر, لأن المال السعودي يجري كالسيل العرم في جميع الاتجاهات خارج مجرى البحيرة الآسنة.

فيبقى الباحث المستقل حائراً وخياراته جد محدودة وهو أمام طريق مسدود, وفي مثل حالتي سيكون أمام خيارين أحلاهما مُر, فإما أن يتوجه إلى دار نشر مذهبية لديها أجندة خاصة بها, لكي ينشر كتابه وحينها سيحكم على كتابه بالفشل والاحتراق منذ البداية, لأنهُ سمح لخصم طائفي أن يطبع كتابه, حينها سيذهب جهده ادراج الرياح, أو أن يدفع مال طائل لبعض دور النشر المتوارية التي تمارس مهنة طباعة الكُتب الممنوعة في الخفاء, فتقوم ينشر الكتاب سراً ودون أن تضع اسم الدار ثم تسلم الكمية المحدودة ولا علاقة لها بالمؤلف أو بالكتاب, وهذا الأمر سيحرمك من ديمومة نشر الكتاب ومن بعض الحقوق الأدبية والمادية أيضاً وإن كانت بدرجة شبه معدومة.

وستستمر تلك المُعاناة مع كل صاحب رأي أو فكر مُخالف لأنظمة الطغيان العربية دون استثناء ومع كل من يُغرد خارج السرب أو من هو متمرد على نسق القطيع, لهذا يفضل البعض أن يلجأ إلى وسيلة النشر المجاني عبر شبكة الانترنت خصوصاً بعد أن أصبحت الشبكة العنكبوتية هي المنبر الحر البديل والمفتوح للجميع, إلا أن تلك الطريقة لن تحفظ لك الحقوق ولن تحصل على الترقيم الدولي أو رقم الفسح (البار كود) الخاص بملكية الكتاب, فيبقى الكاتب أو المؤلف في حيرة من أمره, هل يبقى جندياً مجهولاً أم يسعى لتوثيق الكتاب المزمع نشره حسب قانون النشر المُتعارف عليه.

وفي حال العثور على دار نشر يمكن أن نطلق عليها صفة "الانتحارية" فأنك ستكون أمام مشكلة أخرى وهي ارتفاع تكلفة النشر لمثل تلك الكتب الممنوعة ولأسباب أيضاً معقولة, لأن الناشر سيبرر أن الكتاب لا يُمكن تسويقه على الأقل في 6 دويلات خليجية ومعهم سابعهم ملك الأردن, وسوف لن يُسمح بعرضه في أغلب معارض الكُتب, ناهيك عن حجم بعض الكتب الكبير والتي تكلف في عملية طباعتها, فمثلاً كتابي يتكون من 1270 صفحة وفي الطبعة الثانية سيتجاوز الـ 1300 صفحة, أي أنك أمام مُجلد وليس كتاب عادي.

وحين تشرح تلك المُعاناة لبعض الأصدقاء, يُبادرك بالحل السحري المتوفر لديه وهو : لديك «دار الساقي» فهي تنشر كُتب لبعض المُعارضين؟

وكأن دار الساقي جمعية خيرية!

وينسى أن دار الساقي اللبنانية وغير دار الساقي لا يُمكن أن تُغامر بطباعة كتاب مُستفز لآل سعود, وتخسر كعكة آل سعود الدائمة, من أجل أن تسجل موقف نبيل أو تكسب مؤلف لم تسمع به, ثم ما هو المردود التجاري الذي يدفعها للإقدام على هكذا محاولة انتحارية؟

ومع هذا فقد راسلت دار الساقي في 2008 عدة مرات ولم اتلق منهم أي رد, وأتفهم موقفهم السلبي وصمتهم المُطبق, ولكن المُضحك هو ما صادفني حينما راسلت «دار قتيبة» قبل تلك الأحداث, وهي دار نشر سورية حول رغبتي في نشر كتابي في مؤسستهم مُبيناً وشارحاً لهم فحوى وطبيعة ذلك الكتاب التاريخي, كي لا يفاجئوا لاحقاً بعد أن يتم الاتفاق بمحتواه, وفوجئت أنهم يطلبون مني موافقة خطية من قبل الحكومة السعودية.

ولك أن تتخيل ضحالة تلك العقول التي تدير هكذا مؤسسات مُختصة بالنشر في عالمنا العربي. وعليه فلم يكن النشر متاح أو متيسر لمن هم في مثل وضعي, ولكني لم أيأس ومن خلال البحث والتقصي عبر شبكة الانترنت عثرت على عنوان لدار نشر مصرية واعدة «مؤسسة شمس للنشر والتوزيع» يملكها شاب مصري جريء وطموح يُدعى – إسلام شمس الدين – وهو كاتب وشاعر يمتهن النشر, والحقيقة لم يُبدي أي اعتراض على فحوى الكتاب ووافق على نشر الكتاب, وإن كان السعر مُكلفاً بالنسبة لي بسبب كبر حجم الكتاب, وحدث تأخير في اجراءات الطباعة لأسباب تقنية, وقد أبرمنا العقد في منتصف الشهر الرابع من عام 2012م, وقام باستخراج إجازة الفسح للكتاب, وكان الاتفاق يقضي بانتهاء عملية الطباعة والتوزيع خلال ثلاثة أشهر كما هو مذكور في العقد المٌبرم بيننا, ولكن بسبب كبر حجم الكتاب وحاجته للتجليد على هيئة (كارتون) طالت عملية الطباعة لمدة 6 أشهر, وتم عرض الكتاب إلكترونياً في الشهر العاشر - أكتوبر 2012 ثم صدر ورقيا في نوفمبر من نفس السنة, وسوق الكتاب إلكترونياً على موقع مكتبة النيل والفرات اللبنانية ومكتبة غرناطة, وكنت قد أعلنت في حينها على صفحتي في تويتر عن خبر صدور الكتاب.

وبعد كل تلك المُعاناة والمُثابرة وهذا التعب والصبر يأتيك من يقطف ثمار جهدك على الجاهز, وهو متكئ على كرسي مكتبه الفاره, ثم يتلذذ بفعلته دون أن يرف له جفن!

وعادة تختلط الأمور في هذا المجال ويضيع الحق في ذلك الزحام تحت مبرر توارد الخواطر وتلاقح الأفكار, ويجب أن نحسن الظن ولا تظلم دون بينة أو برهان, كما حدث مع كتاب "هكذا هزموا اليأس" للكاتبة سلوى العضيدان الذي سطى عليه د.عايض القرني فأصبح يحمل عنوان "لا تيأس".

على أية حال يبقى الحكم دائماً وأبداً للقارئ وللجمهور وهم من يقرروا ويحكموا في أحقيقة وملكية الأفكار.

وكنتُ قد نوهت في مقدمة كتابي عن حساسية آل سعود وآل الشيخ وخصوصاً سلمان بن عبد العزيز من مُسمى الوهابية أو الوهابيون, ومُحاولاتهم اليائسة لتغيير ذلك المٌسمى وشطبه من كُتب الرحالة الأجانب الذين دونوا مذكراتهم خلال القرنين الماضيين, وتبديل مًصطلح الوهابي أو الوهابيين إلى مُسمى مُستحدث وهو «السعوديين» أو في أحسن الأحوال إلى «الموحدين» وفعلاً قامت الدارة «دارة عبد العزيز» بقيادة جوقة السماري وبعض أفراد آل الشيخ, بحملة فلترة تاريخية شعواء على كثير من كتب الرحالة الأجانب وذلك من خلال استخدام مُترجمين ومُحققين قاموا بتغيير مُسميات الوهابية والوهابيون من عدة كُتب مٌترجمة إلى مُسميات بديلة كالسعوديين والموحدين وغيرها من مرادفات مُستحدثة.

وكنت أعلم جيداً حساسية تلك المُسميات على آل سعود وعلى سلمان بن عبد العزيز تحديداً, فهو يستفز وينفر من هذا الاسم وسبق وأن أجرى لقاء أو مُحاضرة يوصي فيها بعدم الترويج لهذا الاسم العدائي الذي يُراد به السوء, لهذا فقد كان عنوان كتابي يحمل في البدء اسماً تراثياً وهو (كشف المستور في تاريخ نجد المبتور) ولكني آثرت أن أجعل العنوان لافتاً وأكثر استفزازاً لزعيم الحارة أو "الدارة" سيان, فأبلغت الناشر أن يكون عنوان الكتاب الرئيس هو (الوهابية دين سعودي جديد) وأما العنوان الأصلي القديم فيكون رديفاً لهذا العنوان, ووافق الناشر مشكوراً, وحمل الاسمين معاً.

لهذا كنت أعرف تأثير ذلك الاسم وأدرك الحساسية وحالة التوجس منه خاصة من قبل الأتباع المُغيبين, فتعمدت الاستفزاز من خلال ذلك العنوان, وقد استغربت بعد مرور أربعة أشهر تقريبا عن صدور كتابي بصدور كتاب جديد لأستاذ سعودي في جامعة الملك سعود يُدعى – د. خالد الدخيل – ويحمل عنوان (الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة), والحقيقة أنني قد فوجئت من جراءة عنوان الكتاب, الذي قطعا سيثير الحفيظة في الداخل, مع أن الكتاب صدر في لبنان كما هو واضح من مقدمته, ولكن اختيار عنوان «الوهابية» ومن قبل استاذ سعودي موال لآل سعود أمر يجذب الانتباه!

وأذكر أن أستاذة أنثروبولوجيا الدين الدكتورة مضاوي الرشيد جزاها الله خير كانت قد أعلنت عن صدور كتابي في حينه على صفحتها في تويتر, كنوع من التشجيع والدعاية المجانية للكتاب, ثم بعدها بفترة, نوهت الدكتورة أيضاً أن الأستاذ السعودي د.خالد الدخيل أصدر كتاب دراسة عن نشوء الوهابية, ووضعت عنواناً للكتاب في التغريدة.

وقد علقت حينها على تغريدة الدكتورة بأن قلت : «بركاتك يا سبعاني», وكنت أعني بها طبعاً أن «تابو» مُسمى الوهابية قد كُسر في السعودية, فها هو أستاذ جامعي سعودي يختار اسم الوهابية عنواناً لكتابه.

ولم اتوقف حينها عند فحوى ذلك الكتاب, أولاً : لأنهُ كتاب جديد ومن انتاج كاتب سعودي تابع لمؤسسة التبرير والتدبيج السعودية, وثانياً : أنا أعيش في السويد والكتاب غير متوفر هنا, وعملية شرائه وشحنه تكلفني مبلغاً مضاعفاً, ولا أظن أن كاتباً خرج من رحم الجامعات السعودية الرسمية يستحق أن أتكبد مبلغ مالي أنا بأمس الحاجة له هنا, لكي أطلع على كيفية نفاحه عن آل سعود أو تبريره  لطوام الوهابية وهو المتوقع عادةً.

وخلال اليومين الماضيين وجدت أن الكتاب المذكور والخاص بالدكتور الذي سبق وأعلن عنه, معروضاً مجاناً في أحد المواقع الإلكترونية, وقد دفعني الفضول لقراءة ذلك الكتاب الوحيد الذي حمل اسم الوهابية ومن داخل المزرعة السعودية, فتسنَ لي أن أتصفحه بعد مرور عام كامل على تاريخ صدوره.

وما أن بدأت المقدمة والفصل الأول والثاني, حتى شعرت أنني اجتر كتابي المذكور وأقرأ كثير من أفكاري ولكنها مفككة وموزعة هنا وهناك كي لا تظهر مُترابطة في مكان واحد فتفضح صاحبها, حينها تذكرت بوح ذلك الشاعر العراقي الذي زار إيران لأول مرة وشاهد النخيل في بعض المدن الإيرانية, فقال ساخطاً : من سرق تلك النخلة من وطني؟

فسرقة الأفكار وتحويرها للأسف أصبحت موضة دارجة, إلا أن التحوير والتطوير مهما تفنن به صاحبه وحاول اخفاء المعالم فلن يستطيع أن يُشتت أو يخدع صاحب الفكرة الأصلية, لأنه لا يتوه ولا ينسى ما سطرته أنامله, ناهيك أن هناك دائماً أساس ثابت وهناك مرمم أو مطور, والحال هنا كمن يحاول تحوير خارطة بناء لأحد البيوت, فيقوم باستحداث أبواب وشبابيك جديدة وممرات داخل نفس هيكل البناء فينجح بتغيير الديكور لكنه لن يستطيع تغيير النسق العام لبُنية وركائز ذلك البناء, هو فقط يُحاول أن يُجدد المعالم لدى الزوار الغرباء أما صاحب البيت فيعرف دقائق الأمور في بيته ولا يمكن أن ينسى أو يخطئ في تعيين معالمه.

وما جاء في كتاب الدكتور خالد الدخيل أنا أعتبره لصوصية للأفكار تمت عن بعد وإن لم تكن سرقة حرفية للنص, وأراها محاولة فاشلة للتذاكي من خلال التوسع في فلسفة الفكرة لكي يتوه القارئ عن صاحب الفكرة الأصلية, وفي تلك الحالة كان يُمكن للكاتب أن يُحاكي كتاب غيره أو يرد على ما طُرح في ذلك الكتاب, شرط أن يذكر اسم الكتاب ثم يدحض ويفند الأفكار التي وردت فيه.

لأني أعلم جيداً أن هناك من سيقول أن مسألة توارد الخواطر والتشابه في الآراء تحدث كثيراً, وأن المصادر النجدية شحيحة أصلاً وهي تعد على الأصابع وقطعاً سيحصل تماهي في تناول تاريخ نجد أو الدعوة الوهابية تحديداً, وأن المؤلف ربما أراد تفنيد الأفكار والآراء التي جاءت في كتابك وغيرها من أعذار جاهزة.

ولهذا فأنا أولاً : أطالب المُهتمين بالتاريخ وأصحاب الخبرة في المُتشابهات بقراءة كتابي : (الوهابية دين سعودي جديد – كشف المستور في تاريخ نجد المبتور – صدر 2012 وللأسف لا يمكنني توفير الكتاب مجاناً للقراء, لأن هنالك حقوق ملكية للناشر, ولا يمكن خرقها وستنتهي تلك الحقوق العام القادم في نفس هذا التاريخ, وهذا عنوان الكتاب على مكتبة النيل والفرات :

http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb186776-5200379&search=books
ومن ثم عليهم ايضاً قراءة كتاب د. خالد الدخيل : (الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة) الذي صدر عام 2013, وهو متوفر أيضاً على الرابط مجاناً :

http://narjes-library.blogspot.se/2014/01/blog-post_8730.html 

وأنا أقبل بحكم القارئ الحيادي المُنصف, مع التذكير على أن د.الدخيل ذكر في مُقدمة كتابه أن أصل الكتاب هو أطروحة دكتوراه باللغة الإنجليزية كان قد تقدم بها إلى جامعة كاليفورنيا في عام 1998م, وأنه قد أضاف حديثاً لتلك الأطروحة فصلين جديدين, هما الفصل الأول والثاني بالإضافة إلى مُقدمة وخاتمة جديدتين, كما جاء بالتنويه في هامش كتابه, حيث يقول :

«كان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA), نوقشت عام 1998م. وكان من المفترض أن تتحوّل إلى كتاب قبل هذا التاريخ وتظهر فيه, لكن الظروف لم تسمح بذلك. وعندما استقرّ الأمر على أن تكون كذلك, فقد رأيت أن يبقى النص الأصلي كما هو, مع بعض الإضافات التي تستدعيها ترجمة النص إلى العربية. إلى جانب ذلك رأيت ضرورة إضافة فصلين جديدين هما الأول والثاني, وإضافة صفحات قليلة إلى المُقدّمة وجعلها فصلاً مُستقلاً مع إعادة كتابة الخاتمة كفصل مُستقل أيضاً.». انتهى.

وأنا هنا لن أتطرق للأطروحة الأصلية لأنها قديمة كما يذكر الدكتور هو في المُقدمة, وأنها مُترجمة من اللغة الإنجليزية, وسأكتفي بالإضافات الجديدة التي يعترف الدكتور أنهُ قد أضافها حديثاً لكتابه, الفصل الأول والثاني والمقدمة والخاتمة, وهي صلب النقاش هنا.

كما ينوه الدكتور أن هنالك من ساعده وعاونه سواء بجلب الكُتب النجدية القديمة أو بالترجمة أو في الترتيب أو التصحيح ..الخ, ومن هؤلاء كان هنالك فريق من الشباب وصفهم الدكتور بالجنود المجهولون, ومن يدري ربما أحد أعضاء ذلك الفريق وقع في ذلك التوارد المُتعمد أو بالأحرى لصوصية الأفكار فورط الدكتور دون قصد, وقد يكون بسبب عامل السرعة في إصدار الكتاب فلم ينتبه الدخيل إلى ذلك التوارد الكبير في الأفكار.

علماً أن الدكتور ذكر أن : (كتابه هذا ليس في التاريخ وإنما عن التاريخ) كما يصفه, وبعيداً عن الخوض في الفلسفة والتصورات الخلدونية التي حاول الدكتور أن يفندها في رده على الحداثيين, وعن وجهة نظره في نشوء الوهابية وأمور أخرى, فإن ما يُهمني هنا التشابه والتماهي في سياق كثير من الأفكار بين الكتابين حتى ليظن القارئ أن هنالك عملية سطو قد تمت بحرفية.

وربما سيتطوع بعض المُريدين والمُنافحين ليُكرر القول : أنها مُجرد توارد للخواطر وتلاقح لأفكار عامة تحدث عادةً مع كثير من الكُتاب الذين يخوضون في نفس الموضوع ويعتمدون على نفس المصادر.

أقول لهم حسناً.

وأنا هنا أسعى لتثبيت حقوق النشر لا أكثر, كي لا يأتي أحد بعد عدة أعوام فيقول : لقد اطلعت على كتاب السبعاني الموسوم بـ(الوهابية دين سعودي جديد) فوجدته عبارة عن استنساخ واقتباس لكثير من أفكار د. خالد الدخيل في كتابه (الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة), ثم سأُتهم حينها بأنني قد سطوت على أفكار الدكتور ونسختها في كتاب آخر, وأنني لم أرجع للمصدر الأصلي وهو كتاب الدخيل, ساعتها ربما أكون في عداد الموتى فأعدم وسيلة الرد.

فوجب عليّ الرد والتنويه من الآن ولا بد من التوضيح أولاً بأن كتابي صدر قبل كتاب الدخيل بعدة شهور, وأن القاعدة المرورية القديمة تقول : إن الأسبقية لمن في الدوار, وسوف أورد بعض النصوص المُتشابهة من كتابي ثم أُتبع كل نص من تلك النصوص باقتباس من كتاب الدكتور الدخيل لنفس الموضوع, وأترك للقارئ المُحايد المُقارنة والحكم أيضاً.

في البداية سأتحدث عن الجهد الكبير الذي بذلته في قراءة وتدقيق طبعات كل من كتاب حسين بن غنام الموسوم بـ(روضة الأفكار والأفهام لمُرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام), وأيضاً كتاب عثمان بن بشر الموسوم بـ(عنوان المجد في تاريخ نجد), بطبعاتها المُختلفة, الأمر الذي اضطرني إلى قراءة أكثر من نسخة لنفس الكتاب وليتخيل معي القارئ مقدار التعب والإرهاق الناتج عند التركيز في القراءة, وكذلك نوبات الملل التي تجتاح الباحث حينما يقرأ كل كتاب مرتين مُتتابعتين وأكثر من عدة طبعات وفي وقت مُتقارب, كل هذا بسبب التحقيق أو بالأحرى العبث والتحوير الذي قامت به "الدارة" السعودية في طبعاتها المُحرفة, لكي أقارن وأجد الاختلاف بين تلك النسخ المشوهة, وقد وضحت في مقدمة كتابي عن مُثابرتي في الإطلاع على جميع المصادر الخاصة بتاريخ نجد, حيث جاء في مقدمة الكتاب في الصفحة 42 :

« طبعاً عمليات التزوير والتحريف والطمس والبتر في كتاب ابن غنام وكتاب ابن بشر في الطبعات الحديثة للدارة, لا تُعد ولا تحصى وتحتاج لبحث كامل وكتاب خاص ليس هذا مجاله, ولكن القصد من إيرادي لبعض تلك الأمثلة هنا, كي أوضح للقارئ البسيط غير المُلم وأثبت للجميع مدى الضرر البالغ الذي ألحق بكتب التاريخ والمصادر الشحيحة بسبب ذلك الهوى والعبث السعودي والتحريف المُتعمد الذي مارسه ويُمارسه سلمان بن عبد العزيز وأتباعه فيما يُسمى بدارة عبد العزيز في الرياض.

ولهذا فقد كانت مُهمتي صعبة وعسيرة, وتحتاج لجهد كبير في مجال البحث والتنقيب والمُقارنة بين المصادر التاريخية وتتطلب مني تفرغاً تاماً واهتماماً أكثر مما لو كان البحث يتحدث عن الشأن السياسي المُعاصر, لذلك كُنت مُرغماً على البحث عن تلك المصادر والإطلاع وقراءة جميع المؤلفات التي تناولت تلك المرحلة, سواء كان الإطلاع على مؤلفات سخيفة لبعض المؤرخين والكُتاب السعوديين الرسميين أو قراءة بعض كُتب التاريخ لبعض المؤلفين العرب المُتزلفين, أو من خلال مُتابعة كل ما كتبه المؤرخين العرب والمُسلمين الأوائل, أو عن طريق قراءة كُتب الرحالة الأجانب والمُستشرقين الذين دونوا ملاحظاتهم عن تلك الفترة وبغض النظر عن توجهات وميول هؤلاء المدونين, سواء كان هؤلاء الكُتاب تابعين وموالين للوهابية أو مؤيدين بعض الشيء ومُتعاطفين مع تلك الحركة لأسبابهم ومصالحهم الخاصة, أو ربما كانوا من أشد الخصوم لها وممن تضرروا من قمعها وغطرستها, أو كانوا حياديين حتى.

ولغرض إثراء محتوى البحث وتوثيق الأحداث فقد قمت ولله الحمد بقراءة حوالي الـ 100 كتاب من كتب التاريخ المُتعلقة بأخبار نجد وشبه جزيرة العرب, وأطلعت على عدة مصادر تاريخية لها علاقة بمادة البحث, بعض تلك المراجع كُنتُ قد قرأتها في السابق, ولكن تطلب مني الأمر قراءتها من جديد كي استحضر الأحداث وأربطها مع بعضها البعض, ولذلك سوف يكون هذا البحث التاريخي بإذن الله تعالى على غير ما جرت عليه العادة, أو على عكس ما هو مُتعارف عليه ومتوقع دائماً من خلال المنشورات السعودية الرسمية حول دراسة تلك المرحلة الغابرة وتقييم الحركة الوهابية, فقد تعودنا من كَتبة آل سعود سواء كانوا من السعوديين المُتنطعين أو من بعض المُرتزقة العرب المُحابين, كثرة تدبيجهم وتزلفهم وتملقهم وإبداء مراسم الطاعة والولاء وطقوس الإشادة والتزكية والتقديس لمحمد بن عبد الوهاب وحركته الوهابية.».

وكنت أيضاً قد وضحت في مقدمة الكتاب عن تعدد الطبعات الخاصة بكتابي ابن غنام وابن بشر, وعن العبث والتحوير الذي مارسه المدعو ناصر الدين الأسد على سبيل المثال في كتاب حسين بن غنام الذي قام بتحقيقه زعماً, فمثلاً أذكر أنا في كتابي في الصفحة رقم 29 :

« وكانت الطبعة الأولى لمخطوطة حسين بن غنام قد طبعت في عام ١٣٣١هـ - ١٩٥١م بمدينة بومباي بالهند على صيغة كتاب, ولا يُعرف تحديداً من الذي قام بطباعة تلك النسخة من المخطوطة في الهند, هل هي الحكومة السعودية أم خصوم الوهابية من أجل أن يطلع الناس على مُعتقداتهم, وللأسف فإني لم أحصل على الطبعة الهندية القديمة. وأما الطبعة الثانية فقد طبعت في مطبعة البابي الحلبي بمصر سنة ١٣٦٨هـ وقد تم طباعتها على نفقة عبد المحسن بن عثمان أبابطين صاحب المكتبة الأهلية سابقا بمدينة الرياض, وقد ألحقها بالطبعة الثالثة في عام ١٣٨١هـ - ١٩٦١م بمطبعة المدني, وطبعة البابي الحلبي المصرية هي التي اعتمدتها في كتابي وبحثي هذا.». انتهى.

وكما هو مُبين فإني قد ذكرت أنني لم استطع الحصول على نسخة من الطبعة الهندية لكتاب حسين غنام, لكني حصلت على نسخة من طبعة البابي الحلبي المصرية المطبوعة أصلاً عن طبعة البابطين.

ثم يا للمصادفة فيبدو ان د.خالد الدخيل قد اهتم هو الآخر بالحصول على تلك النسخة الهندية, فنراه في مقدمته يشكر محمد آل الشيخ على امداده بتلك النسخة الهندية, بالقول :

« ولا يسعني هنا إلا أن أشكر الصديق محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ على تأمين نسخة مصورة من الطبعة الهندية لكتاب ابن غنام المذكور, وذلك عن طريق الشيخ عبد المحسن بن إبراهيم بن عبد الله آل الشيخ الذي تفضل بتقديم هذه النسخة, من هذه الطبعة المهمة. فله مني كل الشكر أيضاً, فقد استفدت منها, ورجعت إليها كثيراً في هذا الكتاب.». انتهى.

وكنت قد وضحت الاختلاف الواضح بين النسخ التي طُبعت في الخارج وبين طبعات الدارة السعودية, ونوهت في كتابي أن حسين ابن غنام لا يُعتبر مؤرخاً مُحايداً قط بل هو مُجرد كاتب أو ناسخ لوحي محمد بن عبد الوهاب, وأطلقت عليه تهكماً لقب "الحبر", وذكرت أن كتاب عثمان بن بشر يُعتبر أكثر قبولاً (نوعاً ما) من كتاب ابن غنام المليء بالسجع المُمل, الشبيه بسجع السديس في خطبه العصماء في التطبيل لولاة أموره, حيث ذكرت في كتابي ما نصه في صفحة 33 وصفحة 181 و 183 و 184 :

« وأحمد الله أنني مازلت أحتفظ بنسخ قديمة بعض الشيء من كتاب حسين بن غنام (تاريخ نجد), وكذلك كتاب عثمان بن بشر (عنوان المجد في تاريخ نجد), وإن كانت طبعات وليست مخطوطات أصلية, ولكنها أرحم بكثير من النسخ السعودية الحديثة, مما جعلني أكتشف بعض خيوط تلك اللعبة وأطلع على تفاصيل الخطة الخبيثة في عملية البتر والتشويه الشنيعة للمصادر التاريخية, فعندما قارنت بين نسخة الدارة السعودية الحديثة التي تكفل بطباعتها أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز وحققها عبد الرحمن آل الشيخ, وبين النسخة القديمة منذ الخمسينيات الموجودة لدي [طبعة مكتبة الرياض الحديثة]؟ وجدت أن هنالك فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً بين النسختين, وأن هناك تشويهاً مُتعمداً قد تم وهنالك عبثاً واضحاً وجلياً قد حدث في نسخ الدارة السعودية لغاية في نفس سلمان وعبد الرحمن آل الشيخ, ويستطيع أي قارئ بسيط أن يكتشف ذلك التحريف والتشويه المفضوح من خلال مُقارنة ما جاء من أحداث ووقائع في النسختين معاً, وعموماً فكتاب حسين بن غنام وإن كان لا يصلح لأن يكون مرجعاً أو مصدراً تاريخياً مُحايداً, لأن صدوره تم وفق رغبة مُلحة من قبل محمد بن عبد الوهاب ليدافع عن نفسه, والكتاب هو بمثابة ترجمة شخصية لسيرة محمد بن عبد الوهاب, مع هذا تعرض ذلك الكتاب الوهابي الصرف للمسخ والحذف التحريف, وأما كتاب عثمان بن بشر فهو نوعاً ما (وأقول نوعاً ما) أفضل وأرحم بالمُقارنة مع كتاب حسين بن غنام, من ناحية النقل والترتيب, لأنهُ كان يروي أشياء كانت مقبولة في وقته, لكنها الآن أصبحت تُدين وتفضح مُقترفيها, كعمليات السلب والنهب والقتل على الشبهة وحرق النخيل وهدم البيوت وتخريب ودفن الآبار وأشياء أخرى سيأتي ذكرها تباعاً بين طيات هذا الكتاب, ولهذا فقد تعرض كتابه هو الآخر للتشويه والتحوير. ...الخ.

وربما ما جاء في كتاب المؤرخ الوهابي حسين بن غنام في كتابه – روضة الأفكار والأفهام لمُرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام – لفيه تأكيد جلي لما كان يُكابده محمد بن عبد الوهاب من مشاعر الغضب والعصبية لمنطقة نجد دون أن يشعر, حيث كان حسين بن غنام الذي عاصر محمد بن عبد الوهاب, من أشد أتباعه وأكثرهم تأييداً لدعوته, بل أن محمد بن عبد الوهاب هو من طلب منه شخصياً أن يوثق تلك الأحداث كي تكون مرجعاً للطائفة الوهابية فيما بعد, وبعد أن أسهب ابن غنام في سرد ممارسات من سماهم "المُشركين العرب" طبعاً كان بإيحاء وتقرير من قبل محمد بن عبد الوهاب, حيث لم يترك قوم في أي مكان أو بقعة من بلاد العرب إلا وطعنهم في دينهم وذكر فيهم مثلبة وألصق بهم تهمة الشرك أو الهرطقة, لكي يُبرر استباحة الدماء وسلب المال وهتك الأعراض. الخ.

وبالمناسبة فأن كتاب حسين بن غنام الأصلي قد وردت فيه أخطاء عديدة في إيراد الأحاديث والآيات القرآنية, مما دفع حفيد محمد بن عبد الوهاب, المدعو عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ, لأن يقوم بتصحيح وتهذيب وتشذيب وطباعة كتاب ابن غنام كي يكون في المستوى المطلوب الذي يؤهل لقراءته وقد أطلق عليه اسم (تاريخ نجد) لأن المخطوطة الأصلية كانت مليئة بالأخطاء والحشو بأسلوب السجع المُمل والمنفر للقارئ. الخ.

ومعروف أن محمد بن عبد الوهاب هو من طلب شخصياً من حسين بن غنام تدوين ذلك الكتاب المسجوع, أي أن الكتاب قد دون بلغة أهل ذلك الزمان, حيث جاء على لسان ابن غنام في كتابه قائلاً : « ولما كانت منزلة العلم أعلى المنازل, والتحلي بِحُلاه من أفخم الفضائل, لاسيما للأفاضل والأماثل, ومرتبته أرفع المراتب عند الأواخر والأوائل ... أردت أن أصنف ما أشرق ضياؤه وأنتشر, وشاع في غالب الأقطار وأشتهر من الغزوات التي هي في مُحيا الدهر كالغُرر, والفتوحات الإسلامية التي مبدؤها العقد السادس من القرن الثاني عشر. فرأيت العوم في تياره خطيراً, وركوب زاخر أمواجه حظيراً, وتحققتهُ أمراً عسيراً, والإمام أيدهُ الله تعالى يَعزم عليّ في ذلك ويُشير, فشرعتُ فيه حتى أتقنتهُ تصحيحاً وتحريراً, وتلقنتُ تلك المغازي ممن حوى الصدق في الصدق رياسة وتصديراً.».

لذلك أراد محمد بن عبد الوهاب أن يجعل من حسين بن غنائم حوارياً له وكاتباً لوحيه, ومدوناً لسيرته ومسيرته, وبنفس الوقت أراد منه التهوين من خصومه والطعن فيهم وتشويه سمعتهم كما حصل في حالة الأمير عثمان بن معمر, الذي انشغل حسين بن غنام بتشويه سمعته واتهامه بالخيانة العظمى ومن ثم تبرير قتله وهو يُصلي الجمعة في مسجد العيينة.». انتهى.

وبالمقابل ينوه الدخيل عن تلك العلاقة الوثيقة التي ربطت بين محمد بن عبد الوهاب مع تلميذه حسين بن غنام, فيقول في صفحة 63 و 64 و 66 و 67 و 68 :

« بعض الإشارات الواردة في المقدّمة التي كتبها ابن غنام توحي أن مبدأ فكرة كتابه ربما تعود إلى الشيخ نفسه, وأنه, بعد اتفاقهما على ذلك, كان للشيخ دور في عملية تأليف الكتاب وربما في اختيار موضوعاته؛ حيث يذكر ابن غنام أن الشيخ كان "يعزم عليه" للشروع في التأليف "من دون تأخير", مما يعني في الغالب, أن الشيخ هو الذي طلب من ابن غنام تسجيل تاريخ الدعوة. وبالتالي؛ من الطبيعي أن يلحّ على ابن غنام بالإسراع في تنفيذ المهمة. الخ.

من المهمّ الإشارة, هنا, إلى أن كتاب ابن غنام تطغى عليه الموضوعات العقدية, ولغته لغة دينية مسجوعة, ولذلك فهو كما أشرت, كتاب تاريخ للدعوة وليس تاريخاً للدولة تماماً. الخ. النتيجة الثانية؛ أن دور الشيخ, على الأرجح, لم يقتصر فقط على دفع ابن غنام وتشجيعه على الشروع في تأليف تاريخه, بل ربما تجاوز ذلك إلى نوع من الإشراف على هذه العملية, ومن هذه الزاوية, دخلت الاعتبارات التي تخصّ الشيخ بحكم موقعه السياسي والديني في خيارات المؤلف. الخ.

فالاحتمال الأول؛ أن الشيخ بحكم علاقته بابن غنام, وباعتبار أنه كان أحد أهم المصادر التي اعتمد عليها في تاريخه, لم يذكر له هذا الشرط؛ لسبب كان يراه وجيهاً. .. الخ.

صحيح أن ابن غنام كان أقرب للحدث من ابن بشر, بحكم مُعاصرته للشيخ وأنه كان أحد تلاميذه, وكتب تاريخه بتشجيع من الشيخ نفسه وربما تحت إشرافه وبالتالي؛ من المفترض أن تكون روايته للأحداث أكثر دقة من رواية ابن بشر. الخ.

ثم إن قرب ابن غنام من الحدث, وعلاقته المتينة بالشيخ ربما لم تكن, كما يبدو, مُفيدة له بالنسبة إلى هذا الموضوع تحديداً. وعلى العكس ربما شكلت نوعاً من القيد على ابن غنام نظراً للاعتبارات السياسية المُرتبطة بظروف الشيخ. الخ.

وابن غنام كما ذكرنا, كان أحد تلاميذ الشيخ المقربين. ولا شك في أن الطبيعة السياسية لكلا اللقائين وما دار فيهما من اتفاقات وشروط, جعل موضوع لقاء الدرعية ذا حساسية سياسية في الثقافة النجدية حينها.». انتهى.

ويُلاحظ ايضاً أن خالد الدخيل بدأ يُمايز بين ابن غنام وابن بشر, فيصنف الأول على أنهُ مؤرخ للدعوة الوهابية, ويُصنف الآخر على أنهُ مؤرخ "الدولة" ولا أدري أي دولة! وهل يُمكن اطلاق مُسمى الدولة على عصابة قطاع طرق, ولا أعرف ما هو تفسير الدخيل لمفهوم الدولة؟ ألم يكن من الأصوب والأقرب للواقع هو تصنيفهم كإمارة قصية منعزلة في قلب الصحراء امتهنت السلب والنهب وقطع الطريق, عموما هذا ليس محور الموضوع, ما يُهمني هنا هو محاولة تأكيد فكرتي من ابن غنام كان مُجرد مدون لسيرة محمد بن عبد الوهاب, وأن ابن بشر مؤرخ كان أكثر قبولاً واستساغة للقارئ في رواياته من ابن غنام السجعية, وقد ذكرت ذلك في كتابي, فخصص الدخيل فصل لاختلاف بين رواية ابن غنام وابن بشر, وإن حصرها هو في رواية "اتفاق الدرعية", وسآتي على الشراكة السياسية بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود لاحقا, فيذكر الدخيل عن الفرق بين ابن غنام وابن بشر في صفحة 60 :

« وكما سيتضح لاحقاً, عند الاقتراب أكثر من نصّ كل من ابن غنام وابن بشر, نجد الكثير مما يُميز أحدهما عن الآخر. فما كتبه ابن غنام, كان تاريخاً للدعوة أكثر منه تاريخاً للدولة. أما تاريح ابن بشر فهو على العكس من ذلك. من حيث إنه تاريخ للدولة وليس للدعوة. وهذا الاختلاف العام بينهما هو المصدر الأساس للاختلافات ألأخرى, بما في ذلك الاختلاف حول الشرط الثاني. الأسوأ كما أشير, أن الاختلاف يطال النسخ المطبوعة والمُختلفة لتاريخ كل منهما على حدة, وبشكل خاص تاريخ ابن غنام. ولم ينتبه الدارسون كما يبدو, إلى أهمية هذا الاختلاف, وبالتالي؛ لم يأخذ حقه من الاهتمام.». انتهى.

لاحظ هنا أن الدكتور الدخيل يؤكد في النص أعلاه أن هناك اختلافات حدثت في النسخ المطبوعة وخاصة كتاب حسين بن غنام, ثم يقول : لم ينتبه لها الدراسون! طبعا باستثناء الدكتور وحده الذي اكتشفها فجأة من خلال تقصيه وقراءته الدءوبة لجميع تلك النسخ, فعرف أن هنالك فروقاً واختلافات بين فحوى تلك النسخ.

وأعلم أن هناك من سيقول ولم لا؟

فقطعا الدكتور قد اطلع على تلك النسخ ودققها ووجد فيها فروقات فذكرها في كتابه, خاصة في مسألة الاتفاق الذي تم في الدرعية بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.

وأنا هنا لا أشكك في أنه قد اطلع على نسخ ابن غنام وابن بشر وعمل مقارنة, ولكن متى حدث ذلك؟ هذا هو السؤال.

قطعاً بعد أن اطلع على ما قمت به من جهد مرير وقراءة مُرهقة ومقارنة بين النصوص, حيث أوردت بعض المُقارنات النصية في كتابي, بين ما جاء في نسخة الدارة المُشذبة لابن بشر وبين طبعة مكتبة الرياض الحديثة, وأيضاً بين كتاب ابن غنام نسخة البابي الحلبي, وبين نسخة ناصر الدين الأسد, ثم بعدها بدأ يُفلسف موضوع الاختلاف في رواية مُحددة بين ابن غنام وابن بشر.

وهذا يسمى سطو على الجهد المبذول, إذا لم يذكر الباحث دور وعمل من سبقه, وخاصة الجهد المُضني الذي بذلته في القراءة والمقارنة واكتشاف الاختلافات بين النسخ المذكورة.

ثم تحدثت في كتابي عن ناصر الدين الأسد (كنت أظنه سوري فاتضح أنه أردني) وهو الذي قام بتحقيق النسخة الاصلية من مخطوطة ابن غنام, بتكليف من قبل عبد العزيز بن محمد آل الشيخ حيث قام بتحوير تلك النسخة حسب رغبة وهوى من كلفه, وبينت ذلك العبث من خلال أمثلة مُختارة كي لا يخرج الكتاب عن مساره, فجاء في كتابي بالصفحة 28 و 29 و 31 :

« فقد عبثوا بالكثير من الكتب التاريخية وخصوصاً ما قاموا به من حذف وبتر بعض ما جاء في الأخبار الواردة في الكتابين التاريخيين الذين دونهما المؤرخين النجديين حسين بن غنام وعثمان بن بشر, واللذان حملا اسم تاريخ نجد بطريقة أو بأخرى, علماً أن كلا المؤلفين هما وهابييّن حتى النخاع, بل إن حسين بن غنام لا يُعتبر مؤرخاً مُنصفاً, لأن كتابه المذكور كان قد دونه بأمر ورغبة مُلحة من قبل محمد بن عبد الوهاب شخصياً, كما إن كتابه المذكور لم يكن تاريخياً بالمعنى الأكاديمي, بل كان ترجمة وسجع لمآثر وسيرة محمد بن عبد الوهاب الشخصية, وهو عبارة عن سرد وذكر لبعض مواقفه والمعارك التي خاضها أتباعه, ومع هذا لم تسلم المخطوطة الأصلية من كتاب حسين بن غنام من العبث والتشويه السعودي المُعاصر, فقد طال الكتاب الكثير من التحريف والتزوير والبتر. فالنسخة الأصلية وكما هو معروف كانت بعنوان : (روضة الأفكار والأفهام لمُرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام) فاستعانوا بكاتب عربي "سوري" يُدعى الدكتور ناصر الدين الأسد, لكي يُعيدوا ما دونه ابن غنام, وقام هذا المؤرخ المُستأجر بمشاركة عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ بمسخ وليس نسخ كتاب حسين بن غنام, حيث قاموا بطمس وتحوير وتشذيب هذا الكتاب الوهابي الصرف فشوهاه بحجة الترجمة والتحقيق, ومن ثم أطلقا عليه اسم جديد وهو (تاريخ نجد للشيخ الإمام حسين بن غنام), وقد حذفوا منه الكثير من الأخبار والرسائل والغوا المُصطلحات الوهابية الصرفة, وأضافوا له أيضاً العديد من المعلومات والآراء, حتى يُخيل للقارئ أن هذا الكتاب يتحدث عن العصر الحديث ويُناقش إشكالات الوهابية المُعاصرة! وكان بإمكان ناصر الدين الأسد لو كان فعلاً حريصاً على المصداقية العلمية والنزاهة الأكاديمية, أن يضع الأخبار والنصوص الأصلية التي ذكرها حسين بن غنام في كتابه وإن كانت على طريقة السجع المُمل, ثم يضع تحت كل نص اختصار أو توضيح مُبسط لما جاء في ذلك النص الأصلي, وبهذا يكون قد ترك للقارئ الخيار في الإطلاع, فإن أراد قراءة النص الأصلي الذي دونه ابن غنام بنفسه سيجده, وإذا استعصى عليه فهم أسلوب ابن غنام في ذكر الأخبار والحوادث سجعاً, فيمكنه قراءة النص المبسط الذي كتبه ناصر الدين الأسد, لكن ما حصل هو تشويه ومسخ مُتعمد لكتاب حسين بن غنام, والهدف من ذلك المسخ والتحريف والتشذيب الذي لا يُخفى على كل لبيب.. الخ.

ويبدو أن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ وصديقه ناصر الدين الأسد أرادا أيضاً حذف العبارات السوقية المُبتذلة التي كان ينعت بها حسين بن غنام خصوم محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود وأبنائه, ولهذا سعيا معاً لتهذيب أسلوبه المُنحدر في شتم وقذف الأعداء, إضافة إلى التخلص من أسلوب السجع المُمل الذي كان يستخدمه ابن غنام خصوصاً حينما ينساق مُتملقاً في تدبيج المديح فيخرج عن صلب الموضوع, وينشغل في ترتيب قافية السجع حتى ولو لم تكن موافقة لقواعد اللغة العربية.». انتهى.

ولاحظ هنا كيف بدأ الدخيل يُقارن بين الطبعات وينتقد بلطف المدعو ناصر الدين الأسد حينما تجاوز مهمة تحقيق مخطوطة ابن غنام فقام بتحرير النص المسجوع, كما ذكرت أنا أعلاه في كتابي, فيقول في كتابه بصفحة 48 و 60 :

« والذي يبدو من نص الشرطين في نسخة الأسد أنه ترجمة للشرطين نفسيهما كما وردا في رواية ابن بشر وليس في رواية ابن غنام. وتحديداً فإن نصّ الشرطين كما هما في نسخة الأسد موجود حرفياً في طبعة مكتبة الرياض الحديثة لتاريخ ابن بشر, وهي طبعة غير محققة وأقدم من طبعة الدارة المحققة. الأمر الذي يوحي بأن الشرط الثاني, كما هو في نسخة الأسد, مأخوذ من طبعة مكتبة الرياض الحديثة لتاريخ ابن بشر, وأنه بذلك أضيف إلى تاريخ ابن غنام. وبحسب ما جاء في نسخة الأسد أيضاً يكون الشيخ قد عرض دعوته على أمير الدرعية, بالطريقة نفسها التي عرضها على أمير العيينة كما وردت لدى ابن بشر تماماً. هل هذا حقا ما حصل؟ بحسب المعطيات المتوافرة وكما عرضناها يبدو أن هذا ما حصل بالفعل. إلا أننا لا نعرف كيف, ولماذا حصل على هذا النحو وهو أمر مُحيّر ومُثير للاستغراب, خاصة أن مُحقق النسخة, وهو الدكتور ناصر الدين الأسد, مشهود له في الأوساط العلمية بالأمانة والحرص على التدقيق والتمحيص في أبحاثه. الخ.

ربما يعود الاختلاف إلى أنّ تاريخ ابن غنام لم يظهر حتى الآن, وبعد مرور ما يقرب من مئتي سنة على تأليفه في نسخة محقّقة تحقيقاً علمياً تمثل مرجعاً موثوقاً, ويمكن الاطمئنان إليه بالنسبة إلى الباحثين والمؤرخين. وهذا عكس ما حصل لتاريخ ابن بشر, حيث توافرت له أخيراً نسخة محققة ومطبوعة وتعتبر حالياً, أفضل مرجع لهذا التاريخ, خاصة وأنّ "دارة الملك عبد العزيز" المؤسسة المعنية رسمياً بتاريخ الدولة السعودي هي التي نشرت هذه النسخة. أما تاريخ ابن غنام فلا يزال مُبعثراً بين نسخ مطبوعة كثيرة تختلف في ما بينها. كل منها مجرد نسخة مطبوعة من دون تحقيق لإحدى مخطوطات كتاب ابن غنام المنسوخة عن المخطوطة الأصلية. هذا ما عدا النسخة التي حقهها ناصر الدين الأسد. لكن وكما أشرت فإن الأسد لم يقف عند حدّ التحقيق, بل تجاوزه إلى أنه قام بإعادة تحرير نص ابن غنام وأعاد صياغته ليخلصه من أسلوب السجع المُتكلف والمُمل وأعاد ترتيب أبوابه مما جعله نصاً أكثر مقروئية بالنسبة إلى القارئ المُعاصر كما يقول. وقد تبعثر تاريخ ابن غنام بهذا الشكل.». انتهى.

ثم يتطرق خالد الدخيل للاختلاف فيما جاء بين كتاب ابن غنام وابن بشر في مسألة "اتفاق الدرعية", ويُعرج على مسألة كثرة الطبعات والخلاف بين محتوى بعض تلك النسخ فيقول في الصفحة 46 :

« وقبل مواصلة الحديث عن الشروط التي سبقت اتفاق الدرعية, وأهميتها, نحتاج أولاً إلى إجلاء الصورة اختلاف روايتي ابن غنام وابن بشر حول المسألة بشيء من التفصيل. وذلك لأن روايتي هذين المؤرخين معاً هما أهم مصدرين أوليين. وأول ما نلاحظه مُباشرة, في هذا الموضوع, أن اختلاف هذين المؤرخين حول عدد شروط اتفاق الدرعية ومضمونها يأتي أحياناً, تبعاً لاختلاف النسخة المطبوعة لتاريخ كل منهما. ومن ثم قد يبدو الأمر وكأن الاختلاف بينهما ليس أصيلاً, أو لا وجود له في النسخ الأصلية لتاريخ كل منهما, وهذا ليس صحيحاً. مثلاً لا يرد ذكر للشرط الثاني في النسخة المطبوعة في القاهرة من تاريخ ابن غنام, أو ما تعرف بين المُهتمين بطبعة "البابطين". كما إن هذا الشرط لا يرد أيضاً في الطبعة الهندية. كذلك تخلو المخطوطات المتوافرة من تاريخ ابن غنام من أي ذكر للشرط الثاني, بما في ذلك المخطوطتان اللتان اعتمد عليهما ناصر الدين الأسد, في النسخة التي حققها وأعاد تحريرها لكتاب ابن غنام.». انتهى.

ثم نأتي لمسألة تفسير اللقاء أو التحالف الذي تم بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود, فأنا وضحت بجلاء في كتابي أن ذلك الاتفاق أو الحلف الذي تم بينهما كان تحالفاً سياسياً وشراكة مصلحية بحتة والدعوة الدينية كانت مُجرد غطاء أو قناع لا أكثر, وهذا يعني اسقاط لحجة أو دعوى الشرك في نجد التي رفع رايتها ابن عبد الوهاب وتبردعها آل سعود, وأوردت ما جاء ببعض المصادر. وسنرى الدكتور الدخيل وعلى غير عادة الكُتاب في السعودية يوافق على ذلك الرأي, ويرى أن اتفاق الدرعية كان تحالفا سياسيا دينياً مزدوجاً, وأن الاتفاق يحمل رؤية سياسية مستقبلية بين الطرفين, وأن دعوة ابن عبد الوهاب لم تكن مجرد دعوة دينية بل مشروع سياسي يرتكز على أساس ديني, وهو نفس ما جاء في كتابي إلا أنه قام بفلسفته فقط بالقول أنه كان حلف ديني – سياسي.

سيأتيك طبعاً من يقول : وما الجديد في ذلك؟ حتى بسطاء الناس يعرفون ذلك ويرددون تلك الفكرة, وهم يرددون تلك الأقاويل في مجالسهم الخاصة.

أقول : نعم إن كان الغرض هو مُجرد حكايا عابرة وكلام مجالس, فلا بأس, لأن الكل يستطيع أن يروي ما يشاء من الأقاويل وسرد المُغامرات, ولكن القارئ يُريد دلائل وأخبار تستند على مصادر تاريخية قديمة, وهذا ما قمت به أنا, حيث جمعت وأوردت نصوص تاريخية من مصادر مُختلفة تؤكد وجهة نظري ومُعمداً رأيي بالدلائل والبراهين وليس مُجرد ثرثرة مجالس عابرة.

وقد أوردت نصوص ابن غنام وابن بشر وحسن جمال الريكي, وأيضاً ما رواه جان ريمون وغيره, ثم بينت وأرفقت تلك الأخبار من مصادرها للقارئ كي يعرف بأن كلامي ليس مُجرد ادعاءات عابرة, وما فعله الدخيل هو اجترار تلك النصوص التي أرفقتها في كتابي ليُكرر نفس الفكرة ويُبرر رأيه في ذلك التحالف السياسي, وسأرفق بعض النصوص من كتابي ثم أقارنها بنصوص من كتاب الدخيل, فقد أوردت بكتابي في الصفحات رقم 290 و295 في باب (تقاسم الغنيمة بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود) ما يلي :

« فلم ييأس محمد بن عبد الوهاب حينما تخلى عنه الأمير عثمان بن معمر, فذهب إلى الدرعية يبحث له عنه حليف نافذ جديد, يُحقق به أهدافه ويرسخ به مشروعه الشخصي, لقد كان محمد بن عبد الوهاب في الحقيقة يبحث عن مجد شخصي من خلال تحقيق مشروع ديني خاص به يصله إلى سدة القرار الديني, حيث كان يطمح بالوصول إلى نتائجه عن طريق أداة عسكرية ضاربة أو وسيلة سياسية ناجعة يسخرها لصالحه, ولا ضير من أن يمنح تلك الوسيلة المُساعدة أو الأداة الظرفية بعض الشراكة الصورية.. الخ. وقد نجح محمد بن عبد الوهاب فيما بعد مرحلياً في تحقيق ذلك الهدف السياسي - الديني, ولكن تشاء الظروف أن يستحوذ ذلك الشريك الطارئ أو الطرف الثاني على جل المشروع الوهابي فيما بعد, وتحول أبناء وأحفاد محمد بن عبد الوهاب إلى موظفين وأتباع مُسيرين مهمتهم الرئيسية أن يضفوا الشرعية على حكم ذلك الشريك الطامح الذي احتكر الدين والدنيا.». انتهى.

ويتكرر التشابه في التحليل هنا أيضاً, حيث يورد الدخيل أن محمد بن عبد الوهاب كان بحاجة ماسة إلى دعم من قبل طرف قوي ليحقق أهدافه, وكان على استعداد للتسليم له بالحكم وتوريثه لأبنائه من بعده, حيث يذكر في الصفحة 144 و 146 :

« كان الشيخ مقتنعاً منذ البداية, وهذا أمر لافت, بأن حركته في حاجة إلى دعم أحد أمراء المدن المُستقلة الكبار, وأن رئاسة الدولة, إذا قدر لها أن تقوم, هي حق لهذا الأمير ولذريته من بعده, عندما نأخذ هذه المُعطيات كلها مُجتمعة, فإنها تؤكد أولاً أن الوهابية لم تكن دعوة دينية فحسب. الخ.

كان من الواضح أن الوهابية لم تكن لتكتفي بإزالة قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة أو اقتلاع شجرة في العيينة. هذه حركة كانت تتجه نحو تغيير الخريطة السياسية للجزيرة. هل كان محمد بن سعود مُدركاً لذلك؟ لا نعرف, لكن تحالفه مع الشيخ أثبت أنه أنجح استثمار سياسي حققه في حياته وحياة أسرته.». انتهى.

أما اللقاء الذي جمع بين محمد بن عبد الوهاب وشريكه محمد بن سعود في الدرعية بعد مُغادرته العيينة, فقد تناولته بإسهاب في الكتاب, وأوردت الروايات المُتعلقة بهذا الشأن, فبالإضافة لرواية ابن بشر فهناك رواية مهمة أيضاً وهي رواية حسن جمال الريكي صاحب كتاب – لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب –, التي ذكر فيها الوعد الذي قطعه ابن عبد الوهاب لابن سعود بقوله (الرياسة والإمامة فيك وفي ذريتك بعدك وأن المشيخة والخلافة في الدين فيّ وفي آلي من بعدي), ووضحت أن تلك الشراكة كانت دنيوية وليست دينية على الإطلاق, وذكرت أن التفاهم أو الاشتراط الذي تم والذي ذكره المؤرخين يدل على أن ما تم هو قسمة سياسية وليس دعوة ربانية, لأن الدعوة لله لا تحتاج إلى عقد اتفاق دنيوي يوزع المناصب بين الشركاء ويعد الشريك بالغنائم المتوخاة من وراء تلك الدعوة.

وقد تبنى الدخيل تلك المسألة أيضاً وحاول أن يثبت أن اللقاء الذي تم بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود هو لقاء سياسي – ديني أدى إلى تحالف صاحب السلطة مع شيخ الدين, مُستعيناً بنفس الأمثلة التي أوردتها في كتابي, وإن كان قد ركز على مسألة اختلاف الروايات بين رواية ابن غنام وابن بشر, وتجاهل عن عمد أهمية رواية "الريكي" وحاول أن يُقلل من شأن كتابه, فذكره ولكن لم يورد الشرط الذي جاء في كتابه أو القسمة الضيزى التي تمت بين الطرفين والتي ذكرها الريكي بوضوح؟

ربما لم يرغب بالاستفزاز أكثر لأصحاب الرأي القائل بأن دعوة ابن عبد الوهاب وابن سعود كانت دعوة خالصة لوجه الله, فقد جاء في كتابي بالصفحة 307 و 308 و 309 ما نصه :

« ونعود هنا لبداية محمد بن عبد الوهاب حينما غادر العيينة في عام (1157هـ/1744م) وهو خائف يترقب, قاصداً الدرعية بعد أن فشل في تسويق دينه الجديد في العيينة, ليحل ضيفاً على أحد سكان الدرعية ويُدعى محمد بن سويلم العريني السبيعي, وقد شعر العريني في بداية الأمر بالضيق والخوف كون هذا المطوع مُثير للقلاقل والفتن وأصبح مشهور بتكفيره للناس وبات رأسه مطلوب لحاكم الأحساء القوي المُتنفذ, وخشي العريني أن يعرف محمد بن سعود عن وجوده فيؤذيه ويحمله المسؤولية, فأخفى أمر وجوده في منزله وبقي محمد بن عبد الوهاب مُختبئاً في بيت العريني, حتى شاع خبر وجوده في الدرعية واضطر محمد العريني وشقيقه وابن عمه حمد بن سويلم، وبعض جماعته أن يذهبوا لشقيق محمد بن سعود الضرير المدعو ثنيان, وكذلك أرسلوا نسائهم يسترحمن زوجة محمد سعود المُتنفذة المدعوة بـ (موضي بنت سلطان بنت وهطان الكثيرية) والتي كانت تُدعى بـ موضي بنت ابن وهطان, والتي عرفت بالذكاء والدهاء والحنكة ليطلبوا منها الآمان وبنفس الوقت يطرحوا عليها فكرة تبني محمد بن عبد الوهاب وجعله مطوع الدرعية الخاص, ويبدو أن الدرعية في تلك الفترة لم يكن فيها شيخ مُعتبر. فأشارت على زوجها ابن سعود بذلك الأمر وقالت : « إنَّ هذا الرجل ساقه الله إليك، وهـو غنيمة، فاغتنم ما خصّك الله به.»، فقبل قولها.

ونلاحظ هنا أن تلك المرأة الماكرة تصرفت بعقلية السياسي المُحنك فنصحت زوجها أن يغتنم تلك الفرصة الذهبية, ويستغل هذا المطوع الهارب في توسيع رقعة نفوذه, وهو في النهاية لن يخسر شيء, بل وأشارت عليه أن يذهب إليه بنفسه ويُقابل هذا المطوع الفار, كي يعطيه نوع الاحترام والتقدير حتى يقدسه الناس حينما يرون أميرهم يذهب إليه بنفسه. حيث يذكر المؤرخ عثمان بن بشر: « فأراد أن يرسل إليه من يُحضره, فقالت له زوجته : سر إليه برجلك إلى مكانه, واظهر تعظيمه والاحتفاء به, لعل الناس أن يكرموه ويعظموه, فسار إليه, فدخل عليه في بيت ابن سويلم ورحب به, وقال : ابشر ببلاد خيراً من بلاد وابشر بالعز والمنعة, فقال الشيخ : وأنا أبشرك بالعز والتمكين.». ..الخ.

ويظهر هنا جلياً على الأقل من خلال ذلك الحوار البسيط الذي نقله ابن بشر إلينا, عن ذلك النقاش الذي دار بين محمد بن سعود وزوجته موضي, يتضح من خلاله أن القضية كانت قضية سلطة وطموح ومصالح خالصة, وليس قضية دين وعقيدة أو توحيد مزعوم, وأن موضي كانت ذات عقلية فذة ولديها بُعد نظر سياسي وبراغماتي, وتفكر بعقلية الربح والخسارة, ولهذا أقنعت زوجها بضم ذلك الطريد محمد بن عبد الوهاب تحت جناحه, ثم أمرته أن يذهب إليه بنفسه بعد أن هم بإرسال الخدم لإحضاره كما يُحضر المطلوبين, وشرحت له الحكمة من وراء ذهابه بنفسه واستقباله, وذلك لغرض صنع نوع من الهالة والتبجيل المُصطنع لمحمد بن عبد الوهاب, حتى يهابه أهل الدرعية المنفرين منه, فيستمعوا له وينصتوا لما يقوله, ولا يخالفوه ويبجلوه ويطيعوه عندما يروا أن أميرهم يذهب إليه بنفسه, لقد كانت تلك المرأة الكثيرية زوجة محمد بن سعود داهية عصرها وتفقه في السياسة أكثر من زوجها الأمير المتواضع القدرات, لذلك كان لها دور كبير في صنع إمارة آل سعود الأولى أو التي يسمونها بـ"دولة آل سعود", بالرغم من أنها لا ترقى لمصافي الدول.

ويذكر المؤرخ النجدي عثمان بن بشر عن ذلك اللقاء الشهير في كتابه المذكور, فيقول ابن بشر في كتابه عنوان المجد, طبعاً بعد الإسهاب في تدوين مرافعة محمد بن عبد الوهاب أمام سيده وحاميه الجديد محمد بن سعود, ومحاولة شرح عما كان عليه أهالي نجد من الشرك بالله والبدع ووو.. الخ, حيث يذكر ابن بشر نص الرد الذي قاله محمد بن سعود لمحمد بن عبد الوهاب وجاء فيه :

« وابشر بالنصرة لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد, ولكن أريد أن أشترط عليك اثنين؟ نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا. والثانية إن لي على أهل الدرعية قانوناً آخذه منهم وقت الثمار, وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئاً؟ فقال محمد بن عبد الوهاب له : أما الأولى فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم, وأما الثانية فلعل الله أن يفتح عليك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها.».

بينما يذكر حسن جمال بن أحمد الريكي مؤلف كتاب – لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب – والذي كتبه ودونه في عام 1818م الموافق 1233هـ, النص الآتي : فسمع محمد بن سعود بورود محمد بن عبد الوهاب وكان قبل هذا قد سمع بصيته وإظهاره مذهباً جديداً فجاء إليه فصافحه وقال : هذه القرية قريتك والمكان أنت واليه, فلا تخشى أعداءك والله لو انطبقت علينا جميع نجد ما أخرجناك عنا. فقال محمد بن عبد الوهاب : "أنت كبيرهم وشريفهم, أريد منك عهداً على أنك تجاهد في هذا الدين والرياسة والإمامة فيك وفي ذريتك بعدك وأن المشيخة والخلافة في الدين فيّ وفي آلي من بعدي.

وهي لعمري كانت قسمة دنيوية وشراكة مشبوهة بين الاثنين اتخذوا من خلالها اسم الإسلام كمطية لهم وجسراً للوصول إلى مآربهم الخاصة ومطامحهم الشخصية, أما الضابط الفرنسي جان ريمون, فيذكر في تقريره الاستخباري في مذكرته الشهيرة, والمأخوذة من كتاب الوهابيون تاريخ ما أهمله التاريخ تأليف\ لويس دوكورانسي, حين يقول عن حادثة الشراكة بين المحمدين وعن تلك القسمة التي تمت بينهم, فيتحدث عن محمد سعود ما نصه :

« وكان المذهب الجديد يتيح له فرصة الاستفادة من إقدامه, ولما كان يفتش عن سبب للقتال فقد سره الحصول على سبب مُحدد جاهز. لذلك اعتنق تعاليم عبد الوهاب, فكان لاعتناقه أثر عميق جعل أتباعه يقتدون به. وكان هذا التحالف من أسباب انتشار المذهب الجديد, فازدادت الحركة قوة وخرجت قوتها المتأرجحة وغير الثابتة عن مهدها, واتخذ هذا الشعب الجديد اسم الوهابيين, وهو اسم أخذوه من عبد الوهاب والد محمد كما أشرنا أعلاه. ووجد محمد و[ابن] سعود* نفسيهما على رأس هذا الشعب الجديد, فاقتسما فيما بينهما السلطة العليا, كان للأول السلطة الدينية وللثاني السلطة الدنيوية بعد أن تعاهدا على هذا التميز لدى ذرية العائلتين.». ولنأتي هنا لأهداف هذين الرجلين الشيطانية, فكلاهما يسميان كل ما سيقومان به بالتوحيد والجهاد والنصرة للدين, ويبدو أنهما مدركان ومقتنعان تماماً بما سيقومان به, بحيث أنهما يُكرران دائماً مقولة المُسلمين ويسمون أعدائهم بالمُشركين, ويتهمون من كل يحالفهم ثم ينفض عنهم بالمُرتد, وهم يزعمون الجهاد في سبيل الله وكأنهما سيفتحان الأمصار والثغور في بلاد الأفرنجة! ثم يتدارك محمد بن سعود ويقول لصاحبه لي شرطان للجهاد في سبيل الله! أي أنهُ كان جهاداً دنيوياً مشروطاً, بغض النظر عن مفهوم وشروط الجهاد الحقيقي لدى هؤلاء الشركاء, لكنهم اتفقوا على أن يكون جهادهم المزمع جهاداً مشروطاً, ويبدو أن محمد بن سعود حمل هذين الشرطين متقاسماً الرأي مع زوجته الماكرة, فقضية أن لا يتخلى عنهم محمد بن عبد الوهاب بعد أن يقوى أمره ويصلب عوده, وأنا أجزم شخصياً أن هذا الشرط قد صيغ بلسان موضي الكثيرية, وأما شرط استخلاص الضريبة التي يجنيها محمد بن سعود من أهالي الدرعية فهو قطعاً كان شرطاً من بنات أفكار محمد بن سعود لأنهُ يُدرك القيمة المالية لما يفرضه على الناس من ضرائب ومكوس. المُضحك في الأمر هو رد شيخ الإسلام كما يلقبه عثمان بن بشر في كتابه, فقد وجد المَخرج لمحمد بن سعود في أن يمتنع بفرض الجباية المالية على أهالي الدرعية, وذلك بقوله : «فلعل الله أن يفتح عليك الفتوحات»؟

نعم كان يخطط محمد بن عبد الوهاب بإنشاء عصابة مُنظمة للسلب والنهب أو جيش من عُتاة اللصوص وقطاعي الطرق والقتلة مهمتهم سفك الدماء والنهب والسبي باسم الدين, وتحت راية التوحيد المزعوم, إذ ليس من المعقول أن يستورد محمد بن عبد الوهاب وحليفه محمد بن سعود رجالاً وأتباعاً من المريخ لتنفيذ مهماتهم اللصوصية, بل كان وقود تلك العصابة الدموية لاحقاً وأدواتها الحقيقية هم وللأسف أهالي الدرعية وما جاورها, ولهذا اجتهد ابن عبد الوهاب أن يوقف عنهم ضريبة محمد بن سعود السنوية القاسية, ليس حباً فيهم ولكن رغبة منه في استخدام سيوفهم لجز أعناق المُخالفين لمشروعه التوسعي, ومن ثم يُغريهم ويطمعهم بجني الربح الوفير وتحصيل المال السريع من خلال شن الهجمات الدموية وتسيير حملات الغزو والسلب والنهب والقتل وسبي النساء, تحت ذريعة تجديد للإسلام والدعوة إلى التوحيد ونصرة أهل الدين!

والمؤلم في تلك الشراكة الدنيوية, أنهم بعد تلك القسمة المشبوهة التي تمت بين الطرفين حينما تقاسم محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب تلك الكعكة, أو لنقل تقاسما السلطتين السياسية والدينية, بدؤوا بتصنيف الناس في نجد لفسطاطين, فسطاط أهل الحق وهم المُسلمون. ...الخ». انتهى.

وبالمقابل يخوض الدخيل في نفس اللقاء لكنه يركز على روايتي ابن غنام وابن بشر, ويقلل من شأن رواية الريكي, فلا يذكرها في كتابه, ويقر بتلك الشراكة بين رجل السلطة مع رجل الدين, حيث يقول في صفحة 43 و 45 و 46 و 50 و 86 و 128 :

« الوجه الآخر للقصور الذي تعانيه الدراسات عن تاريخ الدولة السعودية, هو هذا الاهتمام المٌبالغ فيه بالتركيز على الجانب أو البعد الديني, وإقصاء البعدين الاجتماعي والسياسي لتاريخ الدولة, وذلك بهدف تأكيد جذرها الديني الذي يقال إنها انبثقت منه. الخ.

وروايتا ابن غنام وابن بشر هما الروايتان الوحيدتان عن لقاء الدرعية, وعما حصل من أحداث ذات صلة قبل اتفاق الدرعية الشهير وبعده. الخ.

عندما انتقل الشيخ إلى بلدة الدرعيّة المجاورة, وهناك أعاد عرض دعوته على أمير الدرعية, محمد بن سعود, طالباً منه مُناصرتها. هنا تختلف رواية ابن غنام مرة أخرى عن رواية ابن بشر, بشكل واضح, حول الحديث الذي دار بين الاثنين, وتحديداً حول عدد الشروط التي اشترطها محمد بن سعود على الشيخ قبل اتفاقه النهائي معه؛ فبحسب ابن بشر, اشترط محمد بن سعود على محمد بن عبد الوهاب شرطين كأساس للاتفاق بينهما. وهذان الشرطان هما : الأول؛ "أن الدم بالدم, والهدم بالهدم, وعلى أن الشيخ لا يرغب عنه (عن محمد بن سعود) إن أظهره الله. والشرط الثاني؛ بالنص, كما أورده ابن بشر : "أن محمد بن سعود شرط في مبايعته للشيخ أن لا يتعرضه فيما يأخذه من أهل الدرعية, مثل الذي كان يأخذه رؤساء البلدان على رعاياهم. فأجابه الشيخ على ذلك رجاء أن يخلف الله عليه من الغنيمة أكثر من ذلك, فيتركه رغبة فيما عند الله سبحانه, فكان الأمر كذلك, ووسع الله عليهم في أسرع ما يُمكن". معنى الشرط الأول؛ ألا يفكر الشيخ في حال نجاح دعوته بالتحالف مع أحد أمراء المدن الأخرى, وأن يكون تحالفه مع أمير الدرعية نهائياً. ويبدو من هذا الشرط, أن محمد بن سعود كان يخشى أن يفعل كل ما في وسعه لإنجاح التحالف, ثم يتعرض الشيخ لإغراءات من أحد أمراء المُدن ولا يستطيع مُقاومتها. وهذا يعكس حال التنافس الحاد بين المدن المُستقلّة, في ذلك الوقت. الشرط الثاني هو الأهم بالنسبة إلينا؛ لأنه يتضمن الرؤية المستقبلية السياسيّة للشيخ. وبالتالي؛ الأساس الذي قام عليه اتفاق الدرعية.الخ.

وإذا كان ما نقله ابن بشر على لسان الشيخ دقيقاً؛ فإنه يمثل أحد أقوى المؤشرات على أن دعوة الشيخ لم تكن مجرد دعوة دينية بل مشروع سياسي يرتكز على أساس ديني. الخ.

هناك ما يمكن أن يعتبر رواية ثالثة للقاء الدرعية, وهي موجودة في كتابين لا يُعرف مؤلّفاهما, على وجه التحديد : كتاب لمع الشهاب, وكتاب كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. الخ.

الواقع أن كلا الكتابين لا يضيف جديداً إلى ما نعرفه عن لقاء الدرعية. لكن إشارة مؤلف اللمع إلى أن اتفاق الشيخ والأمير كان على أساس "اشتراط كل واحد منهما على صاحبه ما اشترط", تفيد بأن لقاء الدرعية لم ينته بشرط واحد كما جاء في رواية ابن غنام بل أكثر من ذلك. الخ.

وكما رأينا يتعلق موضوع هذا الشرط بمسائل مهمة وإستراتيجية, بالنسبة إلى طرفي اللقاء. فـ"القانون" أو الضريبة التي كان يأخذها محمد بن سعود من أهل االدرعيّة تمثل المصدر الرئيس لدخل إمارته. ومن حيث إنه كان على وشك التوصّل إلى أهمّ وأخطر اتفاق حول مستقبل الإمارة, لا بد لأمير الدرعية من معرفة مصير هذه الضريبة في المخطط الدعوي للشيخ. وفي هذا السياق تبدو رواية ابن بشر أقرب لطبيعة اللقاء وأكثر اتساقاً مع مسار الأحداث بعد ذلك من رواية ابن غنام؛ حيث تأتي في رواية ابن بشر مسألة "الغنائم" كما وردت على لسان الشيخ بشكل طبيعي, وذلك لأنها مُرتبطة, أولاً, بطبيعة دعوة الشيخ ومُستقبلها, وثانياً, لأن الشيخ طرحها كمصدر مالي بديل عن الضريبة التي كان يأخذها الأمير من أهالي الدرعية. الخ.

الشاهد في كل ما سبق أنه يتضمن ما يدل على أن اتفاق الدرعية, بما أفضى إليه وأسس له لم يكن ابتداءً لتاريخ, وإنما محطة بارزة في سيرورة تاريخية انتهت في لحظة معينة, ومكان معين إلى ما انتهت إليه. ومن حيث الاتفاق انتهى إلى تحالف بين صاحب الدعوة, الشيخ محمد بن عبد الوهاب وصاحب البيت السياسي, أمير الدرعية محمد بن سعود, كان هدف هذا التحالف تأسيس دولة يمكن في إطارها تطبيق مبادئ الدعوة. وبما أن الشيخ كان, من الناحية التاريخية هو أول من طرح خيار الدولة المركزية, ولقاء الدرعية انتهى بالاتفاق على ذلك, فإن مشروع الشيخ يكون بذلك قد تجاوز حدود الدعوة الدينية, وأصبح حركة سياسية أيضاً, تحمل معها هدفا سياسياً عملت بكل عزم على تحقيقه.». انتهى.

ثم يستمر الدكتور الدخيل في تفسير الأسباب التي دعت لاختلاف النقل بين المؤرخين المذكورين, ويبدأ يُحلل بناء على ما ورد في تلك الوثائق, بإن هنالك دوافع سياسية إذن تقف خلف نظرية الشرك في نجد التي رُوج لها سابقاً وباتت الآن مشكوك فيها, بناءً على تلك الشراكة التي تمت بين المحمدين, أو ما أسماه هو بـ"وثيقة الدرعية" غير المكتوبة, وكنت قد خصصت أنا في كتابي مبحثاً عن الادعاءات القائلة بشرك أهل نجد, بعنوان (الوهابية وهاجس الشرك وعبادة الأوثان).

وبما أن الدخيل يرى أن الدعوة الوهابية لم تكن دينية خالصة بل مزيج بين الدين والسياسية, إذن فقد أدت تلك الشراكة إلى قيام دولة سياسية, ثم يقول أن محمد بن عبد الوهاب كان مؤسس دولة وليس إمام فقط, لأن دعوته الوهابية سبقت قيام الدولة السعودية بسبع أعوام. يمكن للقارئ الاطلاع على بقية الموضوع في الكتاب.

وهناك أيضاً تشابه ومُتشابهات أُخر عابرة, فأنا تناولت في الفصل الأول التغيير الديمُغرافي للسكان في إقليم نجد, وتطرقت لأسباب نزوح وهجرة قبائل عربية مشهورة من هذا الإقليم, ثم اندثار بعضها كبني حنيفة أبان فترة حكم الأخيضريين, وذكرت بعض النصوص من أمهات الكتب التي تذكر أن قبيلتي مضر وربيعة قد جلتا عن ديارهما بسبب بطش بني الأخيضر وأيضاً بسبب جدب الأرض وشح ألأمطار, فذكرت في الصفحة 94 و 98 و 100 و 101 :

« وبات من المؤكد أن اليمامة وعموم العارض لم يبق فيها وجود لقبيلتي مضر وربيعة العدنانيتين أبان حكم الأخيضريين, حيث رحلت تلكما القبيلتان بسبب الجدب الذي حل باليمامة وانحسار الأمطار وكذلك بسبب طغيان وجور حكام الأخيضريين ضد هاتين القبيلتين, وقد حل بدلاً عنهما في نجد بعض القبائل اليمانية النازحة التي استوطنت في المنطقة. الخ.

وأما مسألة نزوح قبيلتي مضر وربيعة من اليمامة فهي حقيقة ثابتة ولا جدال فيها ولا تحتاج لمزيد من الأدلة والبراهين, فقد ذكر لنا الرواة والمدونين العرب والمُسلمين, حكاية تلك الهجرة الجماعية التي خرجت من نجد, ووثقوا لنا سيرة رحيل قبيلتي مضر وربيعة عن أرض اليمامة, ومن ثم نزوحهم نحو البصرة والحجاز ومصر حتى وصلوا للسودان, وكانت كل قبيلة تنضم إلى أبناء عمومتها أو تنشئ لها كياناً جديداً خاصاً بها, فشاهدنا فروعاً من قبيلة بني تميم قد نزحت صوب البصرة لينضموا إلى أبناء عمومتهم من دارم ويربوع وبنو سعد وفروع أخرى من بني تميم ممن كانت ديارهم بالأصل قرب البصرة, وبعضهم كان قد استوطن هناك منذ عقود طويلة.الخ.

ومن المصادر التاريخية التي وثقت تلك الهجرة العدنانية الكُبرى من إقليم نجد ومن اليمامة تحديداً, يذكر لنا ياقوت الحموي في كتابه مُعجم البلدان نقلاً عن التابعي محمد بن سيرين, خبر نزوح قبيلة بني حنيفة إلى البصرة, حيث يقول :

« وفيها [يعني في سنة 310هـ،] انتقل أهل قُرَان [بنو حنيفة] من اليمامة إلى البصرة لحيف لحقهم من ابن الأخيضر في مقاسمتهم وجدب أرضهم, فلما انتهى خبرهم إلى أهل البصرة سعى أبو الحسن احمد بن الحسين بن المثني بمال جمعه لهم فقووا به على الشخوص [الحضور] إلى البصرة فدخلوا بحال سيئة فأمر لهم - سبك - أمير البصرة بكسوة ونزلوا المسامعة محلة بها والقرينة وملهم وليس بهما من بني حنيفة إلا القليل, بل أهل ملهم من قبيلة الفضول, وأهل القرينة من قبيلة الدواسر, وكانتا سابقاً لبني سحيم من مرة من الدؤل من حنيفة.».

ويروي لنا أيضاً أبي القاسم محمد بن حوقل النصيبي المتوفى عام 367هـ في كتابه الموسوم بـ – صور الأرض – والذي ذكر أنهُ قد دخل إلى اليمامة في سنة 232هـ, حيث قد أكد بدوره تلك الحقيقة في كون قبيلتي مضر وربيعة قد هاجرتا من اليمامة, وهو يؤيد ما ذكره ياقوت الحموي نقلاً عن ابن سيرين, حيث يذكر هو الآخر :

« وأما اليمامة فواد، والمدينة به تسمى الخضرمة، دون مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أكثر نخيلاً وثمراً من المدينة ومن سائر الحجاز, وكانت قراراً لربيعة ومضر فلما نزل عليها الأخيضر جلت العرب منها إلى جزيرة مصر فسكنوا بين النيل وبحر القلزم (البحر الأحمر), وقرت ربيعة ومضر هناك وصارت لهم ولتميم كالدار التي لم يزالوا بها، وابتنوا بها غير منبر كالمحدثة التي بظاهر أسوان وكالعلاقي وهو المنهل الذي يجتاز به الحجيج إلى عيذاب..الخ. ويقول أيضاً في موضع آخر من الكتاب : وصادف ذلك دخول محمد بن يوسف الحسني الأخيضر اليمامة وانقشاع أهلها من جوره إلى أرض مصر والمعدن في آلاف كثيرة فغلبوا على من كان بها من أهل الحجاز لسنتهم ووفودهم، وتكامل بالعلاقي قبائل ربيعة ومضر وهم جميع أهل اليمامة في سنة ثمان [وثلاثين[ ومائتين. ثم ذكر أيضاً : أن المهاجرون من نجد ‏بسبب جور بني الأخيضر يُعدون بالآلاف الكثيرة.». انتهى.

ولاحظ كيف قام د. خالد الدخيل بنقل نفس ما أوردته في كتابي لنفس الاقتباسين اللذين نقلتهما من كتاب ياقوت الحموي وابن حوقل, فقد أورد الدخيل في كتابه في صفحة رقم 107 و 108 ما يلي :

« هناك من يقول إن جزءاً من هذه القبيلة [بني حنيفة] قد غادر اليمامة في أثناء حكم بني الأخيصر لهذه المنطقة ما بين القرن 3هـ \ 9 م والقرن 5هـ \ 11 م, وذلك هرباً من القسوة والتعسف مع السكان, اللذين اتسم بهما حكم هذه العائلة. حيث يقول ابن حوقل (ت 367هـ \ 977م) في كتابه صورة الأرض عن ذلك إنه "لما نزل عليها [يعني مدينة الخضرمة] بنو الأخيضر جلت العرب منها إلى جزيرة مصر, فسكنوا النيل وبحر القلزم, ...". أما ياقوت (ت 626هـ \1228م) في معجم البلدان فيذكر أن النزوح كان إلى جهة أخرى, وذلك عندما نقل من تاريخ ابن سيرين قوله : "وفيها يعني في سنة 310هـ, انتقل أهل قران من اليمامة إلى البصرة لحيف لحقهم من ابن الأخيضر في مقاسماتهم وجدب أرضهم, ...". هنا يضيف ياقوت سبباً آخر للنزوح, وهو جدب الأرض, ما يُشير إلى أن موجة من الجفاف ضربت المنطقة خلال الفترة التي سبقت 310هـ, كما إن وجهة النزوح اختلفت أيضاً عند ياقوت عنه عند ابن حوقل.». انتهى.

وأما عن تبدل الأحوال وتغير الأوضاع في الدرعية بعد ظهور الدعوة الوهابية, فأنا مثلاً ذكرت بكتابي  في صفحة 542 :

« كان حكام الدرعية الأوائل سابقاً عبارة عن شيوخ قرى متواضعين القدرات الفكرية والذهنية, ينحصر دورهم ويتركز جل تفكيرهم واهتمامهم في حدود القرية أو على مشارف البلدة, فكانوا يتنافسون على السلطة مع جيرانهم في نجد للسيطرة على قرى وهجر صغيرة بائسة, وإذا لم يجدوا عدواً خارج نطاق القرية أو البلدة يسطو بعضهم على بعض, فيغدر الابن بأبيه ويسطو ابن العم على عمه أو أبناء عمومته فيقتلهم ويحل مكانهم إذا حالفه الحظ, وربما حادثة جد آل سعود المدعو موسى بن ربيعة الذي غدر بأبيه ربيعة, فأصابه بإصابات بليغة ومن ثم هروبه إلى العيينة, ثم قيام وطبان بن ربيعة بن مرخان أيضا بقتل ابن عمه الآخر مقرن بن مرخان طمعاً في السلطة, فهذين المثالين الحصريين خير برهان على أوضاع وأخبار الدرعية قبل ظهور الدعوة الوهابية.

ولكن عندما دخل محمد بن سعود شريكاً مع محمد بن عبد الوهاب في ذلك المشروع التوسعي, كبرت الأهداف واتسعت المطامح وتتابعت الأطماع السياسية, لذا تغيرت أفكار آل سعود الأوائل جذرياً وتوسعت آفاقهم ومداركهم وذلك بعد انطواء الوهابية تحت جناحهم, أو بالأحرى عندما انضووا هم تحت لوائها الكهنوتي, فأصبح ابن سعود أمام مسؤوليات كبيرة بعد أن تزعم تلك العصابة الدولية أو ترأس قيادة ميلشيا مُسلحة كبيرة وليس إدارة قرية صغيرة, وبات يستشعر بخطورة المهام الجسام وبالمسؤولية المُلقاة على عاتقه أمام جموع قبلية كبيرة مُشتتة وجماعات حضرية مُستقرة, وبدأت الأوضاع تتعقد شيئاً فشيئاً والشؤون العامة تتطلب أموال ضخمة وحنكة سياسية ودراية ومعرفة, ففرض آل سعود ضرائب مالية على البدو مرة بحجة الزكاة وأخرى بدافع النكال, واتخذوا سياسة أجدادهم المعروفة (سياسة فرق تسد) مع تلك القبائل البدوية المُتحفزة ومع الأسر العريقة الحاكمة حتى لا يتفرغوا لهم أو يطمعوا بمكانهم, فكانوا يقومون بتحريض شيوخ تلك القبائل على بعضهم البعض ويشغلونهم بالصراع الداخلي فيما بينهم حتى لا يرتاحوا قط أو يشعروا بالاستقرار, لأن السلام والأمان يُرعب ابن سعود وبنفس الوقت يمنح شيوخ تلك القبائل نوع من الهدوء والصفاء الذهني حينها قطعاً سيُفكرون بعقل راشد قد يجلب المتاعب لابن سعود.». انتهى.

ومثلما تحدثت عن تطور الدور المناط بابن سعود بعد تحالفه مع محمد بن عبد الوهاب, وكيف أصبح هؤلاء الشركاء عبارة عن عصابة عابرة للحدود, مهمتها السلب والنهب والقتل على الشبهة, نرى أن الدخيل حور ذلك التحول الدموي في الدرعية إلى تأسيس نظام دولة أقامها محمد بن عبد الوهاب, فيقول في الصفحة 83 و 84 :

« والأهم من ذلك أن الخيال السياسي لأمراء المدن كان محدوداً, ولذلك بقيت مصالحهم السياسية محدودة بحدود إمارة المدينة التي يحكمونهاً. مهما يكن, كانت النخبة السياسية تستند في حكمها للمدينة إلى آليات سلطة تقليدية متوارثة مُستمدة من العائلة والتي ورثت بدورها بعضاً منها عن القبيلة. فرؤساء المدن أو أمراؤها يأتون عادةً من عائلات توارثت هذه المكانة, كما سنرى وأصبح هذا الإرث مصدرّ سلطة بحد ذاته ومعترفاً به اجتماعياً. وأبرز آليات هذه السلطة كانت القوة إلى جانب الأيديولوجيا القبليّة لمُجتمع عائلات الحاضرة النجدية. الخ.

... لكنها تضيف إلى ذلك شيئاً مهماً وهو أولاً : أن الوهابية كانت تحمل معها مشروعاً سياسياُ. ولهذا لا بد من أنها خضعت للمُعطيات والشروط السياسية التي يقتضيها ذلك المشروع. وتقول ثانياً : إن الوهابية بظهورها على مسرح الأحداث قبل الدولة وبكون مؤسسها أول من طرح فكرة الدولة وكون دوره, وتبعاً لذلك دور الحركة, كان مركزياً في إقامة الدولة, كل ذلك يشير بوضوح إلى أن الوهابية بمثل هذا الدور الذي أدته كانت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الدولة, وبالتالي من عملية سياسية – تاريخية واسعة ومتصلة في وسط الجزيرة العربية (نجد) انتهت بقيام الدولة.الخ.

كان اتفاق الدرعية الخطوة الأولى على طريق تجسّد فكرة الدولة وتحولها إلى مؤسّسة على أرض الواقع, وبالتالي كان لحظة مفصلية من حيث إنه دشن من جديد مرحلة الدولة المركزية في تاريخ الجزيرة العربية, منذ انتقال دولة الخلافة إلى خارجها قبل أكثر من أحد عشر قرناً. الخ.

وبالعودة إلى الوراء تاريخياً, إلى ما قبل اتفاق الدرعية, وقياساُ على ما حصل بعده, سوف يبدو أن الاتفاق كان الذروة التي وصلت إليها عملية تشكّل الدولة هذه في ذلك الوقت. والسؤال في هذه الحالة : من أين يمكن أن تكون قد بدأت هذه العملية؟ والإجابة الوحيدة التي يقدمها تاريخ الجزيرة العربية هي حركة القبائل المتصلة من دون توقف : حركة الهجرة والاستقرار, ثم الهجرة فالاستقرار مرة أخرى, والحروب والغزوات والتحالفات وصدام القبائل مع الدول (داخل الجزيرة وخارجها) أو العمل لصالحها. وخلال ذلك كانت تنشأ مستقرات قبلية وحواضر ومدن تتعرض بفعل عوارض العملية ذاتها للدمار والخراب, لتنشأ مرة أخرى, حتى بعض الدول كانت تقوم ثم تنهار. كانت هجرات القبائل واستقرارها ظاهرة مستمرة ومركبة عرفت بها الجزيرة العربية عبر تاريخها, وبالتالي كانت السياق الاجتماعي والسياسي الذي أطر عملية تشكل مفهوم الدولة خاصة في وسط الجزيرة العربية ومصدر طاقة لها لا ينضب. وإذ إن هذه الظاهرة استمرت لقرون طويلة, فقد ترتب عليها آثار اجتماعية وديمُغرافية وسياسية بعيدة الأثر. وكان ظهور الوهابية هو أحد إفرازات هذه العملية.». انتهى.

وكنت قد تطرقت في كتابي إلى الخلافات التي حدثت بين آل عبد الوهاب أنفسهم بسبب تطرف محمد بن عبد الوهاب وذلك من خلال تكفيره لأهل نجد, فأدى إلى خلاف وقطيعة بينه وبين أبيه وكذلك مع شقيقه سليمان أدى لاحقاً إلى المواجهة بالسلاح, حيث خصصت فصل خاص بعنوان (الصراع الأُسري بين آل عبد الوهاب) فذكرت في صفحة رقم 330 و 334 و 335 :

« وبالإضافة إلى الخلاف العميق الذي نشأ بين الشقيقين, فمن المعروف أيضاً أن الأب الشيخ عبد الوهاب بن سليمان قاضي العيينة السابق, كان هو الآخر مُعارضاً معارضة شديدة ورافضاً لتصرفات ولده محمد, وكان كثير الانتقاد والتعنيف له, وقد حصل بينهما جدلاً وخلافاً كبيراً, ذكره العديد من المؤرخين, وكذلك الأمر ينطبق على شقيقه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب الذي وصل الخلاف والعداء بينه وبين أخيه محمد إلى حد الحرب والقتال.

ويوثق لنا المؤرخ العراقي إبراهيم فصيح بن السيد صبغة الله الحيدري البغدادي في كتابه الذي ألفه قبل مائة عام تقريباً والذي حمل اسم :– عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد – حيث يذكر بعض من ذلك الخلاف, فيقول :

« فأشهر علماء نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب .. الذي تنتسب إليه الوهابية, والنسبة إنما هي إلى الشيخ محمد لأنهُ الذي شيد أركان الوهابية دون أبيه, بل خالف أباه المذكور ووقع بينهما جدال - كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى – فنسبت لعبد الوهاب مجازاً,..... الخ. فقرأ الشيخ محمد على أبيه الشيخ عبد الوهاب الفقيه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه, وكان الشيخ في صغره كثير المُطالعة لكتب التفسير والعقائد, وأظن كثرة مُطالعة الكتب بدون مُراجعة العلماء الأسانيد والأخذ عنهم هو الذي حمله على التعصب الذي شاع عنه, فأن العلم بالتلقي والاستقلال في الرأي يوقع في المهالك ومخالفة الجمهور وخرق الإجماع. فصار يُنكر على أهل نجد كثيراً من الأمور, فلم يُسعفه أحد وإن استحسن إنكاره بعض الناس ...... الخ. ولما وصل الشيخ محمد لبلدة حريملا لازم أباه الشيخ عبد الوهاب, وقرأ عليه ثانياً وأظهر الإنكار على أهل نجد في عقائدهم فوقع بينه وبين أبيه الشيخ عبد الوهاب منازعة وجدال, وكذلك وقع بينه وبين الناس في بلدة حريملا جدال كثير, فأقام على ذلك مدة سنتين حتى توفى أبوه الشيخ عبد الوهاب رحمه الله تعالى ثلاث وخمسين ومائة وألف.». ثم يذكر لنا صبغة الله الحيدري في مكان آخر من نفس الكتاب :

« وكان والد الشيخ عبد الوهاب, الشيخ سليمان فقيهاً أعلم علماء نجد في زمانه, وله اليد الطولى في العلم, وانتهت إليه رئاسة العلم في نجد, وصنف ودرس وأفتى, إلا أن الشيخ محمد لم يكن على طريقة أبيه الشيخ عبد الوهاب وجده الشيخ سليمان, بل كان شديد التعصب كثير الاعتراض على العلماء, وكان يُجوّز قتال من خالفه, بل يعتقد كفره, ويُسمي قتال المُسلمين المُخالفين له جهاداً في سبيل الله تعالى, ويجعل أموالهم كغنائم الكفار, ويمنع من قصد زيارة النبي صلى الله عليه وسلم, والاستغاثة والاستشفاع به صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى وسائر الأنبياء والأولياء وغير ذلك مما أطبق الجمهور على جوازه. ....الخ إلا أنهٌ بالغ في بعض الأمور, وحمل الناس على اعتقاد عدم الشرك فيما خالفه, وحثهم على قتال المُخالفين له وأحل أموالهم, وجعل قتالهم جهاداً في سبيل الله تعالى, وصار سبباً لإظهار هذه البدع الواهية والفتن العظيمة.. الخ.». انتهى.

وفي نفس الموضوع يذكر الدخيل في كتابه عن ذلك الخلاف الذي أوردته في كتابي وخصصت له فصل مُستقل, ذلك النزاع الذي وقع بين الأب القاضي عبد الوهاب وولده محمد فيقول في الصفحة 91 :

« يقول ابن بشر "فلما تحقق الشيخ رحمه الله معرفة التوحيد, ومعرفة نواقضه, وما وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع المُضلة, صار ينكر هذه الأشياء". ومثل ابن غنام أيضاً يذكر ابن بشر أن الشيخ بعد عودته إلى حريملاء من رحلاته, البلدة التي انتقل إليها والده من العيينة, أخذ يكثر من الإنكار لما كان عليه الناس من الشرك. لكنه ينفرد عن ابن غنام في إشارته إلى أن خلافاً ما حصل بين الشيخ وأبيه؛ حيث يقول إنه "وقع بينه [الشيخ] وبين أبيه كلام", هكذا من دون تفاصيل. ويفهم من إشارة ابن بشر هذه أن والد الشيخ الذي كان قاضياً معروفاً, كان يختلف مع ابنه لكن من دون أن يوضح طبيعة هذا الاختلاف إن كان مع موقف الشيخ ورؤيته للحالة الدينية التي يُقال إنها كانت سائدة, أم أنه اختلاف مع أسلوب الشيخ وطريقته في التعامل مع هذه الحالة.». انتهى.

وكنت قد نوهت أيضاً في كتابي من أن الرفض والدحض لدعوة محمد ابن عبد الوهاب في البداية جاء من قبل أهل السُنة والجماعة وأغلبهم كان على المذهب الحنبلي, ولم يكونوا شيعة أو مُبتدعة كما يظن البعض, حيث أوردت في صفحة 60 و 342 :

« بل أن أول من رد على الوهابية وفندَ أفكارها الدموية وأهدافها المصلحية هم من أبناء ألسُنة والجماعة, حيث لم يكن للشيعة حجة أو حضور آنذاك كي يردوا عليها ويطرحوا أنفسهم كمُنافسين أو أنداء لها.

وللعلم فأن أول من أنكر وثرب على محمد بن عبد الوهاب هو والده الشيخ عبد الوهاب قاضي العيينة, وأول من رد رداً فقهياً مُفصلاً عليه هو شقيقه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في رسالته التي طبعت لاحقاً على هيئة كتاب. الخ.

ولم يتوقف الأمر على موقف سليمان وأبيه فقط من تلك الدعوة, فقد رد الكثير من مشايخ نجد وعلمائها على محمد بن عبد الوهاب وفندوا دعوته ومن ضمن من خالفه الرأي كان سليمان بن محمد بن سحيم ومربد المربد ومحمد بن عبد الله بن فيروز النجدي وعبد الله بن عيسى المويسى والشيخ أحمد المصري الأحسائي، وكذلك الشيخ أحمد بن علي القباني صاحب البصرة, وأيضاً رد على ابن عبد الوهاب الشيخ عطاء المكي الذي ألف رسالة سماها – الصارم الهندي في عنق النجدي -, وربما من أهم من رد على هرطقات محمد بن عبد الوهاب هو الشيخ الجليل محمد بن عبد الرحمن بن عفالق. وقد ذكر حسين بن غنام بعض الأسماء المعروفة من مشايخ نجد ممن خالفوا محمد بن عبد الوهاب وجادلوه, ولكنه اتهمهم بالحسد والغيرة والنقمة على ابن عبد الوهاب, حيث يذكر ابن غنام في كتابه:

« والذي تولى منهم هذا الأمر الكبير واقتحم لجج موجه الخطير وشمر فيه أعظم التشمير وتنادى عليه مع أعوانه لأجل التغيير حسداً وبغياً لفوزه بهذا الفضل الكثير والفخر النابل المُنير, سليمان بن سحيم وأبوه محمد من مطاوعة الرياض, والموانيس من أهل منيخ, وعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف, ومحمد بن عبد الرحمن بن عفالق, فصار كل من هؤلاء مُعانداً مُجادلاً مُشاقق وحذروا منه جميع الأنام, وأخرجوه بلا شك من حوزة الإسلام وأغروا به الخاص والعام خصوصاً السلاطين والحكام.». انتهى.

وهنا أيضا يورد الدخيل نفس المعلومة في كتابة من أن خصوم محمد بن عبد الوهاب ودعوته كانوا من أهل السنة والجماعة والحنابلة تحديداً, حيث جاء في صفحة رقم 154 :

« من هذه المؤشرات, المؤشر الأول, وهو أن العلماء الذين كانوا يُعارضون دعوة الشيخ كانوا علماء نجديين, وينتمون إلى المذهب الحنبلي في الأصول والفروع, وهو المذهب نفسه الذي تستند إليه دعوة الشيخ. وتمشياً مع حقيقة أن المذهب الحنبلي كان هو السائد في نجد, ليس هناك مثال واحد على عالم مُعارض للدعوة كان ينتمي إلى أي من المذاهب الإسلامية الأخرى التي تتبنى فكرة الشرك المؤسساتي بشكل خاص أو تجيزها.». انتهى.

ويستمر التشابه في بعض السياقات العابرة, والاعتراض هنا على الدكتور خالد الدخيل أنه لم يسلك المسلك الأكاديمي كونه أستاذ جامعي يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة أمريكية, وهو قطعاً يفهم مسألة الأسبقية في البحث سواء كان علمياً أو تاريخياً, فلو أنه رد على ما أوردته أنا في كتابي مُفنداً رأيي ومُتخذاً رأياً آخر يخالفني فيه ويدحض ما ذكرته, فهذا يعتبر عمل مشروع ولا غبار عليه.

ولو ذكر مثلاً أنه قد اطلع على كتاب (الوهابية دين سعودي جديد) ووجد أن رأي مؤلفه يعتقد أن العلاقة بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود كانت شراكة سياسية مصلحية بحتة وليست دعوة دينية خالصة لوجه الله, وأنهُ يُخالف ذلك الرأي كما خالف غيره في كتابه, ثم يطرح وجهة نظره حول فكرة تلك الشراكة السياسية, ومن ثم أنهُ وجد في نفس الكتاب مُقارنة جديرة بالاهتمام للاختلافات في الطبعات الخاصة بكتب ابن غنام وابن بشر, وأنه راجع تلك النسخ وفعلا وجد فيها اختلاف وتحوير وتغيير, لكان عمله هذا مشروع ومكمل ولا ضير فيه.

لكنه لم يفعل وطرح في كتابه أفكار كنت قد سبقته إليها, والتشابه والتماهي في الأفكار هنا جلي وواضح ولا يقبل الشك, مع هذا يزعم الدكتور أن الدارسين لم ينتبهوا لتلك الاختلافات والفروق في الطبعات الخاصة بكتب ابن غنام وابن بشر!

وهذا تدليس وإجحاف وغمط للحقوق ولا يفترض أن يصدر من أستاذ جامعي, ألم يسع الدكتور أن يطرح أطروحته القديمة في كتاب دون أن يدنسها بأفكار منقولة من غيره؟ ولم زج بما جاء في كتابي ضمن سياق أطروحته التي كتبها قبل 15 سنة؟

أخيراً يقول الدكتور خالد الدخيل في كتابه عن فرضية الشرك وعملية التغييب للعامل السياسي في تاريخ الدعوة الوهابية في صفحة 96 :

« وفي الأحوال كلها فقد ترتب على ذلك كله أن أصبحت الدولة, وقبلها الحركة [الوهابية], وفقاً لهذه الرؤية معزولة عن سياقها التاريخي, وتبدو كما لو أنها من دون عمق تاريخي تستند إليه, وصار تاريخها يبدو أيضاً كما لو أنه تاريخ مبتور, وليس له أصول اجتماعية وسياسية يُمثل الامتداد الطبيعي لها.». انتهى.

فأقول للدكتور : ولهذا اخترت أنا عنواناً لكتابي هو – كشف المستور في تاريخ نجد المبتور – وأرجو أن تكون قد استمتعت بقراءة كتابي واستفدت منه أيضاً.

لن أطيل في إيراد مزيد من المٌتشابهات وأترك للقارئ الحريص والمُهتم الإطلاع والمُقارنة, وأكتفي بما أوردته في هذا المقال في تثبيت الأسبقية أمام القراء.
وانتهى المقال.

2014-04-23

تم بحمد الله صدور كتابي الجديد وذلك بعد جهد جهيد وانتظار وترقب طويل, مع بروز كثير من المعرقلات والمشاكل الفنية, إلا أنه وفي نهاية المطاف تم أخيراً صدور الكتاب عن دار شمس للنشر والتوزيع المصرية, وقد تم تسويقه داخل مصر, وسوف يوزع بإذن الله في بعض الدول الأوربية وبعض الدول العربية الخارجة عن سيطرة ونفوذ الريال السعودي, ويمكن للقارئ الكريم التواصل مع مؤسسة شمس للنشر والتوزيع لمعرفة أماكن لشراء وكيفية الحصول على نسخة من الكتاب للدول التي تمنع دخوله.
والكتاب الجديد هو عبارة عن بحث تاريخي موثق بالمصادر خاص بتاريخ إقليم نجد خلال الثلاثة قرون الماضية, ويحمل عنوان رئيس هو (الوهابية : دين سعودي جديد), وعنوان فرعي آخر يحمل اسم (كشف المستور في تاريخ نجد المبتور).
ولقد بدأت معي فكرة تأليف هذا الكتاب منذ أكثر من عقد من الزمان وكان هذا المشروع ماثلاً أمام عيني على الدوام يدفعني إلى بذل المزيد من الجهد والمُثابرة ويحثني على البحث والتقصي والقراءة المُضنية, فلم أتخاذل يوماً أو أتهاون فكنت أقرأ وأطالع أي كتاب يتعلق بتاريخ نجد, وعلى الدوام كنتُ أبحث وأجمع المصادر التاريخية المهمة وأشتري الكُتب المُتعلقة بمادة البحث, وكُنت أحرم نفسي من ملذات الحياة كي أوفر المال الكافي لكي أقوم بشراء نسخاً غير مُحرفة من تلك الكُتب النادرة التي يتطلب شرائها وشحنها إلى السويد المزيد من المال وإعلان حالة التقشف, إلى أن ظهرت لاحقاً آلية الكتب الإلكترونية فسهلت عليّ بعض الأمور ولكنها جاءت متأخرة.
ولقد واجهت الكثير من المصاعب والعوائق في إعداد كتابي هذا الموسوم بـ الوهابية : دين سعودي جديد – علماً أن مادة الكتاب المذكور هي مادة تاريخية بحتة موثقة بالمصادر والمراجع التاريخية, وليست مادة فقهية أو شرعية كما يبدو للقارئ من الوهلة الأولى من خلال العنوان.
حيث يتناول محتوى الكتاب تاريخ إقليم نجد خلال فترة الثلاث قرون الماضية, ويغوص الكتاب أيضاً في عمق الحركة الوهابية ويرصد بداية ظهورها ويوضح الأسباب التي مكنتها من الظهور ويتناول العوامل التي أدت لعودتها من جديد إلى الواجهة من جديد, وأيضاً يبحث الكتاب في أسرار علاقة آل سعود بالإنجليز وكيف بدأت وتبلورت تلك العلاقة الوطيدة, ويتطرق الكتاب إلى طبيعة الشراكة بين هاتين الأسرتين المُتغلبتين أعني أسرة كل من محمد بن سعود وأسرة حليفه في مشروع تلك الشراكة - السعوهابية - محمد بن عبد الوهاب, وسيجد القارئ فصلاً كاملاً في الكتاب يتحدث عن بدايات تلك الشراكة المشبوهة ويسرد المراحل التاريخية لصاحبيها وكيف استطاعا لاحقا السيطرة والتغلب على أغلب خصومهما.
ولهذا فقد أخذ مني اعداد هذا الكتاب فترة طويلة من القراءة والبحث والتقصي والتنقيب وجمع المصادر, وعليه فأنني أزعم أن كتابي هذا سيكون له أهمية تاريخية مُعتبرة في مجال توثيق أحداث نجد المبتورة والمُغيبة عمداً عن ذاكرة الأجيال, وذلك من خلال نقلي من بعض المخطوطات النجدية القديمة وأيضاً اقتباسي من عدد لا بأس به من كتب التاريخ غير المُحرفة والتي تناولت أحداث نجد ودونت بعض الأحداث المهمة التي يخشى آل سعود من انكشافها فيعرف الناس حقيقة ماحدث بالضبط.
ولا يخفى على الباحث الحريص المُستقل وكذلك على القارئ الكريم صعوبة الحصول على المخطوطات والنسخ الأصلية من المصادر التاريخية غير المُحرفة التي تتناول تلك الفترة المُظلمة رغم ندرتها. والصعوبة البالغة في الوصول لتلك الكُتب القديمة وخصوصاً المخطوطات الأصلية, لأن أكثرها إما ضاع واندثر أو توزع ما بين مكتبات ومتاحف الدول الأخرى كمصر واسطنبول والعراق والهند والشام, وأما بقية تلك المخطوطات النجدية الزهيدة الموجودة في داخل جزيرة العرب فقد باتت تحت قبضة النظام السعودي الذي تفنن في طمس وإخفاء تلك المصادر التاريخية التي لا توافق هواه ولا تصب في صالحه, وسارع بطباعة وتهذيب وتشذيب حتى تلك المصادر المُحابية التي فيها إشادة وثناء على الأسرة الحاكمة خصوصاً تلك المصادر التي تقدس دعوة محمد بن عبد الوهاب.
إذن فالباحث الحيادي والحريص على إبراز الحقيقة هو أمام مصاعب شتى ومعضلات كثيرة وبنفس الوقت هو يحتاج لأموال طائلة لكي يُسافر ويبحث وينقب في أرشيف المكتبات المهمة سواء كان في مصر أو تركيا أو حتى في الهند, ومثل هذا الأمر يحتاج لتمويل ودعم حكومات ودول وليس جهود متواضعة لأفراد دخلهم محدود وقدراتهم المالية لا تكاد تذكر قط, ولكن تلك المصاعب والمعرقلات لم تثنيني أبداً عن هدفي ولم تثبط عزيمتي أو تعطل مسيرتي رغم أن أغلب تلك المصادر التاريخية المُتعلقة بالبحث هي موزعة في المكتبات العربية, وبيني وبين تلك الدول مسافات وعوائق كثيرة, ناهيك أن فكرة التطرق لذلك التاريخ النجدي الحساس يعني بروز اشكالات سياسية وأمنية خطيرة.
ويعتمد الكتاب في أخباره ومعلوماته على حوالي الـ 100 مصدر تاريخي متنوع ومختلف ابتداءً من الكُتيبات النجدية القديمة التي دونها مؤرخون نجديون وعرب, ويحوي أيضاً على اقتباسات مهمة من كتب الرحالة الأجانب, مروراً ببعض المرويات الشفهية والمخطوطات التاريخية, وبعض الحولياتوأمهات الكتب التي جاء فيها ذكر لنجد وسكانها.
وربما سيُثرب علي من يقرأ الكتاب أنني قد أطلت وتوسعت في مسألة الاقتباسات والنقل مما ورد في المصادر التاريخية الأصلية, فتعدت بعض الاقتباسات الصفحة والنصف, والسبب هو أنني أجد أهمية قصوى وجدوى في نقل كامل النص دون بتره, ولا أريد أن يعتقد القارئ المُتشكك أنني بترت معلومة مهمة أو حذفت شيئاً كان يود أن يطلع عليه.
كما أنني أطمح في أن أجعل من هذا الكتاب المتواضع باكورة أرشيفية لتوثيق تلك الأحداث القديمة الدموية التي مرت بها بلدان وقرى نجد لكي تُدرك الأجيال الحالية المُغيبة فداحة تلك الجرائم الوهابية, فما جاء بين طيات هذا الكتاب هو قليل من كثير, وهو عبارة عن مُقتطفات لأحداث وأخبار يسيرة من تاريخ نجد الدموي, وكلها مُستقاة ومنقولة من مصادر تاريخية مُتعددة سواء كانت محلية أو من خلال ما دونه الرحالة الأجانب الذين مروا بالمنطقة خلال تلك الفترة الزمنية.
وحتماً سيجد أولئك المُتكاسلون من كارهي القراءة والإطلاع أنني بجهدي الفردي الخالص وقراءتي الشخصية قد جنبتهم عناء البحث والتفتيش في المكتبات, فقطفت لهم ثمار عشرات الكُتب المهمة التي تتحدث عن تاريخهم المحلي, وجمعتها لهم في سلة واحدة وجاهزة للاطلاع, وسيكون بمقدورهم أن يطلعوا على كل ما يودون قراءته عن تاريخ نجد خلال الثلاث قرون الماضية في كتاب واحد فقط, ثم وضعت لهم أسماء تلك المصادر التي اقتبست منها لمن أراد منهم الإطلاع عليها أو التأكد من صحة النقل.
وأخيرا أود أن أوضح للقراء الأكارم أنني بذلت قصارى جهدي الفردي في أن أظهر الحقيقة وأدون الأحداث التي تعمد آل سعود وكتبتهم أن يخفوها أو يبتروها, وأنا هنا لا أدعي الكمال أو العصمة, ولكني اجتهدت وبحثت وقرأت وربطت الأحداث مع بعضها البعض من خلال المصادر التاريخية.
وأنا أرحب بأي نقد علمي أو أكاديمي رصين وأتقبل أي تعديل أو تصحيح تاريخي, بشرط أن يكون موثقاً بالمصادر التاريخية الرصينة, ولا أقبل أي نقد أو تفنيد دون الإطلاع وقراءة كامل الكتاب ومعرفة محتواه, وبعدها فإني أرحب بأي إضافة مهمة يمكن ضمها للكتاب في الطبعات القادمة.
والله الموفق.
2012-12-19
·       وعلى تويتر :
@alsab3aani

 

 

اتصل بنا طلب نشر سياسات العمل الأنشطة رسالتنا عن المؤسسة





 
الوهابية : دين سعودي جديد

كشف المستور في تاريخ نجد المبتور

سعود بن عبد الرحمن السبعاني
 


 للحصول على نسخة إلكترونية من كتاب "الوهابية" بنسبة خصم 33%

 متجر قرطبة للكتب الإلكترونية :
http://www.qordoba.com
 
 
 


عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، يصدر هذا الأسبوع كتاب « الوهابية : دين سعودي جديد / كشف المستور في تاريخ نجد المبتور» للباحث والمؤرخ العربي المغترب "سعود بن عبد الرحمن السبعاني".
الكتاب يصدر في مجلد ضخم من 1272 صفحة من القطع الكبير، ويتضمن اثني عشر فصلاً ونحو سبعين مبحثًا، بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة والمراجع والمصادر.

يعدُّ الكتاب وثيقة تاريخية موثقة بالمصادر، حيث يغوص في أعماق تاريخ إقليم نجد في قلب جزيرة العرب خلال الثلاثة قرون الماضية، كما يرصد الكتاب بدايات نشوء الحركة الوهابية ويوضح الأسباب التي مكَّنتها ومن ثم عوامل عودتها للواجهة من جديد، ويكشف أسرار علاقة آل سعود بالإنجليز وكيف بدأت تلك العلاقة ومتى تبلورت، ويتناول طبيعة الشراكة بين أسرة محمد بن سعود وأسرة حليفه في مشروع تلك الشراكة محمد بن عبد الوهاب، وهنالك فصل كامل في الكتاب يتحدث عن بدايات تلك الشراكة "السعوهابية" ويسرد المراحل التاريخية لصاحبيها وكيف استطاعا لاحقًا السيطرة والتغلب على أغلب خصومهم.

ولهذا الكتاب أهمية تاريخية مُعتبرة في مجال توثيق أحداث نجد المبتورة والمُغيبة عمدًا عن ذاكرة الأجيال، حيث اعتمد المؤلف على المخطوطات النجدية القديمة وعدد كبير من كتب التاريخ غير المُحرفة والتي تناولت أحداث نجد ودونت بعض الأحداث المهمة التي تم إخفاؤها لطمس حقيقة ما حدث بالضبط. حيث بلغت مصادر الكتاب أكثر من 100 مصدر تاريخي متنوع ومختلف ابتداءً من الكُتيبات النجدية القديمة التي دونها مؤرخون نجديون وعرب، وكتب الرحالة الأجانب، مرورًا ببعض المرويات والمخطوطات التاريخية وبعض الحوليات وأمهات الكتب التي جاء فيها ذكر لنجد وسكانها.

الكتاب باكورة أرشيفية لتوثيق تلك الأحداث القديمة الدموية التي مرَّت بها بلدان نجد لكي تُدرك الأجيال المُغيبة فداحة تلك الجرائم، فما جاء بين طيات هذا الكتاب هي عبارة عن مُقتطفات لأحداث وأخبار يسيرة من تاريخ نجد الدموي، كلها مُستقاة من مصادر تاريخية مُتعددة سواء كانت محلية أو من خلال ما دونه الرحالة الأجانب الذين مروا بالمنطقة خلال تلك الفترة الزمنية.

على الغلاف الخلفي للكتاب؛ نقرأ للمؤلف:
(أعظم هدية وأجزل عطاء وأغلى مُكافأة تُقدم للمظلوم والمُفترى عليه هي وثيقة البراءة ودليل كشف الحقيقة، حتى ولو جاءت تلك الشهادة بعد قرنين ونصف من الزمان، وعليه فإنَّ هذا الكتاب هو بمثابة الوثيقة التاريخية لكشف ما جرى في تلك الحقبة، وهي شهادة براءة مُستقاة من الكُتب والمصادر التاريخية، وعلى رأسها المصادر "الوهابية" نفسها.
تلك الوثيقة المُتأخرة دليل إثبات وبراءة لكلِّ مَنْ شُوهت سمعتهم عمدًا في سبيل تحقيق الأهداف الشخصية والمآرب الذاتية الخبيثة، وستكون بإذن الله برهانًا قاطعًا لتبرئة من سقطوا ضحايا لتلك الدعوة الوهابية المزعومة.
كتابي المتواضع هذا هو بمثابة مُرافعة شخصية مني أمام القراء وأمام عدالة أصحاب الضمائر الحية، وهو دفاع مشروع في كافة الشرائع وموازين العدالة السماوية، مُدعَمًا بشهادة وتقييم جمهور العقلاء، وكذلك بأسانيد من ذاق أسلافهم الأمرين عندما نُحروا مرةً على مذابح الوهابية بتهمة الشرك والكفر، وأخرى أُبيحت دماؤهم تحت ذريعة الخروج عن طاعة ولي أمر الوهابيين.
كتابي هذا هو تذكير وتوثيق بالمصادر التاريخية لما أُقترف من جرائم وحشية وفظائع وأكاذيب بحق أولئك الأبرياء الذين سقطوا ضحايا لتلك الطموحات السلطوية المريضة، وأهُدرت دماؤهم باسم الإسلام البريء من تلك الممارسات الدموية الشنعاء غير الإنسانية.
وإنني أضع مرافعتي تلك أمام عناية وعدالة الشرفاء المُحايدين المُنصفين وأطرحها تحت طائلة ميزان الشريعة والشرعية الإسلامية العادلة، لتكون هي الحَكَم وهي المقياس لما جرى ويجري.
وسوف أترافع عن جميع أسلافي وأسلاف أبناء الحرمين الشريفين الذين نُحروا وذُكوا كضحايا العيد في تلك الفترة المُظلمة وما تبعها، وسوف أنبري لكشف الحقيقة المُغيبة وأذود عن حقوق وأعراض وسمعة أولئك الأجداد العظام المظلومين والمُفترى عليهم، بتهم زائفة كالشرك بالله والكفر والهرطقة، وسأضطر لأن أكون مُحاميًا عن كل ضحايا الوهابية دون استثناء أو تمييز حتى ولو كان ذلك الضحية هو "سليمان بن عبد الوهاب" شقيق صاحب تلك الدعوة الموتورة، وأجري على الله سبحانه وتعالى)
.
 
• • • • •

 
محتويات كتاب
الوهابية : دين سعودي جديد
 

 

§   الفصل الأول: نبذة مُختصرة عن أحوال نجد قبل وما بعد الإسلام
         - نبذة مُختصرة عن أحوال اليمامة .
         - الخضرمة والأخيضر في تاريخ وثقافة العراقيين
         - العلاقة بين الأخيضريين والخضيرية

§ الفصل الثاني: بدايات الدعوة النجدية - الحركة الوهابية
         - مولد محمد بن عبد الوهاب ونشأته
         - نسب محمد بن عبد الوهاب
         - سمات محمد بن عبد الوهاب الشخصية
         - محمد بن عبد الوهاب حلم النبوة وعقدة زيد بن الخطاب
         - البداية كانت في معركة اليمامة
         - نبذة عن الصحابي الجليل زيد بن الخطاب (صقر يوم اليمامة)
         - هدم قبر الصحابي الجليل زيد بن الخطاب
         - الأمير عثمان بن معمر أول المُصدقين به وأول المنحورين على يده
         - جزاء عثمان بن معمر «ذبيح المسجد» كان جزاء سنمار
         - سبب خروج محمد بن عبد الوهاب من العيينة
         - اغتيال الأمير عثمان بن معمر في محراب مسجد العيينة
         - التنافس على النفوذ بين إمارة العيينة والدرعية
         - ما بين حادثة سُراقة وحادثة الفرِيّد
         - تقاسم الغنيمة بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود

§ الفصل الثالث: الصراع الأُسري بين آل عبد الوهاب .
         - بداية الخلاف والحرب بين محمد بن عبد الوهاب وشقيقه سليمان
         - رسالة الشيخ سليمان بن عبد الوهاب إلى حسن بن عبدان
         - الهالة والتقديس التي رافقت الدعوة الوهابية
         - الوهابية وهاجس الشرك وعبادة الأوثان

§ الفصل الرابع: هزيمة الوهابيين على يد زعيم الإسماعيلية مكرمي نجران
         - غزوة النجرانيين (النجارين) الأولى: معركة الحائر(حاير سبيع)
         - غزوة النجرانيين الثانية حصار الحاير
         - غزوات عبد الله بن فيصل بن تركي على قبيلة العجمان
         - التجاء سعود بن فيصل بن تركي بن سعود إلى مكرمي نجران

§ الفصل الخامس: أصل آل سعود والخلاف الكبير حول صحة نسبهم
         - الروايات المتداولة عن الأصول العرقية لـ آل سعود
         - مقتل عبد العزيز بن محمد بن سعود على يد درويش
         - نبذة مُختصرة عن سعود عبد العزيز بن محمد

§ الفصل السادس: الخطوط العامة لسياسة الوهابيين الداخلية والخارجية
         - الوهابية دين سعودي جديد يعصم آل سعود ويُقدِّس آل الشيخ
         - طرفة الشيخ الدمشقي الذي زار الرياض
         - سياسة آل سعود الأزلية للهيمنة = (سياسة فرق تسد)

§ الفصل السابع: خروج الوهابيين عن طاعة ولي الأمر
         - اعتناق الأتراك للمذهب الحنفي وابتداعهم منصب شيخ الإسلام والمُفتي
         - الخروج على الحاكم والاستعانة بالمُشركين بالمفهوم الوهابي
         - احتلال الوهابيين للحرمين الشريفين
         - نبذة مُختصرة عن ولادة ونشأة محمد علي باشا
         - أسباب سقوط الدرعية
         - نبذة مُختصرة عن نشأة إبراهيم باشا
         - أردنا شقراء وأراد الله ضرما

§ الفصل الثامن: حملات التطهير الوهابية لأبناء الجزيرة العربية
         - مجزرة أهل الطائف الرهيبة على يد الوهابيين
         - مذبحة قرية الفضول في الأحساء
         - الزبير الملاذ الآمن - الهجرات المُتتالية نحو بلد الزبير
         - غزوة سعود بن عبد العزيز لبلد الزبير في عيد الأضحى
         - غزوة عبد الله بن سعود على بلد الزبير
         - سبب هجرة أهل نجد إلى بلد الزبير
         - النشاط التجاري لأهل الزبير
         - شيخ شنقيطي ثائر في الزبير!
         - رغبة بريطانية لتحويل الزبير إلى مشيخة مُستقلة
         - تنازل الشيخ إبراهيم العبد الله الإبراهيم الراشد عن مشيخة الزبير

§ الفصل التاسع: الأسرة السعودية الثانية: اندحار الوهابية وتراجع هيبتها
         - صراع آل سعود فيما بينهم على السلطة
         - نهاية محمد بن مشاري بن معمر
         - هزيمة آل سعود الثانية على يد حسين بيك
         - مقتل تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود على يد ابن أخته مشاري
         - دور عبد الله بن رشيد في ترجيح كفة فيصل بن تركي على مشاري
         - عودة خالد بن سعود إلى نجد كتابع ودليل للقوات المصرية
         - فرار فيصل بن تركي من الرياض خوفًا من بطش إسماعيل باشا
         - استسلام فيصل بن تركي إلى خورشيد باشا وأخذه كأسير إلى مصر
         - ظهور عبد الله بن ثنيان بن سعود وخروجه على خالد بن سعود
         - عودة فيصل بن تركي من منفاه المصري ومواجهة عبد الله بن ثنيان
         - القبض على عبد الله بن ثنيان ومن ثم قتله في المُعتقل
         - نبذة مختصرة عن فيصل بن تركي آل سعود وأبنائه
         - جواسيس فيصل واستغفال عبد الحميد البيشاوري للوهابيين

§ الفصل العاشر: تاريخ حائل ونبذة مُختصرة عن حُكَّام نجد - آل رشيد
         - معركة العدوة نقطة التحول الفاصلة
         - لو طعت شورك ما تعديت ذنب ثورك
         - إمارة حائل والتغلغل الوهابي
         - الأمير عبيد بن علي بن رشيد المُتشدد الوحيد في أسرة آل رشيد
         - بالجريف يصف أمير حائل طلال بن عبد الله بن رشيد وعمه عُبيد
         - مجزرة آل أبي عليان على يد عبد الله بن فيصل بن تركي بن سعود
         - سقوط إمارة آل سعود الثانية على يد أمراء حائل- آل رشيد

§ الفصل الحادي عشر: الوهابية وبداية العلاقة مع الغرب والإنجليز
         - سعود بن عبد العزيز واللعب على ورقة القرصنة
         - الوهابيون والتشبث بشماعة الكابتن سادليير

§ الفصل الثاني عشر: نجد وعقدة قرن الشيطان

§ الخـاتمـة

§ المصـادر
 
• • • • •

 



للحصول على إصدارات مؤسسة شمس للنشر والإعلام على الإنترنت

 

http://www.neelwafurat.com/locate.aspx?search=books&entry=%D4%E3%D3+%E1%E1%E4%D4%D1&Mode=1

للحصول على نسخة إلكترونية من
إصدارات مؤسسة شمس للنشر والإعلام

 

http://www.nooonbooks.com/ar/search?q=%D8%B4%D9%85%D8%B3+%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B4%D8%B1+%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85
 
 
 
• • • • •
 

سعود بن عبد الرحمن بن صالح السبعاني.
كاتب ومؤرخ وناشط سياسي عربي/ سويدي، مواليد عام 1968م ومُقيم في مملكة السويد.
حاصل على شهادة البكالوريوس في قسم التاريخ من كلية الآداب –جامعة البصرة.
عمل في مجال الصحافة، ويكتب مقالات سياسية أسبوعية في عدة صحف إلكترونية.
سبق وأن رأس تحرير صحيفة صدى نجد والحجاز الإلكترونية
  ويشغل حالياً رئاسة تحرير صحيفة جزيرة العرب نيوز الإلكترونية. www.jazeeratalarab.com

  الإصدارات :
         - ملوك وأتباع : كتاب سياسي ساخر ، عام 2009م.
         - الوهابية : دين سعودي جديد. كشف المستور في تاريخ نجد المبتور . شمس للنشر والإعلام، القاهرة 2012م

 
- البريد الإلكتروني: هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

- وعلى تويتر : @alsab3aani
 
 
 

• • • • •
 
 
من إصدارات مؤسسة شمس للنشر والإعلام
الصهيونية
عبد الكريم الحسني

 

الوهابية: دين سعودي جديد
سعود عبد الرحمن السبعاني
 

 
أجـراس
خالد الصاوي

 
 
اللعب في الدماغ
(+CD) خالد الصاوي

 

رحلة إلى القارة الأسترالية
دينا سليم

 

أيام الحرية في ميدان التحرير
محمد الشماع
 

 
على صليب الإبداع
زينب البحراني

 
 
امرأة في الغربة
كامي بزيع

 

بنو إسرائيل عبر التاريخ
د. شفيق الخليل
 

دور القرآن والسُّنة
د. أسعد نمر بصول
 

حواديت عيل موكوس
(+2CD) مراد ماهر
 

فلسطين: ضحية وجلادون
زهير عبد المجيد الفاهوم

 

رسائل المشاهير
سامي كمال الدين

 

حصري في الشارع المصري
عمرو جمعة

 

مستنقع أرض المجد
أحمد جمال

 

طقوس الإثـم
منذر عبد الحـر

 

امرأة تحت الاحتلال
آمنة الذهبي

 

الشاحنة
محمود سعيد

 

أسفل خـاص
أسعد الهلالي

 

أم كلثوم في لوحات فنية
علي الـودّي

 

عناق الأصابع
عادل سالم

 

رشفات قلم
وداد العزاوي

 

حبيبتي قطعة سكر
خالد مذياني

 

مذكرات أديبة فاشلة
زينب البحراني

 

القطريين ساوموا المُعارض السعودي مشعل المطيري بأن يسارع في حل مشكلته مع النظام السعودي وإلا سيتم تسليمه إلى السعودية!
والنظام القطري يُرسل رسالة واضحة للسعوديين الواهمين بشرعية الاحتماء في ظل دولة آل ثاني أن لا ملاذ آمن لديكم في الدوحة!
حتى أبو جهل كانت لديه بقية من نخوة فأبى على نفسه أن يفزع بنات عدوه محمد قائلاً :حتى لا تقول العرب أني أفزعت نساء محمد!
سأتحدث اليوم عن قضية المُعارض السعودي والدبلوماسي السابق الأخ مشعل بن ذعار المطيري, الذي كان ضيفاً عابراً على دولة قطر حالهُ حال الكثير من العرب والمُسلمين المُقيمين في قطر, والذي تم أعتقل أخيراً من قبل جهاز أمن الدولة القطري, والذي مازالت قضيته تتفاعل أحداثها ولكن ببطء شديد وصمت رهيب حيث تتناول باستحياء والسبب أن الطرف الآخر أو الجان في تلك القضية هو الحكومة القطرية المعصومة, حيث يتم تجاهل قضية المُعتقل مشعل المطيري من قبل وسائل الإعلام عن عمد وإصرار واضح, أما قناة الجزيرة القطرية صاحبة الرأي والرأي الآخر فتتغافل هي الأخرى عن قضية المطيري, وهي التي أشغلتنا بالمطالبة بحقوق الشعوب في تقرير المصير وحرية الفكر والرأي في أصقاع المعمورة ولكنها كالعادة غطت رأسها ومؤخرتها في الرمال, منذ أن تجاهلت خبر اعتقال الشاعر النبطي القطري محمد بن الذيب ومازال صمت الجزيرة مُطبقاً فيما يخص الشأن القطري حتى تقوم الساعة.
وربما كان خطأ مشعل المطيري وغيره من بعض السعوديين اليائسين والواهمين بالحصول على ملاذ آمن في دولة قطر, أنهم جاؤوا ضيوفاً على دولة (أبو مشعل) الذي يُفترض به أن لا يرد من يلجأ إليه مهما كانت الظروف, هكذا كانوا يعتقدون, لكنهم لم يُدركوا الحقيقة المريرة ولم يحسبوا حساب السياسات الخبيثة وتغير الاتجاهات وتقلب المواقف, حيث فوجئوا أن دولة قطر قبل المصالحة مع آل سعود هي ليست قطر ما بعد المصالحة.
وعليه ربما أرادت دولة قطر من خلال اعتقال مشعل المطيري أن تبعث برسالة واضحة للكثير من السعوديين المُتأملين أو الحالمين بالعيش في رخاء أو أمان الدوحة, أن توقفوا عندكم فلا مكان لديكم بين ظهرانينا لأنكم ستسببون لنا بالحرج الكبير مع النظام السعودي, وأننا لن نستقبلكم ونتحمل تبعات مواقفكم الحُرة بعد أن تصالحنا مع آل سعود.
لكن طريقة إرسال الرسائل القطرية يجب أن تعلن بدون ضحايا أبرياء وأن لا تتم من خلال اعتقال الضيوف وترويع النساء والأطفال فمهما وصلت الدناءة والخسة ببعض الأنظمة فيجب أن تحترم حرمة البيوت ولا يجوز إرهاب الناس مهما كانت الظروف, ومشعل المطيري قد تعرضت أسرته للترويع وتم اعتقاله بطريقة لا إنسانية مخجلة يستحي منها حتى أبو جهل نفسه ذلك الجبار العتي الذي أبت عليه مروءته العربية أن يُداهم بيت الرسول محمد rليلاً مع نفر من قريش, فتراجع قائلاً لمن معه : "حتى لا تقول العرب أني أفزعت نساء محمد"!
ولهذا نفترض أن أمير قطر ليس له علم بسفالة ذلك الضابط القطري الذي قام بتلك المهمة القذرة, ونعتقد أنه الأمير حينما سيعلم قطعاً سوف لن يرضى بما حصل لمشعل لمطيري وأسرته, وسوف لن يقبل بأن يسلم للنظام السعودي مهما كان الثمن غالياً, ليس لأن المطيري يعني شيء لدولة قطر, بل لأن أخلاق المُسلمين والشرف والمروءة العربية تأبى على صاحبها تسليم الدخيل مهما كان جرمه, ناهيك عن أن المطيري لم يُسيء لقطر ولم يتجاوز على أحد ولم يُخالف أنظمتها, فقد كان مُقيماً في البلد ويسكن مع أسرته في إحدى الشقق ويدفع الإيجار ولم يؤذ أحداً من القطريين ولا حتى المُقيمين في الدوحة, ومع هذا تم مداهمة شقته واعتقاله بطريقة بشعة ولا إنسانية, ثم سيق مكبلاً بالقيود لأحد سجون الإبعاد في الدوحة, وذلك لغرض تسفيره إلى السعودية, أو بالأحرى تسليمه للسلطات الأمنية السعودية.
لقد كان وجود مشعل المطيري وربما غيره من المواطنين السعوديين في قطر يسبب حرجاً للحكومة القطرية, بل أن أحد رجال أمن الدولة في قطر كان قد ساوم الأخ مشعل المطيري قبيل اعتقاله, قائلاً له : عليك بحل مشكلتك مع السلطات السعودية وإلا ستتحمل النتائج!
وحينما رفض المطيري تهديد أو مساومة ضابط الأمن القطري, تم إلقاء القبض عليه بدون أي تهمة وسيق إلى السجن بدون أي جرم معلوم وكأن العالم يعيش في غابة أو في كوكب آخر, أو ربما تعتقد السلطات الأمنية في قطر أن لديها حصانة دولية بعد الدور القطري الخطير في ثورات الربيع العربي.
طبعاً كالعادة سيستميت أذناب وكلاب آل سعود في تشويه سمعة كل من يرفع الحذاء بوجه سيدهم ابن سعود, ومشعل المطيري ليس استثناءً من تلك القاعدة التعوسية, فقد طاله النباح وشمله التقريع والتشكيك قبل أن يأتي لقطر, فسبق لبعضهم أن اتهمه بأنه مدسوس وآخر زعم أنه لم يكن دبلوماسيا بل هو مُجرد حارس أمن سيكورتي وو الخ.
ولن أفاجئ حينما يظهر علينا أحد سلاتيح آل سعود ليقول عن مشعل المطيري أنه كان يبيع مناديل ورق على باب السفارة السعودية في هولندا.
والحقيقة أن غلطة مشعل المطيري وغيره ممن خرجوا عن طاعة آل سعود وخلعوا ربقتهم, أنهم سرعان ما ينخدعون بوعود وحلاوة لسان النظام السعودي فيستدرجهم ثم سرعان ما يغدر بهم, والسبب أنهم في داخلهم كانوا متأرجحين في المواقف, وبعضهم سرعان ما ينهار وينخدع بوعود وعهود آل سعود, وقد قالت العرب, أن نقض العهود من صفات وديدن اليهود.
فمشعل المطيري كان يوماً ما سعودياً مُتعصباً لسعوديته أكثر وأشرس من سلاتيح آل سعود الذين ينافحون الآن عن أسيادهم, بل أن أحد أشقائه هو ضابط أمن رفيع ورئيس لأحد مكاتب المباحث, وللأسف هو من غرر بأخيه وجعله يعود مع أسرته من هولندا إلى السعودية واعداً إياه بأن مشكلة الفساد في السفارة سوف تحل في السعودية!
فمشعل بن ذعار المطيري كان مواطناً صالحاً حسب المواصفات السعودية, بل كان أشد سعودية من آل سعود أنفسهم, وحينما عمل في السفارة السعودية في باريس في بداية الثمانينيات وكان رفيق الحريري يصول ويجول في فرنسا ويعقد صفقات السلاح بسم السعودية لصالح العراق, قكان الحريري يأتي على الدوام لمراجعة السفارة السعودية بباريس, وكان مشعل يتساءل كيف يستوي أن يستقبل هو وزملائه ذلك اللبناني رفيق الحريري في مبنى السفارة السعودية ويُبدون له فروض الطاعة والخضوع وكأنه أمير سعودي وليس مجرد مواطن لبناني مُجنس!
فكان يُقال له : الحريري خط أحمر وعليك أن تصمت وبالعربي (أقطع وأخس)!
فتعلم مشعل أن ينفذ الأوامر ولا يُناقش واستمر يخدم بلده ويُطبق سياسة (لا أرى لا أسمع لا أتكلم), وكان شعاره الدائم هو : (المخرج السعودي عاوز كذه!).
ثم أثناء عمله الأخير في بداية سنة 2000 في السفارة السعودية في هولندا, رأى المصائب في داخل السفارة السعودية, وأطلع على ملفات فساد كثيرة, وكان السفير السعودي في لاهاي يسرح ويمرح ومنشغل في البزنس وعقد الصفقات التجارية ولديه شلة من العرب الذين يحملون الجنسية الهولندية مهمتهم عقد صفقات لحوم غير خاضعة لشروط الشريعة الإسلامية ثم يتم تصديرها للسعودية, وهنالك موظفون وموظفات عربيات هن من يتحكم بإدارة وسير السفارة, وكان مشعل يشاهد كل تلك البلاوي والتجاوزات حتى طفح به الكيل, فقرر أن يفتح فمه ويصرخ لكي يفضح ما يجري في السفارة, فقام بمُراسلة وزير الخارجية سعود فيصل شخصياً ليطلعه على ما يجري وما يدور من فساد وتلاعب داخل السفارة, ظاناً أن سعود فيصل حريصاً على سمعة السفارات, ناسياً أن سعود كوبرا هذا قد سلم الخيط والمخيط في إدارة الخارجية لأبناء أخته وهم من يدير أمور السفارات ولا يُستبعد أنهم كانوا شركاء في تلك الصفقات مع السفير السعودي في لاهاي.
وبدلاً من فتح تحقيق عاجل لمُتابعة ما يجري في دخل السفارة السعودية في لاهاي, تم إيقاف مشعل المطيري عن العمل, ومن ثم مطالبته بالعودة فوراً للمزرعة السعودية!
هنا صعق مشعل المطيري وأصيب بإحباط وانكسار لأنه أراد خدمة وطنه فاتضح أن الوطن مُختطف وأن البلد هو عبارة عن مزرعة خاصة لآل سعود وكلابهم, وكل من يُحاول تصحيح مسار العربة سيكون مصيره الدهس أو الطرد والتقريع!
فقرر مشعل المطيري أن يُعلن انشقاقه عن النظام ويطلب حق اللجوء السياسي في هولندا, وبالرغم من مُحاباة الحكومة الهولندية للنظام السعودي, إلا دائرة الهجرة الهولندية قد منحت المطيري حق اللجوء السياسي وبقي في هولندا يعيش حياته كمعارض وناشط سياسي, فتحركت آلة التشويه والفبركة السعودية ضد مشعل المطيري للتهوين من شأنه والتقليل من خبر انشقاقه على النظام ومن ثم لجوئه إلى هولندا, وبدأت وسائل الإعلام السعودية المأجورة تتخبط في معلوماتها المُضحكة, فقالوا عنه أنهُ مجرد حارس أمن يعمل في البوابة, ومهمته تفتيش زوار السفارة!
ثم عادوا واتهموه بأنه متهم باختلاس أموال من صندوق السفارة التي كانت تحت عهدته!
فكيف يكون مُجرد حارس وبنفس الوقت هو مسؤول عن صندوق السفارة؟
علماً أن مشعل المطيري هو دبلوماسي إداري قديم وليس حارس أمن كما يزعم سلاتيح آل سعود, وإلا فمشعل قد تدرج في السلك الدبلوماسي وعمل في السلك الإداري في السفارة السعودية في فرنسا في بادية الثمانينيات الميلادية, ثم عمل لاحقاً في السفارة السعودية في العراق قبيل أزمة الكويت, ولو كان حارساً كما يزعم هؤلاء الأبواق لأصبح الآن برتبة مسؤول الأمن العام عن مُتابعة كل السفارات السعودية بحكم خدمته الطويلة وخبرته الكبيرة.
وبعد مرور عدة أشهر على لجوء مشعل المطيري في هولندا, وبعد موجة وهجمة عارمة من التخوين والتشويه موجهة ضده من قبل أجهزة الأمن ووسائل الإعلام السعودية, بدأت السلطات السعودية تتواصل معه وتفاوضه من أجل عودته إلى السعودية واعدين إياه بحل تلك المشكلة وفق ما يرضيه, وذلك من خلال فتح تحقيق على أعلى المستويات حول ملف الفساد الإداري والمالي في السفارة, وزيادة في الاطمئنان أرسلوا له شقيقه لكي يقنعه بالعودة, وقد اقتنع مشعل بتلك الوساطة وبلع الطعم, فقرر العودة دون أن يُبلغ السلطات الهولندية عن قراره كونه لاجئاً سياسياً وهو معرض للاغتيال أو الخطف أو الوقوع في مشاكل أخرى, بحيث أن السلطات السعودية خططت لتلك العملية بسرية وعناية ونفذت عن طريق شقيقه الذي التقاه لاحقاً في بلجيكا, حيث طلبوا منه أن يذهب مع أسرته إلى بلجيكا ومن هناك سيجد حجز طيران جاهز وسيغادر إلى مطار الرياض.
وصدقهم مشعل المطيري وعاد للسعودية برجليه متأملاً بالوعود والعهود التي أعطيت له, كما عاد من قبله عبد العزيز الشنبري وكما عاد لاحقاً وجدي غزاوي, وكان الخازوق السعودي جاهزاً!
فتعرض مشعل لتحقيق أمني مشبع باللوم والتقريع والسخرية, ثم تم حجزه مؤقتاً ثم أطلق سراحه مع خضوعه للمراقبة ومنع من السفر, حينها أدرك مشعل أنه خُدع وأنه قد تم استدراجه بمكر من هولندا وهو عن حسن نية بلع الطعم ووقع في الفخ, فقرر أن يغادر السعودية بأي ثمن كان, فلم يترك وسيلة إلا وحاول فيها, راجع السفارة الهولندية في الرياض وطلب منهم إخلائه لهولندا كون أطفاله ولدوا في هولندا ويحملون جنسية البلد, فأخبروه أنهم مستعدون لنقل الأطفال فقط لأنهم يحملون الجنسية الهولندية, أما هو فلا شأن لهم به!
فأخبرهم أنه لاجئ سياسي في هولندا ولديه أوراق وهويات تثبت ذلك؟
فأبلغوه أن لجوئه قد انتهى مفعوله منذ أن غادر هولندا بإرادته ثم جاء برجليه إلى السعودية.
فأدرك مشعل المأزق الذي وضع نفسه فيه وعرف بالمكيدة التي انطلت عليه, كما أدركها لاحقاً وجدي غزاوي حينما علم بالخطة الدبوسية المُحكمة التي كانت تنتظره بعد عودته.
وبطريقة ما ومن خلال بعض المعارف استطاع مشعل المطيري, أن يمر عن طريق المعبر البري السعودي لدولة قطر, فتنفس الصعداء, وظن أنهُ لن يظلم أو يُضام في ديرة ابن ثاني وكان مخطئاً.
واليوم مشعل المطيري يرزح في أحد السجون القطرية دون ذنب أو جريرة, والأدهى أن السلطات القطرية تُهدد بتسليمه للنظام السعودي, بينما أسرته التي تقيم في إحدى الشقق في العاصمة القطرية الدوحة بدون معيل أو معين بعد أن تم اعتقال رب الأسرة والزج به في السجن!
لهذا أطالب جميع الشرفاء والأحرار في العالم الوقوف بحزم مع قضية المُعتقل مشعل المطيري, كما وأناشد كل المنظمات الإنسانية والحقوقية في العالم التدخل العاجل لدى السلطات القطرية لمنعهم من تسليم الأخ مشعل المطيري إلى السلطات السعودية لأنها ستعرض حياته إلى الخطر, ولأنه لم يقترف أي جريمة أو ذنب حينما جاء زائراً لدولة قطر معتقداً أنها بلد حر مُستقل وملاذ آمن للأحرار, فهل يجوز للعربي الأصيل أن يُجازي ضيفه يتلك الطريقة!
نتمنى من سلطات الأمن القطرية أن تطلق سراح المُعارض مشعل المطيري دون قيد أو شرط.
وإذا استمرت مأساة الأخ مشعل فإن للحديث حتماً بقية.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-09-09
الاثنين, 23 يوليو 2012 20:22

عودة الابن الضال؟ بندر بن أبيه!

مقرن ولد بركة انشغل في ملذاته وبتعاطي المخدرات والحشيش ونسي أنه يشغل منصب رئيس الاستخبارات ولم يستفيق إلا على خبر إقالته
حينما يُقال أي أمير سعودي من منصبه فإنه سيُعين مُستشاراً للملك لكي لا يثيروا الأقاويل, فقد سبق وأن ركن عزوز فعين مستشاراً للملك
بعد أن نفق سلطان وتبعه شقيقه نايف زال خطر أبناء السديري, ولم يعد بندراً يشكل أي خطر على عرش عبد الله فقرر أن يعيده للأضواء
والصراع القادم بين أفراد آل سعود ستكون شرارته طمع وطموحات الأحفاد وليس كالسابق تنافساً كلاسيكياً بين أبناء السديرية وخصومهم
مازال الخبراء الأجانب وإعلاميو الغرب يخفقون ويخطئون في تحليلاتهم السياسية سواء في الشأن الداخلي لبلاد الحرمين الشريفين أو في شأن الأسرة السعودية الهالكة, وذلك بسبب جهلهم المطبق بثقافة المنطقة وعدم معرفتهم بالعادات والتقاليد وبواقع وعقلية المجتمع النجدي تحديداً وهو المجتمع الشديد العنصرية لغيره والمسيطر على مناحي الحياة العامة, فتراهم تارة يرشحون بندر بن سلطان لتولي العرش السعودي, وأخرى يتوقعون أن مقرن ولد بركة سيكون هو الملك القادم دون فهم تفكير وسيكولوجية القوم أو ادراك للآلية المُتبعة والتي يتصرف خلالها آل سعود.
بندر بن أبيه وهو في سن المراهقة
فهؤلاء المراقبون الأجانب لا يدركون حقيقة أن كلا المُرشحين المزعومين هما نتاج لأبناء (الإماء) أي الجواري, وأبناء الجواري في مجتمع نجد المُنغلق على نفسه لا يجوز لهم مزاحمة أسيادهم أبناء الملك (الأحرار) ولا يمكن أن يكونوا أكفاء لأبناء القبيليات في الشرع النجدي – السعودي, حتى ولو كانوا من أب واحد, والغربيون يجهلون تلك الإشكالية العِرقية بالنسب ولا يدركون أن العنصرية العرقية تضرب أطنابها في قلب جزيرة العرب وفي أسرة آل سعود تحديداً كونهم سكنوا منطقة نجد وتشبعوا بعاداتها وتقاليدها, رغم أنهم يجهلون أصولهم العرقية وعرفوا في السابق على أنهم "حمولة مقرن" فقط دون المزيد من الايضاحات, ومقرن هذا راعي تلك الحمولة لا يعرف من أي فج خرج سوى أن والده كان يُدعى (مرخان) وأن جد مرخان أو مردخان هذا قد جاء من درعية القطيف ليقطن درعية اليمامة.
وكل آل سعود الحاليين هم من أحفاد مرخان, وهم يسمون بحمولة مقرن, وكل شخص منهم يتفاضل على إخوانه وأبناء عمومته بأصل أخواله وليس بكونه ابن فلان أو علان.
وعليه فإن أبناء الجواري في أسرة آل سعود لا يحق لهم الجلوس على العرش حتى لو كانوا أبناءً لأمات شقراوات, ويبقى الصراع على العرش محصوراً فقط بين أبناء القبيليات من زوجات عبد العزيز فقط.
تلك الاشكالية لم يفهمها الاعلام الغربي ولم يستوعبها خبراء ومحللو الغرب الذين رأوا في بادئ الأمر في بندر أنهُ المَلك القادم للعرش السعودي, ثم بعد أن ركنه الملك عبد الله على الرف, عادوا وراهنوا على حظوظ مقرن في تبوء العرش السعودي القادم.
مقرن ولد بركة وهو شاب يؤدي رقصة العرضة
ولطالما توقع الخبراء السياسيون والإعلاميون الغربيون سيناريوهات شتى للسبب الذي يقف وراء إقالة أو ركن بندر بن سلطان جانباً, وتساءلوا عن سبب سحب صلاحيته من قبل الملك؟
فعاد الإعلام الغربي من جديد زاعماً أن بندر كان طامحاً يسعى لأن يُصبح ملكاً على السعودية وكان يُخطط لإقصاء عمه الهرِم (بكسر الراء), فوقعوا مرة أخرى بنفس الخطأ الاستراتيجي وجعلوا من بندر طامعاً بالملك وهم لا يدركون حقيقة أن بندر لا يستطيع حتى ولو في المنام تحقيق ذلك الحلم, لأنهُ يُدرك جيداً أن حلمه هذا سيكون مستحيلاً ولن يتحقق إلا في حال انقراض آل سعود جميعهم وبقائه لوحده, حينها قد تكون فرصته سانحة, وربما سيطمح كما طمح من قبله خالد بن سعود بن عبد العزيز (ابن الأمة السوداء) قبل حوالي المائتي عام حينما أتى دليلاً ذليلاً مع القوات المصرية الغازية لنجد ليعينهم على أبناء قومه لكي يحقق حلمه الأزلي في تبوء السلطة على أقليم نجد وكي يصبح أميراً على الرياض.
في الحقيقة أن اقصاء الملك عبد الله لبندر له عدة أسباب ودوافع ولكن أهم سبب هو أن الملك عبد الله خشي من تزايد نفوذ وعلاقات بندر في واشنطن, ولكي لا يصبح لساناً لأبيه سلطان وداعماً لأخيه خالد في كواليس البيت الأبيض, فكان لابد من قصصة اجنحته واقصائه, وفي تلك الفترة كان أبناء عبد الله الطامحين ناقمون كثيراً ويتحسسون من تدخلات ونفوذ أبناء فهد وسلطان في شؤون الدولة, رغم أن والدهم قد أصبح هو الملك وهم أبناء هذا الملك ومن حقهم الاستئثار بالسلطة كما فعل أبناء فهد من قبلهم, وقد كان لبندر علاقات وطيدة مع اللوبي الصهيوني وكذلك مع أغلب السيناتورات في أمريكا, ولديه علاقات وثيقة مع أسرة بوش, وكانت الإدارة الأمريكية تعتبر الملك عبد الله مجرد واجهة فقط أو بالأحرى ملك كهل جاهل, وكان تعاملهم الدائم هو مع البندورة فقط.
وهو ما أغاض الملك عبد الله كثيراً, خصوصاً بعد أن علم أن بندر وأبيه سلطان كانا على علم مسبق بكل خطط الحرب على العراق, بينما بندر لم يطلع عمه الملك على جميع التفاصيل وكان يتصرف بندر دون الرجوع للملك, بل كان يطلعه على معلومات عامة كالقول بأن أمريكا قررت ازاحة صدام, بينما التفاصيل الدقيقة للغزو كانت لدى أبيه سلطان بن عبد العزيز بحيث سمح الأخير باستخدام قاعدته الجوية للنقل والتموين والإخلاء الطبي للجيش الأمريكي, فشعر الملك عبد الله أن بندر استخف به أمام الأمريكان وبات يشكل خطراً عليه وأصبح يُمثل مصالح أبيه في أمريكا ولم يُعد ممثلاً له وكذلك من خلال تحريض وحث متواصل من قبل أبناء عبد الله الناقمين على أبناء فهد وسلطان, فقرر الملك إقالته وسحبه من واشنطن وتعيين الأمير تركي بن فيصل السفير السعودي في بريطانيا سفيراً للسعودية بواشنطن بدلاً من بندر, لكنه لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما قدم استقالته معترضاً على تدخل بندر وتطفله على وظيفته, فتم قبول استقالته ومن ثم تعيين عادل بن جبير سفيراً للسعودية في واشنطن وبهذا أصبح ابن جبير خادماً مطيعاً وتابعا وخاضعاً بالكامل للملك عبد الله.
ثم عين الملك عبد الله بندر بمنصب جديد ومُستحدث هو شبيه بمنصب أو وضع مُستشار الملك المعروف, وذلك حينما يركن أي أمير سعودي على الرف حينما يخفق في عمله أو يزعج الملك فيقال أن الأمير الفلاني قد أعفي من منصبه وعين مستشاراً للملك أي نوع من التورية وإخفاء وكتم الفضائح, كما حصل قبل عامان مع الطفل المعجزة عبد العزيز بن فهد الذي كان يشغل منصب وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء ورئيس ديوان مجلس الوزراء, فأقاله الملك عبد الله وعينه لاحقاً بمنصب مُستشار الملك أي ركن على الرف, ونفس الشيء حصل مؤخراً مع مقرن ولد بركة, حيث تمت إقالته ثم عينه الملك مُستشاراُ له فما أكثر مستشارو عبد الله, وهو ما حصل في حينها مع بندر فقد عينه الملك بمنصب أرشيفي مُصطنع وذلك لكي لا يغضب أخيه ولي العهد في حينه سلطان, فأصبح بندراً يشغل ذلك المنصب المُضحك الشبيه بالاسم فقط بمنصب كوندليزا رايس مع الفارق طبعاً, ويُدعى (الأمين العام لمجلس الأمن الوطني السعودي) وبهذا يكون قد انتهى دور بندر في واشنطن وركن في الداخل وانتهى أمره وزال خطره بالنسبة للملك وأبنائه.
لكن بندر الخبيث لم يستسلم بسهولة فقد بدأ بإعادة اتصالاته الدبلوماسية والسياسية مع الأمريكان وأخذ يُنسق أمنياً معهم, وبدأ بزياراته المكوكية لواشنطن دون علم السفير السعودي في وقتها تركي بن فيصل, مما أغضب تركي من تدخلات بندر السافرة في عمله الدبلوماسي فقدم استقالته اعتراضاً على تحركات بندر المشبوهة, ولم يقصم ظهر البعير المرخاني إلا حينما بات كل وفد أمريكي يأتي لزيارة الملك عبد الله يبلغوه أنهم التقوا بالأمير بندر وناقشوا الأمور معه!
وهو ما أثار غضب وحنق الملك عبد الله فقرر أن يعاقب بندر ويمنعه من أي نشاط سواء كان سياسياً أو دبلوماسياً أو استخباراتياً وطلب منه البقاء في منزله فقط.
وصادف أمر اعفاء بندر من منصبه أن وسائل الإعلام والصحف الأمريكية والبريطانية أثارت فضيحة صفقة اليمامة وكشفت مقدار الرشى التي تلقاها الأمير سلطان بن عبد العزيز وأبنائه من شركة BAE Systems, ومن ضمنهم كان الابن بندر, حيث دفعت له تلك الشركة البريطانية مبالغ هائلة وخدمات سياحية لابنته خلال قضائها شهر العسل مع عريسها, بلغت حوالي مليار جنيه إسترليني وقد حولت تلك الأموال إلى حساب بندر الخاص في أمريكا.
فبقي بندر مغيباً عن الأحداث وبعيداً عن الأضواء لأكثر من عامين تقريباً, وقد تدهورت حالته الصحية وبدأ يراجع المُستشفيات الأمريكية لغرض العلاج, لأنه يُعاني من انزلاق غضروفي في الظهر, والغريب أن بندر والملك عبد الله ومقرن جميعهم يُعانون من نفس المرض في الظهر!
فمقرن مثلاً يزعم أن فقرات ظهره سحقت بعد أن قفز من طائرة حربية أثناء التدريب, فسقط على ظهره وتضررت فقراته, وأما الملك عبد الله فيقول أنه مصاب بـ(عرق النسا), ثم يردف قائلاً : مع أن النساء لم يرى منهن إلا كل خير كما يقول!
وبقي بندر خارج القرار السياسي ومُبعداً عن السلطة ومُهمشاً طيلة العامين الفائتين, حتى قرر أخيراً الملك عبد الله إعادته إلى الأضواء من جديد, مع خلال تعيينه كرئيس لجهاز الاستخبارات!
طبعاً لا يستطيع أحد أن يعترض على قرار الملك السعودي الأتيس لأن قراراته مزاجية وانتقائية منفردة, وإلا كيف يُعين لص كبير ومُرتشي حقير في منصب حساس سيُقيم من خلاله الشرفاء, ويرصد تحركات الأعداء!
الغريب أن بندر سبق وأن حاول أكثر من مرة أيام والده أن يسترضي الملك عبد الله ليستعيد ثقته به, ولكن دون جدوى, وقد حل أبناء عبد الله في أغلب المناصب الحساسة ولم يعد لبندر أي نفوذ يذكر حتى لو عاد مُجدداً.
ولكن بعد وفاة سلطان ومن ثم نفوق نايف أدرك الملك عبد الله أن نفوذ أبناء السديرية قد ولى على الأقل في عهده الحالي, ولم يعد يخيفه أي ظهور أو بروز لهم, لأنهم أصبحوا أقلية, بل هو من اختار بنفسه سلمان ليكون ولياً للعهد وذلك لمعرفته أن سلمان قد أصبح مكسور الجناح وأنه يبدي الطاعة له ولا يتجاوز عليه أو يفكر بالتقليل من شأنه لدى الأمريكان, وأن صراعه مع أبناء السديرية صفحة وقد طويت.
ولم يعد بحاجة لتكتل وجمع فلول المقاطيع من حوله كما كان يفعل فيصل من قبل وهو من بعد, حينما ضموا لهم الأمراء المُهمشين من أبناء الجواري لكي يكونوا حزباً مضاداً لحزب أبناء السديرية, وكان مقرن ولد بركة أحد هؤلاء المقاطيع الذين ضمهم عبد الله لاحقاً تحت جناحه لتكوين جبهة مواجهة ومضادة لعيال السديرية.
فقد انتهى أمر تكتل او حزب السدارى القديم وذلك بعد نفوق فهد وسلطان ونايف, ولم يعد عبد الله يخشاهم كما كان, وعليه فلم يعد يحتمل إدمان وسكر وعربدة مقرن وإهماله في مسؤوليته في سبيل مبدأ التكاتف والتخندق القديم.
فقرر عبد الله أخيراً إقالته عقاباً له وتعزيراً لغيره من الأمراء بسبب فشله الذريع في إدارة جهاز الاستخبارات, لأنه كان مشغول طوال الوقت في تعاطي المخدرات ومعتمد اعتماداً كلياً على مُساعديه الخائبين في إدارة مسؤولياته, وقد جعل من رئاسة الاستخبارات بناية فقط تدار بالنيابة عنه كما كان عليه الحال في إمارة حائل حينما كان أميراً عليها, حيث سلم الخيط والمخيط بيد وكيل الإمارة, وانشغل هو في سفراته ورحلاته المكوكية والتهى بتجارة المخدرات وحبوب الكبتاجون, حتى حولَ مطار حائل إلى أكبر محطة ترانزيت لتوزيع المخدرات في العالم حيث يتم استقبال شحنات المخدرات بكافة أنواعها, ولهذا جعل من إمارة حائل وكراً وسوقاً رائجة لتسويق وبيع الحبوب المخدرة.
فمقرن قد فشل فشلاً ذريعاً في أدارة جهاز الاستخبارات السعودي أثناء فترة إدارته له, حتى أن جهاز المخابرات القطري رغم تواضعه, وجهاز المخابرات الأردني رغم قلة تمويله فقد أصبحا هما المورد الرئيس للمعلومات لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية, وباتا هما حلقتا التواصل مع الأتراك في إدارة العمليات في داخل سوريا وهم بهذا يكونا قد سحبا البساط من تحت أقدام استخبارات آل سعود ربيبة الـ CIA.
بل إن لبنان الطوائف المُتصارعة, لبنان الحريري ومستقبله قد خرجت من قبضة آل سعود وبشكل دراماتيكي وعادت بوصلتها تؤشر نحو اتجاه دمشق وتحول حزب سعدو وحلفائه من أكثرية إلى أقلية, وبالرغم من كل ما يجري الآن في سوريا من أحداث وحالات تفكك وانهيار, فمازالت لبنان في قبضة الأسد وهو ما يُعد فشلاً ذريعاً آخر لمقرن وجهازه الفاشل.
 ليس هذا فحسب فقد تعرض هذا الجهاز إلى ضربات موجعة وأصيب في إخفاقات كبيرة سواء في العراق وغزة أو في باكستان واليمن بل حتى في الصومال, فقد فشل التمويل السعودي المالي الهائل لأياد علاوي وخرج آل سعود خاسرين من الساحة العراقية, ثم أصروا على دعم محمود عباس وعصابته وبالمقابل مُحاربة حماس والتضييق على قطاع غزة بالاتفاق مع نظام حسني مبارك فخسروا غزة وأهلها!
كما اغتيل دبلوماسي سعودي رفيع في مدينة كراتشي, وخطف دبلوماسي سعودي آخر في اليمن, ومازال مرتهناً لدى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إلى حين اطلاق سراح النساء المعتقلات في سجون آل سعود.
كل تلك الاخفاقات المخابراتية الرهيبة ومقرن مازال منشغلاً في أجوائه السرمدية الخاصة, ويوزع ابتسامات خاثرة لعدسات وسائل الإعلام!
بل أن أكبر فضيحة لحقت بجهاز الاستخبارات السعودية هو ورديفه جهاز المباحث السعودي, عندما قاما بزرع عملاء سعوديون مزدوجون في تنظيم القاعدة في اليمن, وهؤلاء العملاء هم من كانوا وراء ما يُسمى بشحن الطرود المفخخة, حيث اتضح  لاحقاً أن العملاء السعوديون المزدوجون هم من يرسل تلك الطرود ثم يقوموا بالتبليغ عنها لكي يقدموا خدمات جليلة لجهاز المخابرات الأمريكي, وهي فضيحة مخابراتية بكل المقاييس.
ناهيك عن الخلافات المالية والفضائح الجنسية والمالية التي لحقت بآل سعود مؤخراً والتي نخرت في عظام أسرتهم السعودية, ففي رئاسة مقرن للاستخبارات اقدم أمير سعودي شاذ جنسياً على قتل خادمه الخاص في أحد فنادق لندن الراقية بعد أن قام بتعذيبه بطريقة وحشية, وقد تم الحكم على ذلك الأمير السعودي المدعو سعود بن عبد العزيز بن ناصر آل سعود بالسجن المؤبد, وبالمناسبة فإن الجانِ هو أحد أحفاد الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز من ناحية الأم.
ثم حدث تذمر وانشقاق من عدة أمراء وأميرات سعوديات وقد تمردوا على نظام حكم الأسرة السعودية المالكة, فبدأت تلك التداعيات من خلال التذمر الدائم من قبل الأمير المضطهد طلال بن عبد العزيز, ثم تمردت ابنته الأميرة سارة بنت طلال والتي طلبت أخيراً حق اللجوء السياسي في بريطانيا.
وقد سبق الأميرة سارة بنت طلال بالتمرد أمير سعودي آخر من الجناح السعودي المهمش, يُدعى تركي بن بندر بن محمد بن عبد الرحمن آل سعود, والذي يعيش حالياً في باريس, ثم لحقته الأميرة السعودية بسمة بنت سعود والتي تعيش حالياً في لندن, ومازال الحبل على الجرار.
وكان لابد لمستشارو عبد الله بن عبد العزيز وكذلك أبنائه أن يحثوه على ايجاد بديلاً عاجلا وجاهزا ليحل محل مقرن الخائب, ولابد أن يكون البديل صاحب خبرة وتاريخ قذر لإدارة ذلك الجهاز السعودي المشبوه الذي تركزت مهماته القذرة عبر تاريخيه على خدمة أجهزة المخابرات الغربية من حرب نيكاراغوا وحنى حرب افغانستان, وتلخصت مهماته الداخلية بمراقبة المواطن البسيط المغلوب على أمره, ولا يوجد من هو جاهز ومناسب ومستعد للقيام بتلك المهمة القذرة إلا بندر المغبون, والذي ينتظر الفرصة المُناسبة ليثبت ولائه ويكفر عن خطاياه السابقة, وكذلك بسبب متانة العلاقة بين بندر وبين اللوبي الصهيوني في أمريكا, وهو ما سيساعد على العمل سوياً مع جهاز الموساد على خوض الحرب الإقليمية القادمة.
ولهذا تم اختيار بندر الحاقد ليحل محل عمه مقرن المُدمن, لكي يحاول أن يُرقع ويُرتب ما يُمكن ترتيبه في جهاز الاستخبارات السعودي المهمش, لأن المنطقة مُقبلة على اعصار مُدمر, ومقرن قد أضاع الكثير الفرص من خلال عبثه وعدم اهتمامه واللهث خلف ملذاته, ولم يعد هنالك متسع من الوقت للهو والعربدة.
ولكن السؤال المطروح هو هل سيفلح بندر بن أبيه ليُصلح ما أفسده الدهر وعاث به عمه مقرن؟
نعم سيفلح بندر وبجدارة في فتح بعض الملفات العالقة في المنطقة, وسيُخفق في البعض الآخر منها, فهو مثلاً قادر على تفجير الوضع الداخلي في لبنان, لأن اللبنانيين هم أصلاً على حافة الحرب وكل ما يحتاجونه هو فقط تمويل ودعم مالي وشحن وإيصال أسلحة القتل ثم اشعال شرارة بسيطة لتستعر طوائف لبنان بمن فيها.
وكذلك هو قادر على تحويل سوريا المُترنحة إلى مشروع صومال جديد, لأن بندر هو أصلاً متهم من قبل أجهزة النظام السوري بأنه يقف وراء التخريب والتدمير الحاصل هناك, وهاهو الآن يمسك بتلابيب منصب رئاسة الاستخبارات, فما الذي سيخسره بندر حينما سيُحقق أمنية نظام بشار الأسد؟
وسيحاول بندر أن يُعيد الأوضاع في العراق إلى ما كانت عليه قبل انسحاب الأمريكان, من قتال طائفي وسيارات مفخخات وتهجير سكاني وصراع اثني وطائفي بين العراقيين, لكنه سيفشل في نهاية المطاف, والسبب أن آل سعود وحكومات المنطقة الخضراء كلاهما صناعة أمريكية بامتياز, ولهذا ستقف أمريكا بينهما على الحياد وتتركهم ينهكون بعضهم البعض ثم تأمرهم بالكف عن الصراع والجلوس على طاولة المُصالحة, ناهيك عن أن حكومات المنطقة لخضراء مدعومة أصلاً من قبل ملالي طهران, وعليه سيكون موقف عملاء المنطقة الخضراء أقوى من موقف عملاء الدرعية, ولهذا سيفشل بندر في مشروعه داخل العراق, لكنه سينجح حتماً في جر اليمن الجريح إلى حرب أهلية, حيث سيجعل من اليمن ملل ونحل ومناطق ودول, مادام لآل سعود مواطئ قدم هناك.
وسيسعى بندر جاهداً لإثارة القلاقل والتمرد في داخل إقليم الأحواز العربي, وسيحاول تكرار السيناريو في بعض أقاليم إيران المتمردة كـ بلوشستان, محاولاً نقل الاضطرابات المذهبية إلى داخل العمق إيران, وهي بداية للمواجهة العسكرية بين أحفاد مرخان وملالي طهران, والتي لابد من وقوعها مهما تأخرت ساعتها, والتي ستستنزف الطرفين معاً وهو أمر محمود, فاللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.
طبعاً سيصب أمر تعيين بندر بمنصب رئاسة الاستخبارات في صالح الأخ خالد بن سلطان, وسيقوي من مكانته ووضعه القلق في وزارة الدفاع, حيث سيكون حزب أبناء سلطان قوي بما فيه الكفاية لكي يتنافس مع بقية الاحزاب, كحزب أبناء عبد الله وحزب أبناء نايف وحزب أبناء سلمان لاحقاً, لأن الصراع الأسري السعودي القادم سيكون صراعاً نوعياً بين أحفاد عبد العزيز أنفسهم, وسيقضي على مبدأ التصنيف والتخندق القديم, حيث سيتنافس أحفاد السديرية مثلاً فيما بينهم قبل أن يتنافسوا مع ألآخرين, وسيكون التنافس محموماً وربما سيؤدي لاندلاع صراع دموي خصوصاً بين أولئك الذين لديهم ميليشيات عسكرية موالية لهم, أي بين متعب بن عبد الله ومعه الحرس الوطني من جهة وبين محمد بن نايف ومعه قوات الأمن والطوارئ والشرطة من جهة, وبين خالد بن سلطان ومعه تشكيلات الجيش من جهة أخرى.
وسيبقى الترس بندر وحتى عمه مقرن هم مجرد أدوات وبيادق رخيصة في عجلة ذلك الصراع القادم بين هؤلاء الأحفاد الطامحين.
إذن هاهو بندر بن أبيه يرجع نادماً للصف المرخاني, ويعود مُجدداً لميدان إثارة الفتن وحياكة المؤامرات بعد غيبة واختفاء وإقصاء مؤقت, فانتظروا المفاجئات الدموية القادمة, لأن الحرب باتت على الأبواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-07-23
إيران باتت اليوم تُعاني من وطأة الحصار الاقتصادي ومن العزلة الإقليمية وبدأت تُردد مقولة صدام حسين قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق
والمواجهة بين إيران وخصومها قادمة لا محالة وبوادرها باتت تلوح بالأفق وهي تنتظر فقط خطئاً بسيطاً ليشعل شرارة تلك الحرب المُدمرة
لعبت الظروف الدولية والإقليمية الأخيرة لصالح الإيرانيين فدفعتهم إلى العربدة في ظل غياب دور العراق واختلال مصر وتدهور الوضع باليمن
أراد آل سعود استغلال الهاجس الإيراني ليكون بعبعاً رادعاً لكل من يفكر بمعارضتهم فإذا بذلك الهاجس الإيراني يتغلغل إلى داخل قصورهم!
ما دعاني اليوم لكتابة هذا المقال عدة أحداث ومؤشرات وقعت خلال الأسبوعين الماضيين, فجعلتني أعيد قراءة ما حدث وأحاول سبر أغوار تداعيات تلك الحوادث العابرة ومقارنتها مع الحالة العامة لشعوب المنطقة وربطها بأحداث وتداعيات قادمة.
أولى تلك الحوادث هي حالة الإستنفار لقطعات الجيش السعودي المتواضعة وتحركها دون هدى في جهات عشوائية, بعد نفوق نايف وتنصيب سلمان ولياً للعهد بدلاً عنه, مما ولد هلعاً وشعوراً عاماً بالقلق لدى غالبية أفراد الشعب حيث أفصحوا من خلال ما جرى عن حالة من التخبط واللا استقرار والخوف من المُستقبل المجهول.
فبعضهم فسر تلك التحركات العسكرية العشوائية دليلاً على وجود أمر ما وربما خلافات حادة حدثت بين الأحفاد (أحفاد عبد العزيز), وهو ما دفع كل طرف منهم لاستعراض عضلاته الميلشيوية ليردع الآخر ويكبح جماحه ويرد كيد مطامعه.
والبعض الآخر بالغ كثيراً فربط الأمر على أنهُ استعداداً وتهيأة لعملية القبض على الشيخ الشيعي المتمرد على سلطة آل سعود نمر النمر, وهو نوع من المُبالغة والتهويل وتضخيم خطر الشيعة في المنطقة الشرقية.
أما البعض الآخر فقد فسر الأمر على أنه مُجرد تأهب عسكري روتيني وهو عبارة عن حالة ترقب في حال أقدمت تركيا على الرد العسكري وقامت بضرب النظام السوري, وذلك بعد حادثة إسقاط المقاتلة التركية على يد قوات الدفاع الجوي السوري حيث هوت طائرة الـ  F4التركية على الحدود السورية, وأن آل سعود كانوا يخشون من ردة فعل سورية أو ربما إيرانية عنيفة في حال تم ضرب سوريا.
أما بعض المراقبين فقد ربطوا بين حالة الاستنفار لقوات آل سعود المُهلهلة مع قرار أمريكا والدول الغربية في فرض حظر دولي على النفط الإيراني, وهو ما سيدفع إيران ربما إلى الرد بتهور ومن ثم قيامها بإغلاق مضيق هرمز, التي طالما هددت بتنفيذه في حال تم تطبيق الحظر النفطي على طهران, وهو ما أصاب آل سعود بحالة هستيرية بعد أن علموا أن واشنطن قررت اتخاذ قراراً يقضي بحظر النفط الإيراني دون مشاورتهم, فسارعت الرياض لملأ الفراغات في المناطق والمدن الرخوة, وذلك من خلال نشر بعض القوات السعودية المُشكلة ما بين جيش نظامي وحرس وطني وقوات أمن وطوارئ.
وبعيداً عن الأسباب الحقيقة وراء تكدس عجلات آل سعود العسكرية المهترءة في الشوارع, وبعيداً عن أسباب ذلك التحشيد المُرتبك والعاجل, حتى أن أغلب المُستنفرين كانوا لا يعلمون سبب تحركهم أو سبب ذلك التأهب!
إلا أن من خلال ذلك التحرك أظهر لدينا حالة من الهلع الشعبي العام وكشف لنا عن شعوراً طاغياً بالرعب من المُستقبل المجهول, خصوصاً من قبل أولئك الذين يعتبرون آل سعود هم ربهم الأعلى وأنهم بدون وجود آل سعود سينتهون, فبعضهم أصيب بأم الركب حينما علم أن هنالك صراعاً دام وخلافات عنيفة دارت بين الأحفاد, وأن أولئك الأحفاد بدؤوا يحركون أزلامهم وأتباعهم لإرعاب وردع بعضهم البعض؟
والبعض الآخر كان يحاول شحذ همم ولاة أمره ويحذرهم من خطر التدخل الحتمي لإيران وقضائها على دولة التوحيد المزعوم, وأنها ستستغل الفرصة وستدعم الشيعة في المنطقة الشرقية, وستدعم انفصال إقليم القطيف والأحساء الشيعي!
بينما البعض منهم كان مُرتبكاً ويفكر بدافع من اليأس والتسليم بالأمر الواقع, لكنه بدأ يحسب ويترقب, فيقول ماذا سيحصل لنا وماذا سنفعل لو تصارع آل سعود فيما بينهم على الحكم وأصبحت الدولة فوضى؟
والبعض من هؤلاء كان يتصرف بسذاجة وتفكيره كان منصباً على راتب آخر الشهر وهل سيجد صرافاً آلياً يستطيع من خلاله أن يستلم راتبه في حال وجود فوضى, وبعضهم كان يفكر عن بدائل للكهرباء وكيف سيعيش بدون أجهزة تكييف مع أجواء الرياض الجهنمية.
ومن خلال سبر أغوار أولئك الهلعين البائسين يتضح لنا أنهم قد سلموا بأن دولة آل سعود هي عبارة عن دولة كارتونية آيلة إلى السقوط الحتمي في أي لحظة, وأن ماما أمريكا هي الراعي الرسمي وهي الحامي الحقيقي ولولاها لضاعوا وتشردوا في الفيافي والقفار, وأن آل سعود هم أزلام أمريكا المفضلين وإذا ما ذهبوا فسوف تتخلى أمريكا عن الشعب وسيضيعون.
ولاشك أن هنالك كثير من المواطنين الشرفاء العقلاء كانوا يتحرقون ألماً ويشعرون بالإهانة حينما يروا ذلك الحكم السعودي الكرتوني الفاشل البائس الذي جعل بلادهم عبارة عن فطيسة أو لقمة سائغة تتصارع عليها ضباع المنطقة وذئاب الغرب.
وهم يلمسون الأخطار المحدقة بالبلاد والعباد ولكنهم عاجزون وسيفشلون مُستقبلاً في الذود عن وطنهم بسبب الاهمال والتجاهل والاعتماد على قوى الأجنبي, فلا وجود لجيش حقيقي يحمي البلاد, ولا هنالك تجنيد إلزامي يجعل من مليون شاب عاطل ليؤهلهم كجنود محترفون بواسل, ولا هنالك مراكز أهلية أو جمعيات شبابية للتدريب العسكري حتى يتهيأ أفراد الشعب للدفاع عن البلد في حال تعرض لغزو خارجي أو أي اعتداء من أي طرف.
وبالرغم من مرور 22 عاماً على أزمة الكويت وافتضاح أمر آل سعود بعدما عجزوا عن حماية عرشهم, واستعانوا بمجندات أمريكا للذود عن بيضة إسلامهم السعودي, فمازالوا لحد الآن عاجزين عن تكوين جيش محلي قادر على حماية أنفسهم ومازالوا يعتمدون في بقائهم على بساطيل الجيش الأمريكي!
ولهذا كل الرجال ولا أتحدث هنا عن أشباه الرجال, بل أقول جميع الرجال في داخل جزيرة العرب يشعرون بالإحباط لدرجة الإذلال لأنهم مقيدون وعاجزون عن الذود عن بلادهم ومازال الوطن رهينة بيد واشنطن, ومازالوا عاجزين عن رد المارد الإيراني.
فلاشك أن هنالك هلع ورعب أصبح شبه دائم يُطارد أغلب سكان جزيرة العرب من تغول الدور الإيراني في المنطقة, ويُغذي ذلك الاحساس بالخوف شعور عام بالتضاؤل والتراجع أمام قوة وغطرسة الغول الإيراني المُتصاعد, حيث استشرست إيران وتمددت فأصبحت خطراً داهماً على شعوب تلك المنطقة قبل حكامها, والجميع بات يلمس أن إيران أخذت تتدخل بشكل فج وسافر سواء في العراق أو حتى في الشؤون الخليجية وباتت تهدد وتعربد دون رادع أو خشية أو حتى قيود, وعليه فإنها أصبحت في نظر بعض دول الخليج على أنها العدو الأول والخطر الداهم على مستقبل تلك المنطقة النفطية وعلى شعوبها المكشوفة والمغلوبة على أمرها.
والحقيقة أن حكومات دويلات الخليج قد انقسمت كعادتها حول رؤيتها وموقفها من الجار الإيراني المتحفز, فمنهم من صنف إيران على أنها عدواً استراتيجياً وخطراً داهماً أشد خطورة من العدو الإسرائيلي, وبدأ يُرسل إشارات إيجابية على أنهُ على استعداد تام للتعاون مع تل أبيب في سبيل إزاحة ذلك الكابوس الإيراني الجاثم على صدور حكام المنطقة, وبدأ يُفلسف طبيعة العلاقة من الصهاينة مبرراً أن العداء مع إسرائيل بات من مخلفات الماضي وقد انتفت أسبابه.
ومنهم من أصيب بفوبيا إيران حتى أفقدته توازنه وفقد صوابه فاتهم ثلثي شعبه بأنهم عملاء للفرس وأتباع لإيران وأنهم مُجرد بيادق رخيصة بيد ملالي قم وطهران, وهو بهذا يكون قد تبرع مجاناً لإيران بثلاث أرباع شعبه لأنهم من الشيعة الذي لا يأمن الحاكم بوائقهم, فجازاهم جزاء سينمار, وذلك حينما صوت شيعة البحرين لاستقلال البحرين وأعلنوا عدم انضمامهم لإيران الشاه في عام 1971م, وبهذا يكون قد خسر الملك التعيس هذا ركناً مهماً من أركان عرشه وربحت إيران تلك الهدية الثمينة التي قدمها لها العميل المُرتعب صنيعة الإنجليز.
ومنهم من اعتبر إيران على أنها دولة لدودة قوية وطامحة وهي الآن تحتل جزره الثلاث, وإن أحمدي نجاد قد استفزهم من خلال زيارته الميدانية إلى جزيرة أبو موسى, ولكن مع هذا يمكن التفاهم مع الإيرانيين وحل جميع المشاكل العالقة معهم عن طريق الحوار أو حتى عن طريق محكمة العدل الدولية, أولاً بذريعة أنهم لا قبل لهم بمواجهة إيران, وثانياً يرى أن خطورة إيران هي قطعاً لا تضاهي خطر تنظيم الإخوان المسلمين, ولهذا يجب ركن قضية إيران جانباً في الوقت الحاضر والتفرغ لمواجهة الخطر الاخونجي الداهم وخوض معارك خلفان الدينكشوتية.
وهنالك من بلع خازوق صباحي أصلي كان من صنع يديه وحياة عينيه, وبات ينطبق عليه مقولة (دبور زن على خراب عشه) فبعد أن كان صدام حسين المقيد أممياً جاراً له؟ أصبحت إيران الفارسية المتغولة الطامعة الطامحة المتعجرفة والمُتأهبة تجاوره برياً وعلى مرمى حجر من قصر مشرف, وذلك بعد أن سعى بكل ما استطاع من مال وخبث وتأليب وتحريض لتدمير العراق, ولما تحققت أمنيته الشيطانية تلك بتدمير بلاد الرافدين, انقلبت الآية عليه وجرت الرياح السياسية على غير ما تشتهي سفنه البحرية وأتت التغييرات المذهبية وحتى الجغرافية على عكس ما تمنى, فأصبحت طهران جارة له تحده برياً وميلشياتها الشيعية الضاربة قادرة على إعادة الكرة مرة أخرى, فأعادت له سيناريو وذكريات الهروب الكبير إلى الخفجي.
وهنالك من نأى بنفسه واتخذ موقف الحياد أو التجاهل والابتعاد عن المشاكل كعادته, ورفع شعاره الدائم (طنش تعش تنتعش) فلم يعد يأبه أو يهتم كثيراً بكيان ذلك المجلس الخليجي الهش, وشخصياً لا ألوم السلطان قابوس إذا ما تجاهل كيان (حلف الإخوة الأعداء) واعتزل تلك الفتن التي لم تجلب للشعوب العربية وشعوب المنطقة غير الموت والدمار وخراب الديار, فلو حظينا بمواقف حيادية حذرة ورصينة منضبطة كمواقف قابوس لما حدثت ثلاثة حروب دموية في المنطقة, والرابعة باتت وشيكة على الأبواب.
وبالإضافة إلى ذلك الهلع والرعب الحكومي من الخطر الإيراني الداهم والمُهدد لديمومة العروش الإنجليزية العتيدة, وجدت بعض الأنظمة الخليجية وعلى رأسها السعودية الذريعة أو المسوغ لجعل من البعبع الإيراني شماعة أو بمثابة السلاح الرادع أو (الخريعة) لأي شخص يُفكر مجرد تفكير بمُعارضة حكم آل سعود؟
وذلك من خلال التلويح بالبعبع الإيراني واتهام كل مُعارض للنظام السعودي على أنه مدعوم وممول مالياً من قبل العدو التقليدي الإيراني, وقد أستطاع ابن سعود أن ينجح في الترويج لتلك الأكاذيب وكذلك التغرير بعقول الكثيرين من خلال العزف الدائم على وتر الطائفية والمذهبية البغيضة, علماً أن غالبية شعبه من سكان المنطقة الشرقية الغنية بالنفط هم على المذهب الشيعي!
علماً أن آل سعود مازالوا يحتفظون بعلاقات دبلوماسية وتعاون استخباري وثيق مع الإيرانيين, فقبل نفوق نايف بن عبد العزيز بشهرين التقى برئيس الاستخبارات الإيراني, وقد استقبله بالأحضان وجلسا معاً وتبدلا الأخبار والمعلومات بحضور مقرن ولد بركة.
وقبلها بعدة أشهر رست البارجة الحربية الإيرانية التي كانت تحمل الأسلحة للنظام السوري في ميناء جدة, وقد تم تزويدها بالوقود السعودي قبل أن تغادر وتكمل مسيرتها نحو ميناء طرطوس السوري, وقد شكر الإيرانيون آل سعود على تزويد بارجتهم الحربية بالوقود.
ومع هذا لم نسمع لأبواق آل سعود أي حس بل بلعوا ألسنتهم وصمتوا صمت القبور, بينما يحلوا لآل سعود اتهام الخصوم بالتعاون مع إيران ويعتمدون في ذلك التسويق الرخيص على الشحذ الطائفي في استغلال سذاجة وحمق فئة كبيرة من أبناء الشعب, حيث يحركون في داخلهم مشاعر الكره ونوازع البغض والحقد المذهبي فيتبعهم كل ناعق جاهل وكل خائب مأجور.
فأصبحت شماعة الدعم الإيراني جاهزة ومعلبة, بل وزاد عليها اتهام كل مخالف للسياسة أو المنهج (الوهابي) على أنهُ رافضي المذهب أو صوفي قبوري, وأخيراً برزت تهمة جديدة ومعلبة وهي اتهام الخصم بأنهُ إخونجي, وتلك التهم والهرطقات أصبحت من مضحكات آل سعود وزبانيتهم, ولن تفاجئ حينما تجد أتباع آل سعود وهم يكفرون ويبدعون أي شخص لا يتبع آل سعود أو لا ينساق خلف تعاليم كنيستهم النجدية حتى جعلوا من "نجد مُسيلمة" أرض العسل واللبن والمن والسلوى!
فأي شخص يخالف آل سعود ويكشف زيفهم فهو في نظر هؤلاء صنيعة إيرانية ويتلقى الدعم من طهران!
فأصبحت إيران هي العدو وهي البعبع وهي المشكلة وهي الحل بنفس الوقت للنظام التعوسي, فأسهل طريق لأجهزة النظام الأمني السعودي في حال أرادوا التخلص من إزعاج لأي منتقد أو داعية أو مُعارض هو القدح في دينه أو مذهبه ورميه بتهمة الرفض, أو اتهامه بشكل عام بأنه مدعوم من قبل إيران.
ولطالما نجح النظام السعودي في تسويق تلك الأباطيل الجوفاء من خلال استغلال الخطر الإيراني لدى شرائح كبيرة من أبناء الشعب المغيبين, إلا أن الهاجس الإيراني هذا قد تحول لاحقاً إلى فوبيا مرضية ملكية, فأصبح نظام آل سعود لا يتورع من اتهام أقرب الناس إليه بـ(الأيرنة) فيرميه بتهمة تلقي الدعم من قبل ملالي طهران, وهو الأمر الثاني الذي دعاني لكتابة هذا المقال, وهو وصول فوبيا إيران إلى فراش وغرف نوم آل سعود!
فقبل فترة وجيزة وبخت الأميرة السعودية بسمة بنت سعود من قبل النظام السعودي, والتي تعيش حالياً في لندن والعاشقة للأضواء والمُحبة للظهور الإعلامي, وذلك بعد ظهورها المفاجئ على قناة العالم الإيرانية, مما اضطرها للاعتذار لاحقاً للأسرة عن خطئها الاستراتيجي, لأنها لم تعرف حقيقة أهداف تلك القناة الإيرانية حسب قولها, وأن القناة قامت بتحريف تصريحاتها, وقد أتى التوبيخ أوكاله.
إلا أن ما جاء في التصريحات الأخيرة للأميرة السعودية الأخرى سارة بنت طلال إلى صحيفة التليغراف, والتي طلبت مؤخراً حق اللجوء السياسي إلى بريطانيا, قد قلب الطاولة على رأس آل سعود, وأثبت من خلال تصريحها أن آل سعود باتوا يُعانون فعلاً من فوبيا أو عقدة إيران فأخذوا يشكون حتى في أقرب الناس إليهم وهن نساء قصورهم, بحيث باتوا يرتابون حتى بالأميرات السعوديات!
فقد ذكرت الأميرة السعودية سارة بنت طلال بن عبد العزيز أنهم قد اتهموها بتلقي الدعم من قبل إيران!
إذن من الآن فصاعداً على كل مخالف أو مُعارض لآل سعود أن لا يقلق كثيراً من فرية وتلفيق تهمة رخيصة كالادعاء أنهُ مُتعاون مع إيران أو يتلقي الدعم من قبل ملالي طهران, مادام النظام السعودي الأرعن قد خرج عن طوره وبدأ يتهم الأميرات السعوديات أنفسهن بتلقي الدعم من قبل إيران, وهو ما حصل مؤخراً مع حفيدات عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود.
لأن النظام السعودي بدأ يفقد توازنه ويترنح, وهو يشعر أن خطر الإيرانيين بات ملموساً وداهماً ومهدداً لبقائه, فأصبح شبح إيران يطارد آل سعود في كل مكان, ولهذا لم يوفروا حتى الأميرات السعوديات من تهمة التآمر مع إيران على قلب الحكم.
ورب سائل يقول : وهل تُشكك بخطورة ومطامع إيران؟
وجوابي سيكون بالتأكيد لا, لأن إيران أصبحت قوة متغولة وشرسة ومنفلتة وباتت تشكل خطراً حقيقياً على مصير ومستقبل دويلات أو أنظمة كراتين الخليج, لكن السؤال المقابل هو : من أوصل إيران لتلك القوة الغاشمة؟
ومن هو الذي تآمر على دور العراق كدولة رادعة فشارك في تدميرها لكي يفسح الطريق لإيران المنهزمة لكي تسيطر عليه ويمتد نفوذها حتى وصل إلى الشام؟
من هو الذي كان يدعم المعارضة العراقية الشيعية ويستقبلهم في فندق صلاح الدين في الرياض, ويمولهم بملايين الدولارات؟
من هو الذي أطلق إذاعة (صوت العراق الحر) من جدة ونصب لها مرسلات إذاعية على حدود العراق لخلخلة نظام صدام حسين في العراق؟
ومن شارك في حصار العراق لمدة 12 عاماً وإنهك شعبه, وأقر خطوط العرض الخاصة بالحظر الجوي على العراق, بحجة حماية الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال؟
بل من هو العميل الرعديد الفاسد اللص الذي تخاذل وفشل طوال أربعة عقود من أن يبني جيشاً عقائدياً محترفاً وقوات حقيقية ورادعة لإيران ولغير إيران؟
شخصياً أرى أن على ملالي إيران أن تضع نُصباً لتماثيل حكام الخليج في شوارع ظهران تقديراً لهم ولجهودهم الجبارة في تدمير العراق, فهؤلاء الرعاديد هم من جعل إيران تتغول وتفرد عضلاته على الشعوب العربية في منطقة الخليج العربي, وهم نائمون في العسل ويتسابقون في إطلاق القنوات الفضائحية وخوض مسابقة مزايين الإبل ورقصة اليولة, ومُعتمدين اعتماداً كلياً على بساطيل مارينز ماما أمريكا في حماية عروشهم وإدامة كروشهم.
وليعلم آل سعود أن مرحلة البروكسي قد انتهت, فلم يعد هنالك أطراف تستطيع الذود عن آل سعود بالوكلة, فمرحلة الحروب بالنيابة قد ولت, فلا أمريكا المُنهارة مستعدة للدفاع عن عرش آل سعود ولا حتى العراق قادراً أو يقبل مبدأ الدفاع عن العرش السعودي كما حصل أبان حرب الخليج الأولى.
أذكر أني شاهدت كلمة للملك السعودي فهد بن عبد العزيز في عام 1990م, وهو يبرر قرار جلبه للقوات الأمريكية, ويسرد مواقفه المشرفة مع الجاحد صدام حسين, وكيف أنهُ وقف مع العراق في حربه الدموية مع إيران, ودون أن يشعر فهد ذكر معلومة تدينه قبل أن تدين صدام؟
حيث ذكر الملك فهد من ضمن ما ذكر عن مراوغة وكذب صدام حسين حسب قوله, أنه ذكر :
(أن السعودية كانت تدفع مبلغ 20 ألف دينار عراقي لكل شهيد عراقي يسقط في الحرب مع إيران!).
ثم قال : (وقد وصلتنا معلومات مؤكدة أن صدام حسين كان يعطي 10 آلاف دينار عراقي فقط لأسرة الشهيد ويأخذ الباقي, ومع هذا سكتنا ولم نتكلم في حينها!).
وهنا يثبت الملك فهد على أنهم دفعوا صدام أو ورطوه في تلك الحرب الضروس, ثم سرعان ما تآمروا عليه حينما دخل الكويت, والمخزي أنهم اليوم يتباكون على ذكراه وهم من قدمه قرباناً على مذبح واشنطن وطهران, ثم عادوا ليرقصوا العرضة النجدية مع سيدهم السفاح جورج بوش!
إذن بعد الآن لن يجد آل سعود صداماً آخر ليكون مصداً لهم ورادعاً لإيران, ومصر مبارك تغيرت فأصبحت مصر مرسي, ولن يخوض إخوان مصر حرباً بالنيابة عن السعودية أو الخليج وهو يُعاملونهم كحشرات موبوءة, وحتى اليمن في وضعها الحالي لن تكون بروكسياً عراقياً آخر للذود عن كروش آل سعود.
لم يبقي سوى الرهان على قوة أمريكا وإسرائيل؟
أما أمريكا فقد تجرعت السم الزعاف كما تجرعه الخميني من قبل في العراق وحتى في جبهة أفغانستان, ولن تكرر حماقاتها حتى ولو نجح الجمهوريون في الانتخابات القادمة.
وأما دويلة المسخ إسرائيل فأقصى ما تستطيعه هو ضرب المفاعلات النووية الإيرانية من خلال ضربة جوية, وهي بهذا تكون كمن فتح عش الدبابير على نفسه وعلى دويلات الخليج, ناهيك عن العلاقة التاريخية القديمة والوثيقة بين الفرس واليهود, فمازال اليهود يحفظون المعروف للملك الفارسي كورش الأكبر الذي حررهم من الأسر البابلي العراقي وأعادهم لبلادهم.
مع هذا فإن الحرب في المنطقة قادمة لا محالة ليس لأن أمريكا ترغب بها, ولا لأن إيران شغوفة بها, ولا أيضاً لأن إسرائيل قادرة على خوضها لوحدها؟
بل لأن إيران باتت تُعاني جراء ويلات الحصار الاقتصادي وآخرها كان الحظر النفطي, وبدأنا نسمع مقولات تهديد ووعيد شبيهة بمقولة صدام حسين الشهيرة (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق).
فباتت تلك المقولة تتردد على ألسنة الإيرانيين وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن هذه المرة الأطراف تعددت والمساحات توسعت, بل صرح أحد المسؤولين الإيرانيين اخيراً أن السعودية وعدت وزير النفط الإيراني رستم قاسمي بعدم تعويض النفط الإيراني لكنها حنثت بوعدها وزادت من انتاجها!
ولهذا فإن حرب الخليج الرابعة قادمة لا محالة ليس لأن الأطراف المتخاصمة ترغب بخوض الحرب؟
بل لأن المنطقة أصبحت عبارة عن برميل بارود في داخل حقل ألغام ولا مناص من المواجهة سواء باندلاعها صدفة بسبب خطأ بسيط أو بسبب اليأس والذهاب نحو حافة الهاوية.
فالولايات المُتحدة الأمريكية جلبت حاملات طائرتها العملاقة وبوارجها الحربية إلى منطقة الخليج العربي, وهي تحتفظ الآن بحاملة الطائرات – اينتربرايز داخل مياه حوض الخليج وكذلك لديها حاملة الطائرات - جون سى ستينيس - في خليج عُمان, ولديها أكثر من غواصة ضخمة وأيضاً هنالك ثمان غواصات صغيرة آلية بدون طاقم مهمتها تفجير الألغام البحرية عن بعد.
وإيران بالمُقابل لديها عدة غواصات روسية قديمة وهي تنصب شبكة صواريخ أرض – بحر متطورة, كما تهدد بزرع مضيق هرمز بملايين الألغام البحرية, وحتى لو كانت تهديدات إيران جوفاء ومجرد ثرثرة وهياط فارغ, فالأيام القادمة تنذر بالمواجهة الحتمية بين البحرية الأمريكية وبين قطعات إيران البحرية, لأن هنالك حالة من الهلع تنتاب جنود البحرية الأمريكية والدليل أنهم أطلقوا ليلة الأمس نيران مدافعهم على زورق صيد إماراتي كان طاقمه من العمالة الهندية, وهي إشارة على قرب اندلاع المواجهة بين الطرفين والأمر لا يحتاج إلا خطأ عارض كما حصل ليلة البارحة مع الزورق الإماراتي.
فكل الدلائل والتداعيات تقول أن هنالك مواجهة قادمة لا محالة خلال الأشهر القادمة, فالأمريكان والإسرائيليون يزعمون أن إيران ستنتج قنبلتها النووية خلال عامين على أكثر تقدير, وهم سبق وقالوا في عام 2006م أن إيران ستتمكن من انتاج قنبلة نووية في عام 2012م, ويبدو أن إيران تعاني من مشاكل تقنية في تصنيع القنبلة النووية.
وإيران يمكن لها تحمل الحصار الاقتصادي لكنها قطعاً لن تتحمل الحظر النفطي على بترولها وغازها, مع أن أمريكا سمحت لـ 7 دول باستيراد النفط الإيراني ربما لتخفف الوطء عن طهران وتحاول أن تنفس عنها الاحتقانات الداخلية, ولكن هل سترضى طهران بخنقها نفطياً وهي ترى ناقلات النفط السعودية العملاقة وهي تمخر عباب مضيق هرمز وتبقى صمتة وهي تتحسر على نفطها؟
أشك في ذلك حتى ولو كانت أعصاب إيران من ثلج, ولهذا ستشهد المنطقة مشاكسات واستفزازات إيرانية غير متوقعة, وربما ستكون شرارة تلك المناورات قابلة لإشعال حرب طاحنة في منطقة الخليج, وكما قال الشريف الرضي :
تَوَقّعُوها فقَدْ شَبّتْ بَوَارِقُهَا *** بعارض كصريم الليل مدجون
أما آل سعود فأقول لهم أربطوا السراويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-07-17
الثلاثاء, 10 يوليو 2012 15:22

آل سعود وعقدة النقص من المصريين!

منذ أن قام إبراهيم باشا بمسح عاصمة أحفاد مرخان -الدرعية- من على الخارطة وآل سعود مرتعبون من عودة مصر لدورها الطبيعي
كان عبد العزيز بن سعود يخشى كثيراً من مكانة مصر ويشعر بالنقص أمام هيبة ملوكها وقد أوصى أبنائه بالحذر الدائم من المصريين
وقد سار أبناء عبد العزيز كل من سعود وفيصل على نفس النهج فكانوا على الدوام يثيرون القلاقل ويحيكون المكائد أمام نهضة مصر
واليوم يسعى آل سعود جاهدين لجعل مصر الجديدة عبارة عن نظام هزيل خانع لهم كما كانوا يفعلون أبان حكم المخلوع حصني مبارك
ربما يتساءل الكثيرين عن السر الذي يجعل آل سعود ينقمون كل تلك النقمة على المصريين ويظهرون كل هذا الحقد والبغض ضد حكام مصر المُستقلين, علماً أن مصر وشعبها هم على مذهب أهل ألسُنة والجماعة وهي بعيدة جغرافياً عن السعودية وليس لها تماس حدودي مع مملكة آل سعود, فلماذا يستهدفون مصر تحديداً ويتحسسون من دورها الإقليمي بينما يوفرون حقدهم ومكرهم ويتجاهلون العدو الصهيوني!؟
الحقيقة أن عقدة آل سعود من الدور المصري قديمة وموغلة فهي تعود لأيام حكم محمد علي باشا الذي سقاهم كأس المر والهوان فأسقط دولتهم الفتية وحكم جزيرة العرب لمدة 23 عاماً, حيث استطاع ولده البكر إبراهيم باشا أن يزيل الحكم الوهابي بحد السيف ويهدم عاصمتهم الدرعية, فجعلها أثراً بعد عين.
ليس هذا فحسب بل جلب إبراهيم باشا أميرها المهزوم عبد الله بن سعود أسيراً لمصر هو وحريمه ورهبان كنيسته من أسرة آل الشيخ, ولهذا أصبح المصريين يمثلون كابوساً رهيباً بالنسبة لآل سعود, كيف لا وهم من أنهى حكم أسرتهم الأولى وحمل حاكمها عبد الله بن سعود ذليلاً مُهاناً إلى اسطنبول ليعدم هناك بالخازوق العصملي أمام مسجد آيا صوفيا في اسطنبول.
كانت دولة الخلافة العثمانية في حينها قد سئمت من تعديات الوهابيين فأرسلت لهم كيخيا العراق (الكتخدا علي) ليزيل إمارة الوهابيين الذين عاثوا في طريق الحج قتلاً وفساداً, وبدؤوا يغيرون على تخوم العراق وينهبون مدنه وقراه ويقطعون سبيل المارة, ففشل الكخيا علي بسبب تخاذل ضباطه وشراء ذمم بعضهم من قبل سعود بن عبد العزيز, وكذلك بسبب تآمر أحد بشوات الكيخيا وهو عبد العزيز الشاوي مع ابن سعود, فآثر كيخيا العراق الانسحاب بعد أن أدرك أن النصر لن يكون حليفه, ولهذا سلم عبد العزيز وولده سعود من الفناء المحتوم, لكن سرعان ما أرسلت دولة الخلافة العثمانية الأوامر إلى والي مصر الصنديد محمد علي باشا ليقوم بالمهمة ويقضي على تلك الشرذمة الباغية التي عاثت في الأرض فساداً.
وقد نجح ولده إبراهيم لاحقاً بالقضاء على حكم آل سعود, ولهذا يحق لهم ليوم وغداً الخوف والرعب من عودة الدور المصري إلى الريادة, فما فعله إبراهيم باشا بآل سعود وآل الشيخ ولدت لديهم ولدى أبنائهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم عقدة نقص أزلية باتت تقض مضاجعهم وتطاردهم وتجعل قلوبهم ترتجف في حال نبوغ أو ظهور لأي نهضة مصرية.
وما دعاني اليوم للكتابة في هذا الموضوع التاريخي, هو ترويج الصحف السعودية لخبر زيارة الرئيس المصري الجديد محمد مُرسي إلى السعودية, وإدعاء وسائل إعلام آل سعود أن مرسي قرر أن يزور السعودية كأول محطة له بعد فوزه بالانتخابات, مُلمحين على أن رئيس مصر بات مرغماً على المجيء إلى السعودية وهو صاغر لإبداء الولاء لملكها المهبول!
ومما يؤكد ذلك الزعم المريض هو قيام صحيفة الشرق الأوسط السعودية المملوكة لولي العهد السعودي سلمان بن عبد العزيز, بنشر خبر على واجهة الصحيفة يبشر بزيارة الرئيس مرسي المُرتقبة يوم الأربعاء للسعودية, مع وضع صورة مهينة ومتعمدة لمؤسس حركة الإخوان المصريين حسن البنا وهو يُقبل يد عبد العزيز بن سعود!
وهم هنا يتعمدون إهانة الشعب المصري عندما وضعوا تلك الصورة القديمة والمهينة لحسن البنا وهو مطأطأ الرأس ويُقبل يد عبد العزيز بن سعود, وكأنهم يرددون مقولة خرف دبي الشهير (ضاحي خلفان) الذي قال في إحدى تغريداته على موقع تويتر :
(أن مرسي سيأتي حبواً إلى الخليج وسيقبل يد الملك عبد الله كما قبل حسن البنا يد عبد العزيز)!؟
طبعاً الرئيس محمد مرسي سيبلع تلك الإهانة الصارخة كعادة الإخوان الانتهازيين وسوف يشرب خلفها كوباية مية, لأنهُ الآن في مرحلة ما يُسمى (إذا كان لك حاجة عند الكلب؟ قل له يا سيدي).
لكن للأمانة يجب أن أوضح عدة أمور نصرة لأشقائنا في مصر وشهادة للتاريخ؟
أولاً رغم خلافي وبغضي لمنهج الإخوان المُتزلفين, لكن يجب احترام الرئيس المصري محمد مُرسي, ليس لأنهُ إخوانياً تشبع بمبادئ التملق والانتهازية, ولكن لكونه أصبح رئيساً لجمهورية مصر العربية ونزع عن كاهله رداء الإخوان حتى ولو شكلياً, وعليه وجب التنويه؟
أولاً الرئيس المصري محمد مرسي لم يطلب زيارة السعودية ولا حتى مقابلة الملك السعودي كما روجت صحف وعبرية آل سعود؟
بل أن السفير السعودي في مصر أحمد القطان بنفسه هو من طلب مُقابلة الرئيس المصري محمد مرسي, وحينما وافق الرئيس المصري على مقابلته, أبلغه تهنئة الملك السعودي, وحمل له دعوة رسمية من قبل الملك عبد الله لزيارة السعودية؟
وأي رئيس في العالم مهما كان فجاً وممتعضاً أو غير آبه, لا يستطيع رد دعوة وجهت له من قبل ملك يزعم أنهُ خادم للحرمين, وهذا لا يعني تأييدي لموافقة مرسي على لقاء من تآمر ويتأمر على مصر صبح مساء, ولكن هو توضيح للقراء ولبعض السذج التي طاروا وصدقوا أن مرسي سيحط رحاله ويقبل يد الأطرم عبد الله كما فعل حسن البنا, وصدقوا البروغاندا السعودية الرخيصة.
ومن لا يصدق ما أقول؟
ليرجع لتصريح السفير السعودي في القاهرة أحمد القطان, الذي قال بلسانه أنهُ هو من حمل الدعوة الرسمية الخاصة من قبل الملك عبد الله للرئيس المصري محمد مرسي لزيارة السعودية ومقابلة الملك السعودي, وقد وافق الرئيس المصري وحدد لهم اليوم المُناسب.
هذه النقطة الأولى التي وجب توضيحها وفضح أكاذيب الإعلام السعودي الرخيص, أما الأمر الآخر وهو مُحاولة إظهار المصريين على أنهم مُتهالكين وتابعين خانعين لآل سعود من خلال وضع صورة حسن البنا وهو ينحني لتقبيل يد عبد العزيز؟
فصحيح أن هنالك بعض المصريين ممن أدمنوا التملق ومازالوا يتملقون آل سعود وهم مستعدون للعق الجزم في سبيل الحصول على طفسة ريالات سعودية, وشعارهم الدائم (أكل العيش صعب والرزق يحب الخفية), ولكن غالبية أبناء الكنانة شرفاء وكرماء نفس وأصحاب عزة وسمو ولن يرضوا بالذل والهوان, ودلائل التاريخ ثابتة وواضحة, فمن استرجاع أراضيهم المُحتلة من قبل إسرائيل إلى خلعهم للطاغية مبارك وكلها دروس وعبر مصرية عظيمة في مبادئ العزة والكرامة موجهة لكل فاقدي الشرف والكرامة.
والسؤال هو هل يُمثل حسن البنا من خلال تلك الصورة المزرية الشعب المصري؟
بالقطع لا؟
فحسن البنا لم يكن حاكماً لمصر, ولم يكن ملكاً عليها أو رئيساً ولا حتى وزير؟
كان مواطناً مصرياً بسيطاً وطامحاً وقد استُغل ابشع استغلال من قبل زبانية ابن سعود, وذلك من خلال أحد ابناء جلدته المُستخذى سعودياً وهو حافظ وهبة؟
وحافظ وهبة هذا مواطن مصري ولكنه شخص انتهازي رخيص, سبق وأن عاش في الكويت ودعم الشيخ الجليل محمد الشنقيطي في تحريض الكويتيين على الإنجليز, وحينما جد الجد وأتت الأفعال ذهب الشيخ الشنقيطي يُقاتل مع جيش الدولة العثمانية ضد الانجليز في معركة الشعيبة في البصرة, بينما تملص حافظ وهبة وهرب لاحقاً إلى عبد العزيز بن سعود وأصبح أحد زبانيته وأحد مراسيله إلى الإنجليز!!
إذن حسن البنا فقد اُستغل من قبل أبن جلدته حافظ وهبة لغرض تجميل صورة عبد العزيز بن سعود هذا من خلال الترويج له ومنحه هالة وقدسية لدى بسطاء المصريين ليكون خليفة مزعوم للمُسلمين, وبهذا يسحب البساط من تحت أقدام الملك فؤاد ويهمش دور مصر التي تقلق آل سعود.
وهنالك من يعتقد أن الغرض من مهمة حافظ وهبة هي دعم التنظيمات الإسلامية في مصر كي ينشغل الملك فؤاد بشؤونه الداخلية ويتورط مع جماعة الإخوان وغيرها من تنظيمات إسلامية, لكي يذوق ما ذاقه عبد العزيز مع إخوان من طاع الله.
وهنالك من يعتقد أن مهمة حافظ وهبة كانت مُجرد مهمة رسمية عادية الغرض منها جلب مُدرسين مصريين ملتزمين دينياً لغرض غسيل أدمغة أتباع إخوان من طاع الله المُتشددين ولا يقدر على تلك المهمة سوى مطاوعة مصر المُنفتحين, لكن من يعرف شخصية ودور حافظ وهبة لن يحسن الظن أبداً في أدواره الخبيثة.
ولهذا كانت علاقات الخبيث حافظ وهبة ممثل عبد العزيز الخاص وثيقة جداً ووشيجة ببعض مشايخ مصر مثل الشيخ رشيد رضا والشيخ محب الدين الخطيب, بل ساعد حافظ وهبة الشيخ أحمد البنا مالياً وقام بتمويل طباعة كتابه (فتح الباري) وهو بالمناسبة والد الشيخ حسن البنا, إذن حينما نرى تلك الصورة الأرشيفية التي يظهر فيها حسن البنا وهو يُقبل يد عبد العزيز فقطعاً هو لا يمثل إلا نفسه, ولعله كان يرد المعروف السعودي بطريقته الخاصة.
لكنه قطعاً لا يمثل الشعب المصري العزيز الكادح ولا يتحمل أبناء المحروسة ولا حتى الحكومة المصرية تبعات أرشيف الخضوع وتقبيل الأيادي, ولكن اختيار صحيفة الشرق الأوسط لتلك الصورة المهينة تحديداً وفي هذا التوقيت حصراً, كان القصد منها الإيغال في الإهانة وتعميم الاساءة على كل المصريين الأغيار, وعليه فمن حق المصريين أن يردوا على تلك الإهانة المُتعمدة والمزرية, فلديهم أرشيف كامل وعدد كبير من رسائل التذلل والاستخذاء السعودي التي كان يرسلها عبد الله بن سعود لسيده محمد علي باشا, وكذلك خطابات عبد الله بن فيصل بن تركي إلى سيده الخديوي عباس, وكلها ممهورة ومختومة بتوقيع خادمكم وعبدكم المطيع ابن سعود, وبإمكان أي باحث أو أي صحفي مصري يذهب إلى المتحف المصري ويظهر للقراء مدى الاستخذاء السعودي والتوسل والإذلال لحكام وملوك مصر.
بل أيام حكم الملك فاروق كان لا يجوز جلوس أمراء آل سعود باستثناء أبيهم عبد العزيز في حضرة الملك فاروق, وهنالك صورة للملك فاروق وهو يجلس على الكرسي وخلفه يصطف الأمراء السعوديون على رأسهم فيصل بن عبد العزيز, وهنالك صورة يظهر فيها من يقبل يد الملك فاروق.
وربما ما ذكره عبد الله بن فيصل صاحب مغامرات الفسق والمجون الشهير, حينما أراد حضور حفلة أم كلثوم, وصادف أن طاولته كانت بجانب طاولة الملك فاروق, فغادر القاعة ولكن صادف خروجه مع دخول الملك فاروق للقاعة فقام عبد الله بن فيصل بالإنحاء للملك فاروق, وهذا أبلغ رد وأوضح دليل على الخضوع السعودي الكامل لملوك مصر.
أخيراً يلوم الكثير من المصريين وحتى من العرب الرئيس المصري الجديد محمد مرسي على تغاضيه عن الإساءات والتدخلات السعودية السافرة في الشأن السعودي أبان فترة الانتخابات الرئاسية, ومع هذا قبل دعوة الملك السعودي وسيذهب للقائه رغم الاستفزاز السعودي للمصريين من خلال نشر تلك الصورة المهينة لحسن البنا؟
فأقول وأنا المُحايد, أولاً من حق أي رئيس مصري جديد جاء للسلطة ووجد أن ميزانية البلد في حالة إفلاس تام وأمامه فرصة ومشروع حيوي لحلب البقرة السعودية بحيث يمكن من خلالها أن يعيد الحياة لاقتصاد مصر, فلا يجوز أن يتهاون أو يتأخر ويضيع تلك الفرصة الذهبية.
لأن آل سعود في هذا الوقت العصيب هم من في حاجة ماسة للرئيس المصري محمد مرسي وليس العكس, بينما مُرسي لديه عدة بدائل ربما من أهمها البقرة الإيرانية, وعليه فبدلاً من أن يذهب حليب السعودية إلى لبنان واليونان وووالخ, وتبقى الأموال مرصوفة في بنوك أمريكا وأوربا, فليشرب الشعب المصري من ضرع تلك البقرة المرخانية الهبلة حتى يشبعوا, فهم أخير وأحق من غيرهم وصحتين وعافية.
وأخيراً أقول لجماعة الإخوان اعلموا أن التزلف والانتهازية لن تنفعكم, وأن الكرامة وعزة النفس فوق كل شيء, ومهما تملقتم وحابيتم وانبطحتم لآل سعود سواء الآن أو في السابق أبان المرحلة الناصرية, فقد جاء وقت فركلكم آل سعود وتخلوا عنكم لأنكم تخليتم عن كرامتكم وعن شعبكم في سبيل مصالح دنيوية وخدمة أجندة سعودية, كان آخرها ظهور مرشدكم وهو يقبل يد عبد العزيز!
اللهم لا شماتة والعاقبة للمتقين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-07-10

عندما سمعت نبأ نفوق السفاح نايف حمدت الله وشكرته على نعمته وعلى كرمه وفضله فسهام الليل لا تخطأ اهدافها أبداً
لقد ظن الغشوم الغرور نايف أن آلهته أمريكا تُحيي وتُميت وأنها ستنصبه ملكاً, فنفق التعيس قبل أن يصدق وعد سيدته!
ولم أفاجئ بصياح ونباح وعويل النائحات المُستأجرة فقد فطس كبيرهم الذي علمهم الخسة والغدر وأرضعهم الدناءة والعهر
أبارك لشرفاء وأحرار جزيرة العرب وخيار المشايخ المغيبون في سجون السفاح وأسألهم أن يحمدوا الله وأن يمضوا قدما في جهادهم
وها قد نفق كلب أمريكا نايف وبقي جروه محمد يعوي وحيدا في الداخلية فبشر القاتل بالقتل ولو بعد حين يا نقار الخشب
نفق يوم أمس أحد أفضل كلاب أمريكا البوليسية بالمنطقة وهو العميل السعودي الرخيص نايف بن عبد العزيز, وقد جاء خبر نفوقه صادما لكل كلاب أمريكا في المنطقة, بل أن الخبر وقع كالصاعقة على أمريكا وقد أحزن باريس ولندن, واعتبروا أن خسارته كبيرة وقاسية!
كيف لا والنافق كان من أهم وأوفى كلاب أمريكا والغرب في المنطقة, فتخيل معي أن يكون لديك كلب بوليسي مهجن في مزرعتك ويقوم بالنيابة عنك بكل العمليات القذرة وأنت مرتاح بمنزلك وتلبس القفازات البيضاء, وفجأة تفاجئ بخبر نفوق ذلك الكلب البوليسي الدموي!
قطعا سوف تشعر بالخسارة وستؤبن ذلك الكلب البوليسي أحسن تأبين نظير لخدماته القذرة, وأنا أعيش في الغرب وأعلم مقدار المعزة التي يحملها الغربيين للكلاب البوليسية والخادمة.
ولهذا فإن فجيعة أمريكا والغرب بفقدان كلبهم الوفي نايف بن عبد العزيز خسارة كبيرة ولا تعوض, ولن نلومهم إذا ما تكدر مزاجهم وتأسفوا على خسارة أحد أهم كلابهم البوليسية في المنطقة.
والمثير أن هذا الكلب السعودي البائس نايف المخذول الذي قدم أفضل الخدمات لأسياده المحافظون الجُدد وروج لما أسموه بمُحاربة الإرهاب الإسلامي, وأصبح ترساً في آلة الحرب الأمريكية على الإسلام والمُسلمين, كان يعتقد أن أمريكا هي ربه الأعلى وهي تعبد من دون الله, وأنها تقول للشيء كُن فيكون, وأنها إذا رضت عنه سيرضى عنه العالم أجمع, فأعتقد ذلك الغرور الغشوم أن واشنطن سوف تنصبه ملكا على رحاب المزرعة السعودية بعد نفوق الملك الجهول عبد الله, وزاده غياً وطغياناً وتفرعنا بعد أن أقرته واشنطن وليا للعهد فلم يعد يرى الأرض!
وكنت قد نبهت جامية ابن سعود ومشايخ البلاط السلولي حينها, أن رويدكم ولا تفرحوا كثيرا لأن سيدكم العميل هذا لن يعمر طويلا وربما سيفطس قبل عبد الله, وأنكم مازلتم تبيعون دينكم من أجل أصنام سعودية نافقة, وأني لأرى علامات الموت ظاهرة على جبين ذلك الخبيث المأفون نايف.
إلا أنهم وكعادة العبيد لم ينصتوا لصوت العقل وطبلوا وزمروا لمن أسموه بأسد ألسُنة!
والسُنة منه ومن جرائمه وعمالته براء.
وهاهم اليوم يفجعون بنفوق هبلهم الأعلى ويصابون بخيبة أمل وخسران وليس أمامهم الآن إلا البحث عن هبل سعودي جديد ليعبدوه كما عبدو النافق المخذول نايف.
والغريب أن النفاق والتلون أصبح سمة عاماً فيمن يدعون التضرر والتظلم من جرائم السفاح نايف, فالشيعة مثلاً أخفوا مشاعرهم العدائية كالعادة مادام تقيتهم شغالة, يعني جاهزة في أي وقت وأي زمان بمجرد ضغطة زر!
ومع الصمت الشيعي الرهيب ما انفك كلاب وسلق نايف يتهمون كل من حمد الله على نفوق هذا المجرم السعودي بأنه إيراني وصفوي ورافضي مندس!
ونسوا هؤلاء الأذناب أن سيدهم المقبور نايف بن عبد العزيز كان قد استقبل رئيس الاستخبارات الإيرانية قبل أسابيع في الرياض للتنسيق الأمني!
كما أن السفلة آل سعود المتباكون على مأساة الشعب السوري, قد سمحوا قبل أشهر للبارجة الإيرانية بالرسو في مدينة جدة والتزود بالوقود, ومن ثم الابحار صوب دمشق لتنزل حمولتها من الأسلحة هناك كي يتم سحق الشعب السوري!
إذن المزايدة علينا بإن آل سعود ضد إيران ومع ألسُنة هو سخف وكلام فارغ ولا يصدقه إلا البغال المُستحمرة, وكل الدلائل تثبت عدم مصداقيته؟
وأما بعض (اليبراليين السعوديين) ولا أقصد المُتلبرلين الجُدد, فقد صمتوا صمت القبور هم أيضاً وربما سيعلن بعضهم الحداد على نفوق السفاح نايف!
وهم أول من رفع الفيتو بوجه المجرم نايف وكتبوا المعاريض رفضا لتعيينه وليا للعهد!
أما أُسر المُعتقلين فلا ألومهم إذا ما أعلنوا الصمت, لأنهم في حالة حصار ومراقبة وتتبع دائم, ولكني أتشرف بأن أبارك لهم وأرسل أجمل التهاني القلبية بزوال ذلك المجرم الدموي الذي أذاقهم الويلات وحرمهم من أحبائهم وفلذات أكبادهم, وإن شاء الله انتقام العزيز الجبار سيكون عادلا ومنصفا لهم ولكل المظلومين من هذا السفاح الملعون.
ولاشك أن في كل بلد أو مجتمع هنالك طبقة انتهازية مُستفيدة من النظام وهؤلاء أطلق عليهم أنا برامكة القصور, والأمر هنا لا يتوقف عند هؤلاء السفلة الشرهون فقط؟
بل هنالك شيوخ وشُرط وكلاب البلاط وهنالك أخويا وخدم وعبيد القصور, وكل تلك النماذج الأرزقية والفئات الخدمية عرفت عبر التاريخ بالموالاة والتبعية لمن يطعمهم, وقد تم التفصيل فيهم ولا جديد في عملية اجترار نفسيات هؤلاء المماليك التُبع أو الأذناب, إلا أن حديثي اليوم يتركز على طبقة قهرية جديدة ظهرت بكثرة في رحاب المزرعة السعودية, وهي طبقة (السعوديون الماسوشيون) أو بالإحرى هم أولئك الضحايا المتعاطفون مع الجلاد أو عُشاق جلاديهم, وهي حالة نفسية مرضية يطلق عليها علمياً مٌصطلح متلازمة ستوكهولم Stockholm Syndrom.

 

ولا أريد أن أغرق في تفاصيل وتفسير تلك الحالة النفسية القهرية ولكن يمكن لأي قارئ البحث عن تفاصيلها من خلال باحث العم جوجل, لكن تعريفها باختصار هو انسياق الضحية خلف الجلاد والتعاطف معه لدرجة العشق, بحيث تتعاطف الضحية مع مُضطهدها فتذود عنه وتوفر له الملجأ الأمن, وقد تضطر للتضحية بالنفس أيضاً من اجل سياط الجلاد!
وتلك الحالة المرضية القهرية تظهر عادةً في مواقف خاصة ومحدودة وهي ليست سمة اجتماعية عامة, لكني شخصياً اكتشفت أنها حالة مرضية مُستشرية في مجتمع المزرعة السعودية!
ربما بسبب الانغلاق والرهبة من النظام والخوف من المجهول والتعلق بسطوة الظالم والنفاح وتضخم الأنا الفارغة فتدفعهم للدفاع عن المجرم حتى باتت حالة قهرية منتشرة بكثيرة في السعودية!
ودليلي على ما أقول هو تلك الحالات التي ظهرت مؤخراً حينما فطس اللص سلطان بن عبد العزيز, وحينما نفق شقيقه السفاح نايف بن عبد العزيز ليلة أمس الأول؟
حيث تكالبت تلك الفئات المريضة نفسياً للذود عن المجرم نايف بن عبد العزيز تحت ذرائع وحج مختلفة سواء كانت دينية أو أخلاقية أو من باب العيب والحرام!
قد يقول قائل إن تلك العينات الشاذة هم أصلا مرتزقة ومباحث مندسون؟
وأقول لا أعتقد؟ لأني أعرف بعضهم كامل المعرفة وهم ضحايا متطوعون, ولو كان الأمر يتعلق بكلاب آل سعود ومُرتزقتهم لما تجشمت عناء الكتابة عنهم, لأن أقدم مهن في التاريخ هي مهنة القوادة والنباح ذوداً عن حياض السادة.
وسأضطر لمُحاكاة هؤلاء العلل المرضية لربما حركت لديهم إحساس العزة والكرامة أو على الأقل أثير لديهم العاطفة والتراحم بينهم وبين أبناء جلدتهم المغيبون في سجون حبيب قلبهم السفاح نايف.
فهل يقبل أي إنسان عاقل سوي ولديه شرف وغيرة وكرامة وعزة نفس وتراحم, أن يرى نساء بلده تعتقل وتهتك أستارها بحجة كبح النشاطات السياسية أو تحت فرية مكافحة الإرهاب؟
وهل يقبل هؤلاء الذائدون عن حياض سيدهم نايف, أن تعتقل نسائهم ويزج بأخواتهم وتهان بناتهم بأوامر قبل هذا الديوث الرخيص نايف الذي عجز عن شكم زوجته العابثة (مها السديري) ولم يستطع منعها حتى من شراء الكلسيونات الباهظة الثمن؟
وهل يقبل أي متدين شريف عفيف أو مطوع نزيه يخاف الله أن يرى خيار مشايخ الدين في البلاد مكبلين ويساقون مثل قطيع الأغنام إلى معتقل الحائر الرهيب؟
وهل تقبل أي إنسانة حرة شريفة بأن تنام مطمئنة بين أحظان أسرتها, وأخواتها وبنات جلدتها ينالهن التعذيب والتنكيل في سجون المجرم نايف, وكل ساعة تهتك أستارهن على يد كلاب الداخلية معدومي الشرف والرجولة, وتحاك لهن التهم بما أنزل الله به من سلطان, كالأخوات المعتقلات : نجوى الصاعدي وهيفاء الأحمدي ووفاء اليحيا وأروى بغدادي ونوير السحيمي وحصة الزهراني وهيلة القصير وحنان سمكري ووو الخ؟
هل يوجد أحد شريف لديه أقل درجة من درجات الرجولة والكرامة أن يرى عجوز كبيرة في السن تضرب وتهان من قبل كلاب النافق نايف, فقط لأنها أرادت زيارة ابنها المتهم زعماً بالإرهاب؟
كما حصل في ضرب وكسر يد والدة الشيخ فارس بن شويل الزهراني المدعوة عزة ناصر الزهراني؟
والله عار وشنار على كل زهراني شريف عفيف أن يرى والدة الشيخ فارس بن شويل الزهراني تهان من قبل نطف سعودية قذرة فاقدة للشرف والرجولة يسترجلون على العزل وعلى عجائز النساء, ويعرف أن هنالك زهراني رخيص يعمل دبوساً في وزارة الداخلية ولا يطأ في بطنه ويقتص لتلك المرأة العربية الحرة الأبية, فلا نامت أعين الجبناء.
والمضحك أن جلاوزة آل سعود وأحبارهم يحاولون استدرار عطف الناس لصالح سيدهم المجرم نايف, بالقول أن الميت لا يجوز فضحه أو شتمه لأنه أفضى إلى ربه, ومن اجترار وترديد حديث ضعيف يقول : إذكروا محاسن موتاكم, وغيرها من ترهات الجامية وأسطوانات الدبابيس المشروخة!
فأسمعوا يا جزم آل سعود وتفقهوا ممن لم يدخل دور علمكم الحكومية المُدجنة ولم يطلب العلم أو يتطوع على يد مشايخكم المنافقين مشايخ الدرهم والريال الذين وصفهم رب العباد في محكم تنزيله :
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) (159). سورة البقرة
أما من يزعم أن ذكر مساوئ الميت الخائن المجرم الفاجر حرام ويجب ذكر محاسنه فقط؟
( يقول النبي صلى الله عليه وسلم وكان جالساً ذات يوم مع صحابته وقد مرت جنازة فأثنى الصحابة عليها خيراً فقال : وجبت، ثم مرت جنازة فأثنى الصحابة رضوان الله عليهم شراً، فقال: وجبت، قالوا: يا رسول الله! مرت الأولى فقلت : وجبت، ومرت الثانية فقلت : وجبت؟ قال: أما الأولى فأثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وأما الثانية فذكرتم عنها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهود الله في أرضه، أنتم شهود الله في أرضه، أنتم شهود الله في أرضه).
إذن وحسب معنى حديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام فنحن شهود الله في أرضه, وأن مسألة كشفنا لجرائم النافق نايف بن عبد العزيز هي حق ومن أسمى الواجبات الشرعية, فلا يجوز الصمت أو الثناء على خائن مجرم سفاح هاتك لستر الحرائر, ويجب الصدح بجرائمه وفضحه لا الدفاع عنه أو التعتيم عليه.
ولهذا فإني أتعبد الله في فضح هذا السفاح نايف كلب أمريكا الوفي, وأجتهد في كشف جرائمه ودمويته لمن يجهله, وأجزم أن أي مسلم حقيقي لا يتبرأ من جرائم نايف ويفضحه ففي إيمانه خلل, وعليه مراجعة نفسه وتجديد إيمانه.
فنايف الهالك كان كلبا بوليسيا وفياً لسيدته العاهرة أمريكا, وقد شارك في سفك دماء مئات الآلاف من المُسلمين الأبرياء في أفغانستان والعراق واليمن والصومال وفي كل بقعة إسلامية تتواجد بها أمريكا, ولهذا تجدهم اليوم يأسفون كثيراً على نفوقه.
فهذا العلج السعودي الرخيص كان يزود جهاز المخابرات الأمريكية - السي آي أيه بأدق التفاصيل عن المجاهدين من كابول وحتى الفلبين إلى جاكرتا, ولم يتورع قط في تقديم المعلومات الشخصية حتى عن المواطنين المدنيين المسالمين لسيدته أمريكا, وقد افتتح مراكز دراسات استخباراتية في الرياض وجدة وحتى في دبي لتعين ماما أمريكا في حربها على المسلمين.
هذا الكلب الأمريكي نايف كان يدس جواسيس مزدوجين أي (مباحث سعوديين) بين الجماعات الجهادية على أنهم مُجاهدين جاؤوا لنصرتهم, فيقومون بالتجسس عليهم وتقديم المعلومات للسي آي أيه, ومن ثم القيام بعمليات إرهابية وينسبونها إلى المُجاهدين, وربما فضيحة الجاسوس السعودي المزدوج الأخير خير شاهد وبرهان على عمالة وأجرام الخبيث نايف وأذنابه.
وهذا غيض من فيض لجرائم السفاح السلوقي نايف, ولو اتسع المجال والوقت لذكرت بقية جرائمه بحق المعارضين السياسيين من سجن وتعذيب وإرهاب ومنع من السفر وطرد من الوظائف ووو لخ.
فعن أي محاسن موتى يتحدث هؤلاء المستخذون؟
نايف وولده المجرم محمد خونة للدين وللأمة, وهم عملاء مجرمون دمويون مع سبق الإصرار والترصد, ولهذا فإن نايف يستحق اللعن والبصق على رمته, لأنه عميل رخيص فاسد ظالم ملعون ويستحق الرجم بالحجارة كما يرجم إبليس, وكل من ينافح عن هذا السفاح النافق إما كلب مأجور من كلابه النابحة, أو مريض نفسي يحتاج لعلاج عاجل.
وليعلم جروه المعقد محمد أن يوم حسابه قد اقترب, وأن تعاطيه المخدرات لن ينفعه بعد الآن ولن تنسيه فظائعه وجرائمه, لأن نقار الخشب أصبح دون منقار, وأصبحت طيور الحر والشواهين قريبة من رمته وستتلقفه.
فقد تعودت الدعاء كل ليلة على هؤلاء الخونة آل سعود حتى أصبح الدعاء طقسا من طقوس الليل عندي, لأني مؤمن أن سهام الليل لا تخطأ هدفها أبداً, وأن الله سبحانه وتعالى كريم جواد ولن يخذل عبده ولن يرد طالبه قط, ولله الحمد والمنة ففي ليلة نفوق نايف دعوت عليه ولم يخب رجائي برب العباد, ويعلم الله أن دعائي على هؤلاء المجرمين ليس من أجلي أو لغرض أو مصلحة خاصة بي.
بل من أجل الحق ونصرةً للمظلومين وكل ما أكتبه لوجه الله خالصاً.
وقد كتبت قبل ثمانية أشهر مقالا في تأبين اللص السعودي العتيد سلطان بن عبد العزيز, وقد وعدت حينها أنني سأؤبن شقيقه المجرم نايف بنفس طريقة التأبين إذا ما أمد الله في عمري, وها أنا ذا اليوم أبر بوعدي لأحفاد مرخان, وسأنسخ لكم ما كتبته في نهاية مقالتي السابقة لتكون عبرة لكلاب نايف وخاتمة المقال :
 (وسيحل الضربون الناقم والسفاح المُجرم نايف محل شقيقه اللص المُبتسم سلطان بن عبد العزيز إلى حين, لأنهُ هو الآخر يُعاني من الشيخوخة والخرف وأمراض شتى, ولكنني أعده إن أطال الله في عمري أنني سأؤبنه مثلما أبنت اليوم شقيقه اللص سليطين بإذن الله.
ولا عزاء لأيتام وأتباع آل سعود خونة الدين والأوطان من العملاء الصغار وعتاة اللصوص.
2011-10-22 ))
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-06-17
من لا يستلهم العبر من التاريخ خائب ومن لا يقرأ الأحداث أحمق ومن لا يتعظ من مصائب غيره أخرق ولا عزاء للمُتخاذلين
حينما تستنعج الأسود المزعومة عليها أن تتنحى جانباً أو تبحث لها عن بيئة مُناسبة للخراف تسوسها حسب مواصفات القطيع
إذا أردت أن تكسر همة الأمم العنيدة عليك أن تجوعها وتجعل جل اهتمامها البحث عن لقمة العيش وبهذا تكون قد أركعتها
بعد تجويع الشعب العراقي وكسر عزيمته بدأت مرحلة تجويع الشعب السوري ومخطأ من يظن أنه سينجح بتجويع النظام السوري
زرت دمشق قبل ثلاثة أعوام وكانت تلك الزيارة هي الأولى لي لبلاد الشام أو سوريا بمفهومها القُطري (بضم القاف), وكانت رؤية العاصمة دمشق للوهلة ألأولى بالنسبة لي رؤية كئيبة وبائسة, وشعرت أنني أمام عاصمة مزدحمة هرمة وشعب مُرهق يسير دون هُدى, وكما قيل أن ترى بعينك خير من أن تسمع, كتبت حينها مقالاً طويلاً عبارة عن تقرير صحفي يُصور تلك الحالة الإنسانية التعيسة, حيث وثقت فيه مُشاهداتي ودونت فيه ملاحظاتي, وأكدت حينها أن النظام السوري وإن نجح نجاحاً باهراً في سياسته الخارجية, إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في إدارة السياسة الداخلية.
كنتُ حينها أتوقع أن النظام السوري برئاسة بشار الأسد سوف يفيق ويلتفت لمُعاناة شعبه ويُصلح ويُحسن من أوضاعهم المعيشية ويوسع مجال الحريات ويسمح بمزيد من الحقوق, مُعتمداً في ذلك على نجاحه في السياسة الخارجية وخروجه من عنق الزجاجة الدولية, ومؤملاً على موقف بشار حينما رفض المُشاركة في مشروع غزو العراق الذي نوقش في مؤتمر شرم الشيخ, وذلك الموقف حينها كان يُحسب له.
وحينما زرت سوريا لأول مرة في حياتي وأنا العابر المار مرور الكرام لاحظت أن ناراً تستعر وتتلظى من تحت الرماد, وذلك من خلال رصدي السريع لحالات التذمر السائدة والشكوى الدائمة من تردي الأوضاع الاقتصادية وتفشي حالات الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة, بينما أزلام النظام وعيونه الذين كانوا يرقبون كل ساكن ومتحرك يبدو أنهم كانوا كالعادة يرفعون له التقارير الأمنية اليومية البراقة زاعمين أن الأمور مُستتبة, وكل شيء تمام, وأن الشعب يعيش في رغد وراضٍ عن النظام وأن كل الجماهير (الهتيفة) تصدح بشعار (منحبك) يا بشار!!
وكنت حينها أتوقع أن الرئيس السوري أذكى من تلك الترهات ويُدرك مغزى تلك المهرجانات النفاقية المُرتبة, وذلك لأنه مازال رئيساً فتياً ومُتابعاً للأحداث وقطعاً سيقرأ ما يدور حوله ويطلع على التجارب السابقة ويتجنب الأخطاء الكارثية التي وقع فيها غيره من الرؤساء والحكام, وافترضت أيضاً أن بشار ألأسد قارئ جيد للأحداث ومطلع ولديه حدس وحس أمني لمعرفة نبض الشارع السوري, وسوف يسارع بمعالجة تلك الكوارث الداخلية, كونه رئيساً شاباً وطبيباً للعيون (وغيرها من حجج اتضح بطلانها لاحقاً), ولابد أن يكون حكيم العيون عادةً ذو خبرة كبيرة في تشخيص أسباب العمى والرمد وحتى الغبش الذي يُصيب عيون البشر وأولهم الرؤساء والحكام العرب قبل غيرهم.
لكن ما جرى أخيراً أثبت أن بشار الأسد لا يختلف عن بقية الحكام الطغاة, وأن الأمور تدار في تلك الأنظمة القمعية المُستبدة من قبل الأقارب والأتباع والأزلام, وأن الرئيس هو مُجرد صورة مُنمقة ومرتبة ليكون واجهة للنظام, بينما جل اهتمامه منصباً حول أموره العائلية والانشغال بالشؤون الخارجية فقط, أما الشؤون الداخلية فتركها لبعض أفراد أسرته من المُتنفذين وهم من عُتاة المُجرمين والفاسدين, فتحولت سوريا إلى ضيعة خاصة لآل الأسد حالها حال بقية العزب العربية والمزارع الخليجية.
ويبدو أن ثالوث النظام السوري بدءاً من الأسد الأب إلى بشار الابن وحتى أصف شوكت الروح المقدسة, فهموا وتأقلموا على أن مفهوم الصمود والانتصار يعني أن تبقى سالماً مًستديماً على دفة الحكم بأي وسيلة وبكل طريقة كانت, وليس أن تستعيد الجولان المُحتل مثلاً, وكانت وجهة نظرهم السائدة أن الشعب السوري هو شعب درويش وقنوع يرضى بأقل القليل, وبإمكانه أن يربط حزام الجوع على بطنه أكثر فأكثر حتى ينقطع وسطه, وأن هذا الشعب المغلوب على أمره قادر على العيش على مادة الفول والحمص والمكدوس إلى أن تقوم الساعة, وأن المواطن السوري بإمكانه أن يوفر ما يحصل عليه من بقايا المازوت فيتدفأ في يوم ويبرد في آخر حتى يمر الشتاء القارص.
هكذا كانت نظرة النظام السوري لأبناء سوريا, أو بالأحرى هكذا كانت نظرة عائلة الأسد للشعب المملوك, ولهذا نجد أن أسرة الأسد عاشت حياة ملكية باذخة وأما أقاربهم وأصهارهم فعاشوا حياة المليارديرات بينما أبناء الشعب السوري عاشوا عبر مرحلة ملوك القرداحة حياة الكفاف والشقاء.
ولهذا فإن الشعب السوري كان يعيش حالة حصار اقتصادي داخلي وتضييق معيشي منذ عهد الأسد الأب ولحد الآن, وحتى حينما خرج الأسد الابن سالماً من المُخططات العدوانية للمُحافظين الجُدد, وذلك بعد أن غاص الاحتلال الأمريكي في الوحل العراقي, لم يفكر بشار أن يُكافئ ذلك الشعب السوري الأبي الصامد الصابر الوفي الذي وقف معه ومع أبيه في السراء والضراء طوال أكثر من أربعة عقود!
بل كان بشار يُريد من هذا الشعب بذل المزيد والمزيد من التضحيات والتحدي والوفاء والصمود والوقوف بوجه أعداء النظام, وغيرها من شعارات حزب البعث الطنانة, وكأن الشعب السوري شعب خارق للعادة ومعدوم من الأحاسيس والمشاعر وليس لديه تطلعات ولا يتمنى أن يعيش حياة رغيدة ويحيا حياة كريمة وسعيدة, وأن العيش الرغيد والحياة الباذخة لا تليق فقط إلا بأسرة الأسد ذات التاريخ الموغل في الفقر والتعثير!
ليس هذا فحسب فقد كان النظام السوري يتظاهر منذ عهد الأب وحتى الابن أن سوريا بلد فقير ومعدم, وهذا الادعاء باطل وغير صحيح, ولو كان هذا الكلام صحيحاً لما خرج علينا من القرداحة أكثر من عشرة مليارديرات خلال بضع سنوات فقط, على رأسهم رفعت الأسد وولده سومر ورامي مخلوف وآصف شوكت ووو الخ.
إذن الترويج لفكرة أن سوريا بلد فقير هي أكبر فرية في تاريخ الإنسانية, وقد استغل حافظ الأسد تلك الحجة أو هذا الملعوب في عمليات الاستجداء من دول الخليج وذلك من خلال توفير أسباب مقنعة لأصدقائه الخليجيين بالقول أن سوريا لا تملك بترول وعليه فهي بلد فقير فأستمرأ ذلك الأسلوب لكسب المساعدات دون أن يريق ماء وجهه كما كان يفعل الملك حسين.
فأصبحت هنالك فكرة سائدة مفادها أن سوريا بلد فقير وأن سبب انخفاض الدخول وصعوبة العيش وازياد نسبة المُعدمين, لأن البلد يخلو من البترول, وتلك أيضاً معلومة مُضللة؟
لأن سوريا فيها قدر لا بأس به من البترول, وهو ما يكفي لسد احتياجات الشعب السوري,ويفيض منه عدة مئات من آلاف البراميل للتصدير للخارج.
كما أن سوريا بلد غني بعقول أبنائه وطاقاته البشرية الهائلة, وأيضاً غني بوفرة مياهه وبمحصوله الزراعي وثرواته الحيوانية وكذلك ثرواته النفطية والمعدنية وبأماكنه الأثرية والسياحية.
ثم وجد الأسد الأب طريقة أخرى لجلب المال بالعملة الصعبة من خلال تصدير الأيدي العاملة والتكنُقراط السوري إلى دول الخليج العربي, فرفع عن كاهله مسؤولية الصرف على تلك الفئات وجعلهم كالدجاجة التي تبيض له ذهباً من خلال التحويلات المالية من العملة الصعبة, فبات يجني ملايين الدولارات سنوياً من خلال الحوالات النقدية لهؤلاء السوريون المغربون عن بلادهم لغرض تحصيل لقمة العيش.
وفات الأسد الأب والابن أن أبناء الشعب السوري المُغتربين من خلال سفرهم لدول الخليج واحتكاكهم مع الشعوب الأخرى المرفهة, سيبدؤون بالتذمر من خلال المقارنة بينهم وبين شعوب تلك البلدان التي تخضع تحت نفوذ أمريكا, وسيبدأ الكثير منهم يتساءل إلى متى سنبقى ندعي الصمود والمواجهة واسترجاع الأرض المُغتصبة, ومتى سنختار زمان ومكان المعركة حتى نعيش حياتنا الطبيعية, وما الفرق بين دويلات الخليج المرتهنة لأمريكا وبين حافظ الأسد حليف أمريكا والذي هب بقواته مع جيوش نورمان شوارسكوف لتحرير الكويت؟
حتى موقف بشار الأسد الرافض لغزو العراق, سرعان ما تغير حينما شعر أن كرسيه بات في خطر, فأصبح يقدم الخدمات الاستخبارية للجيش الأمريكي ويطلب منهم تزويده بالأجهزة الحديثة لمراقبة الحدود السورية العراقية كي لا يتسلل منها (الإرهابيون) حسب الوصف السوري, وقام أيضاً بتسليم مسؤولين عراقيين من أتباع النظام العراقي السابق أي (بعثيين) ومنهم أخوي صدام حسين وطبان وسبعاوي, وأصبح بشار منغمساً في دعم مشروع الاحتلال الأمريكي للعراق, فافتتح سفارة سورية في المنطقة الخضراء وبدأ وزير خارجيته وليد المعلم يزور بغداد, ناهيك عن أن أغلب قادة حكومات بول بريمر ورؤساء جمهوريات المنطقة الخضراء كانوا زبائن دائمين في حي السيدة زينب وبرعاية حافظ الأسد.
وقد كانت هنالك فرصة تاريخية للرئيس السوري بشار الأسد أن يسترد فيها الجولان المُحتل, ويُصبح رمزاً للسوريين ولربما لكثر من العرب أيضاً, لكنه ضيع تلك الفرص الواحدة تلو الأخرى, بسبب أن هنالك من روج له فكرة مفادها أن البقاء بسلام وديمومة في سدة الحكم هو يُمثل الانتصار الفعلي والحقيقي للنظام!
ويبدو أن بشار الأسد قد أدمن تلك الفكرة واعتقد أن مفهوم الفوز والتمكين يعني البقاء في السلطة إلى أبعد مدى والرسوخ في الكرسي وعدم الزوال, ونسي أن هنالك أراضِ سورية مُحتلة منذ أربعين عاماً تبحث عن المخلص وتنتظر ساعة الحسم, وسط تكاسل ولا مُبالاة من قبل النظام السوري السابق والحالي, أي من قبل الأب والابن, حتى أن إسرائيل تمادت أكثر من مرة واعتدت على الأراضي السورية وكان آخرها قصف مشروع مفاعل نووي سوري يقع في منطقة دير الزور, ثم قامت الطائرات الإسرائيلية بعد فترة بالتحليق فوق قصر الرئاسة السوري, وبقي بشار في عجز وصمت رهيب!!
وكان بإمكان بشار أن يخوض حرباً خاطفة ومُباغتة يسترجع فيها الجولان وما هو أبعد من الجولان وفي ساعات معدودة, ويقلب الطاولة على رأس الجميع, ويُربك كل الأطراف الدولية والإقليمية في المنطقة, خصوصاً وأنهُ يمتلك جيشاً كبيراً مُدرباً وقوات مُتحفزة ومُرتاحة, والجيش السوري كان بكامل عدته وعتاده, ولم يخض أي حرب منذ أربعة عقود.
وأنا أجزم لو أن بشار الأسد بادر بخوض الحرب لاسترجاع الجولان سوف يستميت الجيش السوري في حربه المُقدسة تلك, وسيستقتل في الدفاع عن المُقدسات والأرض والعرض, بل سيأتيه المتطوعون من كافة أرجاء العالم, وأنا على ثقة أنهُ سيخلص أراضيه من الاحتلال على أقل تقدير.
كانت فرصة بشار الأسد سانحة في حرب 2006 بأن يشن هجوماً مزدوجاً على إسرائيل لاسترجاع الجولان, خصوصاً أن إسرائيل كانت مشغولة مع حزب الله, وأصيبت بصدمة من خلال عدم مقدرتها على التقدم.
إلا أن بشار كأبيه استمرأ الخنوع وعشق الراحة وأحب الدعة والركون, فضيع فرصة تاريخية عظيمة لن تتكرر بعد الآن, وبدلاً من أن يخرج دباباته ومدرعاته صوب جبهة الجولان وجهها نحو صدور أبناء شعبه العارية!
ذكرني موقف بشار المتخاذل أمام إسرائيل طوال العشر سنوات, بموقف صدام حسين حينما بدأت القوات الأمريكية تحتشد على حدود الكويت لغرض غزو العراق وكانت تصرح بذلك علانية وكل يوم تجلب المزيد من القوات والمعدات, بينما صدام حسين كان مُتردداً ويترقب, وربما خانته شجاعته وتفكيره فتوقع أنهم سيتركونه وشأنه ويعودون لديارهم, ونسي أنهم تجشموا العناء وجاءوا بقضهم وقضيضهم ليس للتنزه بل للقضاء عليه وعلى نظامه.
وقد أطلقت حينها على تلك الحالة مُصطلح الاستنعاج؟
حيث يُصاب البعض بحالة من الخوار والجبن والتردد والتخاذل, يسميها العامة (أم الركب) أي تصطك ركب الإنسان, فيُصبح شبيه بالنعجة حينما تستشعر وجود الذئب.
والعرب يقولون في أمثالهم (استنوق الجمل) وأنا أقول استنعج الذئب.
وعليه فكل رئيس دولة يدعي أنهُ قائد أمة أو زعيم بلد ويبقى خائراً ولا يستطيع أن يُبادر ويخوض حرب تحرير أو حتى حرب دفاع مشروع عن النفس, فسوف يستنعج ويُصاب بأم الركب, عليه أن يتنحى جانباً ويترك المقعد لمن هو أجدر منه ويكون قلبه أشجع من قلوب المُرتعدين, ويبحث له عن مكان آخر ربما يجد فيه ضالته.
وبسبب ذلك التخاذل والخوف على الكرسي وحب الدعة والركون والتردد بات الشعب السوري في موقف المُتململ والناقم, ولسان حاله يقول : إلى متى سيستمر ذلك الوضع المُرهق والمُعلق والمُزري, وإلامَ الصمت والخنوع, وأراضيه مُحتلة أمام عينيه ووضعه المعاشي متدهور بحجة الصمود الزائف!
فحتى المرضى الذين يُعانون من السقم المُستعصي والأمراض الفتاكة, وبشار طبيب ويعرف جيداً مُضاعفات هذا الأمر, فحينما تضيق على المريض كل سبل العلاج وتستمر مُعاناته طويلاً, فسوف يسعى بكل ما استطاع لحسم ذلك الوضع المؤلم, لكي ينهي تلك المُعاناة الطويلة المُستمرة مع الأوجاع والآلام المُستعصية, ولهذا فلا يوجد شعب في العالم يبقى متوجعاً طيلة 40 عاماً والعلاج بين يديه, أو قاب قوسين منه أو أدنى لكي يسترد عافيته ويُعيد حقه المشروع, بينما خسائره قد بلغت في سنوات المُعاناة أضعافاً مُضاعفة!!
وربما غاب عن بال بشار الأسد ومُستشاروه أن أغلب الأنظمة العربية الخانعة والخليجية منها تحديداً تشتري صمت ورضى شعوبها ببريق المال, وتسترضيهم بتوفير الرفاهية لكي يتجاهلوا خياناتهم المتواترة ولكي يغضوا الطرف عن تآمرهم مع أمريكا والغرب, بينما الأنظمة التي تزعم الصمود وتدعي المُقاومة هي أنظمة مادية شرهة وشحيحة تحرم شعوبها من الحياة الكريمة وتتعمد تجويعهم, وتجعلهم فريسة سهلة لمُغريات تلك الأنظمة المتآمرة, بينما أنظمة الصمود والتحدي المزعومة تعيش ملذات الحياة وتتسوق من أرقى المراكز التجارية ودور الأزياء في العالم, وترفض أن تتزحزح عن برجها العاجي أو لتبادر بالتعاون مع شعبها لحسم المعركة المزعومة لتنهي تلك المُعاناة الطويلة.
وكل من يدخل للعاصمة السورية دمشق, سيرى البؤس الظاهر على مُحيا الناس, وأيضاً سيرصد ملايين من الصحون اللاقطة (الستلايت) على سقوف تلك المنازل حتى أصبحت دمشق وكأنها وكالة ناسا أو شبكة عناكب من تلك الصحون الفضائية المُتراصة والموجهة نحو السماء, وكل تلك اللاقطات هي موجهة للقنوات الأجنبية وخاصة القنوات الخليجية التي تبث ثقافة الاستهلاك والرفاهية والتعري, وبعضها يمارس سياسة الفرمتة وغسيل العقول من خلال أمركة ثقافة الشباب, ولهذا سلم أغلب السوريون عقولهم للثقافة الخارجية المستوردة عبر تلك الأٌقمار الصناعية.
أحد الصحفيين الغربيين عندما شاهد تلك الصحون اللاقطة تملأ سطوح المنازل في دمشق, قال :
(شعب لديه كل هذا الكم الهائل من الصحون الفضائية اللاقطة, قطعاً سوف لن يرضى عن هكذا نظام).
أما الجاليات السورية التي أجبرتها الظروف المعيشية الصعبة للعمل في دول الخليج, فهم في حالة غربة واغتراب مغمسة بالإهانة والتعب النفسي, وهم على الدوام في صراع ومُقارنة ضيزى بين معيشتهم الضنكى بحجة أنظمة المُمانعة والمُقاومة والصمود المزعوم وبين معيشة أولئك التابعين للركب الأمريكي في دول الخليج من أنظمة التطبيع, فأصبحوا يعيشون في وضع مُحبط جداً وصراع نفسي قهري قاتل, فلا هم حرروا الأرض المُحتلة من قبل إسرائيل منذ عقود وطردوا العدو وانهوا ذلك الكابوس الأزلي المُعلق بعد مرور أكثر من 40 عاماً على سياسة المُمانعة والصمود ومن ثم عاشوا حياتهم الطبيعية؟
ولا هم تحولوا إلى عملاء وأذناب للغرب حالهم كحال بقية شعوب أنظمة دويلات الخليج العربي, مادام السفير الأمريكي هو الحاكم بأمر الله سواء في الرياض وهو كذلك في دمشق, ولهذا تجد أغلب السوريين الذين عملوا في الخليج عادوا وهم ناقمون على الأوضاع الداخلية وباتوا متذمرين من تشدقات النظام السوري الجوفاء بالمقاومة والصمود, وتولدت لديهم حالة يأس سلبية ولدت مشاعر متضاربة لديهم دفعتهم للإعجاب بأنظمة الخليج المُتأمركة, وهذه النقطة لم ينتبه لها النظام السوري المشغول بشفط المال العام وإفساح المجال لآل القرداحة بالنهب والسلب العلني.
بل حتى الفنانين السوريين من مُمثلين ومطربين ورسامين حينما كانوا يزورون بلد كالإمارات مثلاً, كانوا يُصابون بصدمة حضارية مرجعها البنية التحتية والبنايات الأسمنتية الشاهقة, ولم يأبهوا إذا كان هنالك عقول عبقرية هناك أو لا, فقد كان السوريون يدهشهم فقط رؤيتهم لناطحات السحاب العملاقة والمراكز التجارية, وعندما يُشاهدوا الأبراج السكنية الحديثة والسيارات الفارهة والمترو يشعرون أنهم تقوقعوا في بيئة متخلفة وبنية تحتية معدومة, وهو الأمر الذي جعل علي فرزاد مثلاً الذي عمل في بعض الصحف الكويتية أن يقلب ظهر المجن لمعلمه بشار, ونفس الدافع جعل المُطربة السورية أصالة نصري التي كانت تتغنى بانجازات حافظ الأسد وتتمنى له الحماية الإلهية, وتتغزل بالأمل الواعد لولده بشار, أن تنقلب فجأة وتلجأ للإمارات وتبدأ بالتظلم في أن النظام السوري يتهمها بأنها عميلة للنظام القطري.
ولا ننسى وضع الإعلاميين السوريين العاملين في القنوات الفضائية الإخبارية الخليجية, كقناة الجزيرة أو العربية أو غيرها من قنوات أخرى, وكيف تغير تفكيرهم ومزاجهم العام وأصبحوا لا يطيقون تنظيرات وشعارات النظام السوري المُستهلكة.
المُزري أن النظام السوري هو الآخر قد تحول من نظام اشتراكي تكافلي خدمي, إلى نظام رأسمالي بغيض متغول وشره, وأن رؤوسه الكبار وأهم ركائزه أصبحوا يقلدون رفاه وعجرفة أمراء ومشايخ دويلات الخليج, فبات رامي مخلوف مثلاً يسعى لأن يكون مليارديراً على شاكلة محمد بن راشد المكتوم أو شبيهاً للوليد بن طلال ولكن بنسخة سورية مشوهة.
فأصبح مخلوف فجأة وبدون سابق إنذار يملك المليارات من الدولارات ويُدير عشرات الشركات التجارية ويمتلك قنوات فضائية, بينما 70% من أفراد الشعب السوري لا يجدون ثمن المازوت!
والسؤال الشفاف والموجه لبشار الأسد هو : كيف أصبح رامي مخلوف مليارديراً بلمح البصر وهو لم يعرف عنه أنهُ كان ابناً لعائلة ثرية أو ورث من آبائه وأجداده الأموال والأطيان!؟
ذلك السؤال الأزلي أوجهه لبشار الأسد لأنه وحده من يعرف وهو من لديه الإجابة الشافية, وبالمُناسبة هي ستكون نفس الإجابة عن سؤال آخر يقول : من أين لعم الرئيس رفعت الأسد وأبنائه تلك المليارات والفنادق الفخمة في ماربيلا ألأسبانية؟
ومشكلة النظام السوري أنهُ نظام دكتاتوري مادي شحيح ومُقتر على شعبه, بينما سوريا في الحقيقة من أغنى بلدان العالم, وفيها خيرات كثيرة تكفي الشعب السوري وتفيض, وكان بإمكان النظام ترفيه الشعب من خلال تقسيم الدخل القومي بعدالة على كافة المواطنين, ومن خلال ذلك الدخل كان بالإمكان رفع قيمة الليرة السورية, لو أن الأموال التي تجبيها الدولة ذهبت إلى مكانها الصحيح, وليس إلى جيوب اللصوص والسراق.
فسوريا بلد زراعي والمياه متوفرة, والثروة الحيوانية فائضة, والسياحة رائجة فيه, وموانئ البلد قريبة جداً ومفتوحة على أوربا, وهنالك صناعات خفيفة ومتوسطة لا بأس بها, والدولة مُستقرة منذ أربعة عقود ولم يخض النظام أية حرب خارجية, فلماذا بقي المواطن السوري مُعدماً وفي حالة مُزرية؟
ألم يفكر بشار لماذا؟
حتى الأغنام ذات اللحوم والصوف الأجود في العالم والتي تشتهر فيها نفس المناطق المتجاورة في سوريا والعراق, وهي ما تسمى بأغنام العواس السورية وأغنام النعيم العراقية, لا ينوب الشعب السوري منها شيء, ولا يذوقوا من لحومها إلا الفتات وفي المُناسبات فقط, بينما تذهب جل تلك الأغنام المُميزة إلى دول الخليج!
كيف يمكن أن تكون سوريا من أكبر البلدان العربية المُصدرة للحوم الأغنام من نوع العواس الشهيرة بجودة لحومها و80% من الشعب يعتمد في غذائه على المكدوس!
ألم يسأل بشار الأسد نفسه لماذا يصدر لحوم الأغنام السورية لدول الخليج ويحرم شعبه الكادح من أن يتذوقها؟
فقد سبق أن لمح وزير الخارجية السوري وليد المعلم في أحد مؤتمراته الصحفية الأخيرة, إلى أن النظام السوري غير راغب بحرمان دول الخليج من أغنام العواس, لأنهم تعودوا عليها وأحبوها!!
تخيل أن المعلم يُساوم أنظمة الخليج على بطونهم, ويعتقد أنه من خلال التلويح بورقة الأغنام سيضغط عليهم, وهو يُدرك جيداً أن هنالك بدائل كثيرة وأن مقايضته فاشلة وهزيلة.
وبدلاً من أن يُلوح وليد المعلم بورقة أغنام العواس, كان الأحرى به أن يقول أنهم سيوقفون تصدير الأغنام إلى دول الخليج, لكي يشبع الشعب السوري لحماً وهم يعيشون الآن حالة من الحصار الاقتصادي شبيهة بحصار العراق.
لكن النظام السوري قد تعود على الانبطاح لدول الخليج لأنه صنع من بلده مكاناً لترفيه الخليجيين وجعل من ثرواته الحيوانية غذاءً شهياً لهم, وجعل من نفسه نظاماً فقيراً لكي يستجديهم, ولهذا فقد أدمن النظام على المال الخليجي ولن يستطيع أن يُحرر نفسه من تلك العادة, ومازال النظام السوري ينتظر طوق النجاة الخليجي لعلهم يرضوا عنه, وأنا أجزم الآن لو آل سعود أعطوا إشارة بسيطة لبشار الأسد لركض إليهم مهرولاً لكي يسترضيهم, لأنهُ سبق وأن وصفهم بأنصاف الرجال, لكنه سرعان ما ركب طائرة الملك السعودي عند أول إشارة سعودية.
فكم تباكى النظام السوري من سياسة قطر والسعودية العدوانية وكم تذمر من نهج قناة الجزيرة وقناة العربية, وكم شتم القرضاوي والعرعور, وينسى أنهُ بسياسته الداخلية الفاشلة وخنوعه لأنظمة الخليج وبإهماله لشعبه وتفريطه بسيادته قد ساهم في تكالب هؤلاء عليه, والمثل العربي يقول : (يداك أوكتا وفوك نفخ).
وشخصياً أرى بعد كل تلك المجازر الدموية الرهيبة التي تورط بها النظام السوري بحق أبناء الشعب السوري, والتي يحاول أن يتنصل منها بحجج وأعذار واهية, يبدو أن مُعاناة الشعب السوري ستطول إذا لم يوضع لها حداً, وأنا أجزم أن الغرض من تلك الإطالة هو تحطيم الشعب السوري وكسر معنوياته ليخرج من أزمته تلك منهاراً ضعيفاً مفككاً كما حدث في العراق, وذلك من خلال فرض الحصار الاقتصادي عليه وتجويع الشعب بأكمله, فعندما يفرض الحصار الاقتصادي على النظام سوف لن يدفع الثمن إلا أبناء الشعب المغلوبين على أمرهم وخصوصاً الطبقات الفقيرة التي لا تجد قوت يومها.
لأنهم سبق وأن حاصروا الشعب العراقي وكان يدركون جيداً أن الضحية سيكون الشعب وحده, وأن النظام وأركانه لن يجوعوا قط, وهاهم الآن يُكررون نفس السيناريو الخبيث على أبناء الشعب السوري الذي هو مجوع أصلاً من قبل النظام وتعيش أغلب أسره حالة من الكفاف.
أعتقد أنهُ آن الأوان لبشار الأسد ونظامه أن يرحلوا ويتركوا الشعب السوري العظيم أن يقرر مصيره, قبل أن يجروا البلد لمصير مجهول, فبشار قد فشل في تحرير الجولان كما فشل أبوه من قبله, وأخفق في توفير العيش الكريم للشعب السوري, وتورط في مجازر دموية رهيبة كان آخرها مجزرة الحولة.
وعليه فقد آن الأوان للنظام السوري أن يرحل قبل أن يُرحل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-05-28
الرئيس الجديد لمصر الثورة وإن كان سيأتي عبر صناديق الاقتراع إلا أنهُ سيكون في موقف صعب لن يحسد عليه
وحمدين صباحي أفضل المرشحين للفوز بكرسي الرئاسة لكن خصوم الناصريين لن يدعوه يحظى بذلك المنصب
واللواء المشؤوم عمر سليمان رغم كل الدعم السعودي له فقد لفضه الشعب قبل أن تستبعده لجنة الانتخابات
وتداعيات أزمة الجيزاوي كشفت عورة بعض مُرشحي الرئاسة وأبرزت شخصية حمدين صباحي كمرشح وطني
لا شك أن مصر المُكبلة بقيود الطغيان والفساد والظلم والمُقيدة باتفاقية كامب ديفيد المهينة بدأت تصحو من غفوتها القسرية الطويلة, وهي الآن على أبواب النهوض من جديد لنفض غبار الذل والهوان الذي خلفه أنور السادات وحسني مبارك ونزع تلك القيود والأغلال والعودة من جديد لدورها التاريخي المجيد.
فلا رفعة للعرب ولا عزة للمُسلمين إلا بوجود مصر الحُرة الأبية مُتمركزة في موقعها التاريخي الصحيح, في أن تكون الذراع الطويل والرأس السليم الذي يقود ولا يُقاد, تلك هي حتمية التاريخ وواقع الحال, فمنذ أن عُرفت مصر كدولة وهي الهامة وعلى الدوام كانت هي بيضة القبان أو العامل الحاسم في وجود وثقل الأمة, وذلك هو قدر المصريين دون سواهم.
فأيام قلائل فقط تفصلنا عن انطلاق المرحلة الأولى لانتخابات الرئاسة المصرية, وتلك المُناسبة تحدث لأول مرة في مصر عبر تاريخها, بل وفي منطقتنا العربية قاطبة, فلم يحدث قط أن سمح لشعب عربي أن يختار قائده أو رئيسه أو ينتخب ممثله في البرلمان إلا من خلال تلك الحالة المصرية الحاضرة, ولهذا فإن تلك المُناسبة التاريخية ستكون فريدة من نوعها وعزيزة على نفوس الأحرار وقطعاً ستكون نقطة تحول فاصلة في تاريخ مصر الحديث إذا ما سارت الأمور على ما يرام وتمت بطريقة طبيعية دون تدخلات خارجية أو مُنغصات من قبل المجلس العسكري, أو حدوث حالات تزوير كما يحدث عادةً في عهد المخلوع حسني مبارك.
أعتقد أن على الإخوة المصريين أن يوثقوا ذلك اليوم التاريخي العظيم, وأن يجعلوه يوماً وطنياً عاماً لجميع الأحرار في العالم وليكون مناراً للأجيال المصرية القادمة, كي يعرفوا قدر وأهمية ذلك الانجاز التاريخي العظيم الذي حققه أبناء المحروسة الأشاوس في هذا العصر الحديث.
شخصياً أقر وأعترف أنني كنت يائساً ومحبطاً من دور مصر طوال تلك السنوات العجاف, وكنت ناقماً على ما يُسمى بنخبة المصريين, وفي كل مُناسبة كنت أرثي لأحوال مصر الرهينة الكسيحة, ولطالما كنت أأسى لحال أي مصري ألتقيه في الخارج, خصوصاً أنني كنت لا أطيق نفاح البعض منهم المُستميت عن جلاديهم سواء كان السادات أو عن مبارك, لأنني كنت أرى في المصري ذلك المواطن العربي المسحوق المُنهك الذي تقلب به يد الأقدار في سائر البلدان والأمصار دون جريرة أو ذنب سوى أنهُ مواطن طيب مغلوب على أمره, فكنت أعجب لذلك الرضوخ والقبول بالمهانة حتى أصبح تأقلماً مذموماً, وحينما كنت أشتم حسني مبارك الذي أوصل أبناء مصر المحروسة لتلك الحالة البائسة, كانت تثار حمية البعض منهم وترتفع عقيرتهم للدفاع عما كانوا يسمونه (بالسيد الرئيس)!؟
وكنت أعجب لردات فعل هؤلاء (المسحوقين) وأأسى لحالهم, فكيف يُمجد الضحية بجلاده!
كيف ينافح المواطن المقموع ويدافع عمن يظلمه ويسومه سوء العذاب!
كيف يجد هؤلاء المنهكون المتعبون المغربون عن وطنهم الطاقة أو الوقت للبحث عن أعذار وحجج يذودوا بها عن جلادهم حسني مبارك الذي دفعهم دفعاً للهجرة والغربة عن أوطانهم لكسب لقمة عيش كان يمكن لهم أن يحصلوا عليها من ثروات مصر الهائلة!
ليس هذا فحسب فأحياناً تجد بعض المتطوعين المصريين يتبرعون للنفاح عن طغيان آل سعود أو عن عمالة آل ثاني أو عن عهر ملك الأردن أو أو الخ!
وللأسف كنتُ بعيداً عن واقع مصر الحقيقي ومغيباً عن الحراك الوطني المصري في الداخل, ولم أدرك حقيقة ما يدور هناك بسبب التعتيم الإعلامي والإيمان بأن الظاهر على السطح هو الواقع الحقيقي لمصر.
لأنني كغيري كُنت أجد في كل من تبوء منصباً حساساً في الأمم المتحدة من المصريين كانوا هم ’كامبديفيدين’ حتى الثمالة ابتداءً من بطرس غالي وحتى محمد البرادعي!
وبدلاً من أن أجد من يُصحح لي تلك الصورة المقلوبة ويُغير لي فكرتي الخاطئة عن تلك الحالات المصرية الشاذة, كانت الفضائيات العربية وعلى رأسها قناة الجزيرة القطرية وقناة العبرية السعودية, تبث سمومها وتوغل في ترسيخ تلك النظرة العدمية القاصرة عن المصريين, وكأن تلك الفضائيات تقول للمُشاهد العربي أن كل المصريين سيئين ومتزلفين, وأن كل الشعب المصري هم مثال حي لأولئك الضيوف المُنافقين الذين باتوا ماركة مسجلة على شاشات القنوات الفضائية!
فلم تكن تختار تلك القنوات الفضائية المسمومة من ضيوفها (المصريين) إلا الحثالة والرعاع ومن هو أتفه وأسوء وأخبث خلق الله, وكأنها كانت مؤامرة مقصودة لجلب الكراهية والنقمة على مصر وشعبها!
فلا تكاد تخلو الفضائيات الإخبارية يومياً من تلك الوجوه البوليسية الكالحة التي تبارك الباطل وتنافح عن الطغيان وتسوق لمعاهدة كامب ديفيد وتُبرر جرائم حسني مبارك, تلك الشخصيات الممسوخة التي ما برحت تتغنى بإسرائيل وتُمجد بأمريكا وتسخر من العرب وتهزأ من دين وتراث المُسلمين وتنعتهم بالإرهابيين.
فمرة تجد الكاتب الصهيوني (المصري) علي سالم وهو ينافح عن دويلة المسخ إسرائيل حتى تتخيل أنك أمام يهودي اشكنازي, فلا يتورع هذا المسخ في أن يشيد بمواقف صديقه السفير الإسرائيلي في القاهرة, ويفتخر أنهُ شد رحاله أكثر من مرة إلى تل أبيب ليلتقي أشقائه الإسرائيليين!
وتارة تجد اللواء المتقاعد حسام سويلم ذلك البوق المباركي وهو يُلعلع بصوته الناعق المؤذي للأذن ليحدثك مُتملقاً عن منجزات سيده الطاغية مبارك بطريقة مقززة ولا ينسى في كل مرة في أن يشيد بالضربة الأولى التي نفذها سيادة الرئيس! وكأننا أمام رامبو مباركي جديد!
ثم سرعان ما ستشاهد لواء الشرطة المتقاعد الآخر (الرخم) نبيل لوقا بباوي وهو يكذب جهاراً وبكل بجاحة ويحدثك عن حضارية السجون المصرية في عهد مبارك ويُردد على مسامعك كلمات (الله ,, أُومال ,, أزاي), تلك المُعتقلات الرهيبة التي باتت حسب زعمه تضاهي السجون الإسكندنافية, ثم بكل صفاقة يُحدثك عن حرية وحقوق السجناء في مصر واحترام آدميتهم في مُعتقلات مبارك والتي تحولت إلى حظائر ومسالخ للمعتقلين الأجانب والعرب الذين ترسلهم أمريكا لعميلها الصغير مبارك كي يستخلص منهم الاعترافات عنوة وعن طريق التعذيب!
ثم لا يمر على المُشاهد بضع ساعات فقط إلا وتجد بوق الحزب الوطني المُمل المدعو مجدي الدقاق على قناة الجزيرة أو قناة العربية أو البي بيس ي أو القناة المصرية أو دريم أو أو الخ, وهو يحدثك عن الحالة الديمُقراطية التي تعيشها مصر وعن الشفافية التي جرت في عملية انتخاب مبارك!
ثم سرعان ما تجد قرينه الآخر عبد الرحيم علي خبير - الكفتة والكباب - وهو يتكلم عن خطورة الإرهاب (الإلهاب) الإسلامي!
بل حتى في مجال الثقافة والفكر والفن التي أمتاز بها أبناء الكنانة عبر تاريخهم المديد, فهنالك من تعمد أن لا يظهر لنا من مصر في الإعلام إلا الغثاء ورجيع الحشاشين وبقايا الأونطجية من أمثال القميء السيد القمني والساحرة نوال السعداوي.
أما الفن وأهله فقد أصبح سيرك وأداة بيد نظام مُبارك وولديه إلا من رحم ربي, فمن الواد سيد الشغال الذي يدعونه بـ"الزعيم" إلى أحمد راتب وغيرهم من متملقي النظام, فقد أصبح عادل إمام صبي من صبيان الواد جمال وبات يتملقه بطريقة مقرفة, وبات هو الناطق الرسمي بسم مبارك وولديه, بل كان يتبجح بأن الفلسطينيين في غزة إرهابيين ويريدون أن يورطوا (مصر) في حرب بالنيابة.
ولا ننسى الرداحات أو الثنائيات الأرجوزية أو (الدويتو المرح) الذين كانوا يحتكرون أغلب وسائل الاعلام المصرية والعربية المرئي والمقروء منها, للصراخ والثرثرة والمُزايدة, ابتداءً من الإخوة أديب (عماد وعمرو) إلى الإخوة بكري (مصطفى ومحمود)!
وغيرهم الكثير لا تحضرني أسمائهم الآن, لكن كل تلك الوجوه الانتهازية الصفراء كانت مهمتها تجميل الوجه القبيح لنظام مبارك بحجة حب مصر وكأن مبارك هو من خلق مصر من العدم, ودفع المواطن العربي المكلوم الحانق لأن يكره كل ما هو مصري ويمقت كل شيء له علاقة بالمصريين, وللأسف كادوا أن ينجحوا في مخططهم لولا أن مصر أصيلة وشرفاءها كُثر ولن يسمحوا للسماسرة أن يتاجروا بوطنهم مهما بلغ طغيان ومكر هؤلاء المُتاجرون.
وبسبب ذلك الجو العام المُلبد بغيوم التبعية والانبطاح والاستخذاء أصبحت كغيري ناقماً وأرغمت شخصياً في تلك الفترة على أن لا أخذ بجدية أي شيء يمت لمصر بصلة, لأني كنت لا أرى في مصر إلا ذلك الغثاء الذي يطفو على السطح, حتى وصلت بي الحال أني كنت لا أستسيغ أي رأي لأي مصري مهما كان, لأن الصورة أصبحت ظلامية ومشوهة, بسبب ذلك التعتيم وتلك الحلقة المفرغة التي تدور فيها القنوات الفضائية, حتى بدأت تقنية الفيسبوك تنتشر وبدأت الشعوب العربية تتواصل مع بعضها البعض, وأصبح همنا واحد بين المشرق والمغرب, وهنا بدأت وكأنني أكتشف مصر العروبة لأول مرة, فوجدت أن هنالك آلاف المصريين الشرفاء الأحرار الذين يواجهون بصدورهم العارية مخرز الطاغية مبارك, ويتحدون تيار النظام الجارف المدعم من قبل أمريكا وإسرائيل ودول الخليج, وأن هنالك شخصيات مصرية مُناضلة رائعة ضحت ومازالت تضحي فتشعرك بالضآلة أمامها حينما تعرف مقدار تضحياتها وتطلع على مُعاناتها مع نظام مبارك!
كان على رأس هؤلاء الأستاذ عبد الحليم قنديل ذلك المصري الأصيل البسيط العنيد التواق لمصر الحُرة والواثق من نفسه والثابت على مبادئه, لقد بدا عبد الحليم قنديل يواجه ذلك المارد لوحده ولم يدعه الآخرون وشأنه, بل وصفوه بدنكوشوت العصر الحديث الذي يُحارب طواحين مبارك وزباينته بسيفه الخشبي, لكن قنديل أثبت لهم لاحقاً أنهُ طائر فينيق مصري أصيل خرج من بين براثن وحطام الطغاة وحلق عالياً في أجواء المحروسة مُعيداً الثقة لكل المنهزمين ومُلقناً درساً لكل المُتخاذلين في مبادئ الوطنية والقيم, ولسان حاله يقول لهم : أن للباطل جولة وأن للحق دولة.
فآليت على نفسي منذ ذلك الوقت أن أعيد نشر مقالات الأستاذ عبد الحليم قنديل دون أن أعرفه, في الصحيفة الإلكترونية التي كنت أحررها, لأنني وجدت نبراساً مصرياً ساطعاً وإن كاد أحياناً يُنير أو يخبو لوحده.
ثم سرعان ما اكتشفت أن هنالك مصريين كُثر لهم مواقف مُشرفة ودور كبير في تثقيف وتحريض الشباب المصري على استرداد الكرامة ورفض الطغيان, ومن هؤلاء كان الناصري الجديد حمدين صباحي, والحق يُقال أن عبد الحليم قنديل هو أول من علق الجرس مع حركة كفاية وله الأسبقية في مقارعة النظام المباركي.
ولكن لحمدين صباحي دور تعبوي آخر لا يقل شأناً عن دور عبد الحليم قنديل, وذلك في تجديد الفكر الناصري القديم الجامد الذي لم يراجع أخطائه ومن ثم إعادته إلى الأضواء, وإن كان خطابه أقل حدة من خطاب عبد الحليم قنديل الذي كان مُدمراً لنظام مبارك.
وهنالك شخصيات مصرية حُرة أخرى كان لها دور في شحذ الهمم كان أغلبهم من الشباب الثائر, هنا شعرت أنني ومعي الكثيرين من أمثالي قد خدعنا وغبش علينا طوال تلك السنوات العجاف, وقد وقعنا في الفخ الاعلامي المُمنهج حينما ظننا أن مصر هي أولئك المسوخ أمثال علي سالم والدقاق وعبد الرحيم وبباوي وغيرهم من أرجوزات مبارك.
ولابد هنا أن أشكر الصدفة أو ربما أحيي موقع الفيسبوك لأنه كشف لنا الواقع المصري الحقيقي, ومن محاسن الصدف أيضاً أن تلك المواقع الاجتماعية عَرت أزلام وأذناب مبارك الذين لم يكن لهم أي وجود يذكر أو حضور فعال في موقع الفيسبوك!
وشخصياً لن أنسى أبداً ذلك المنظر المُهيب الرهيب, حينما اصطفت جموع المُتظاهرين من أبناء الشعب المصري الأبي فوق أحد جسور القاهرة ليؤدوا صلاة الجماعة أمام هراوات أزلام وزبانية وشرط مبارك, حينما كانوا يرشونهم بخراطيم المياه الساخنة, وهم صامدين في مواقعهم ومُستمرين بالركوع والسجود!
في الحقيقة كان منظراً اعجازياً ولقطة خشوع تاريخية أعادت لي الحياة من جديد, كان منظراً مُهيباً بكل ما تعنيه الكلمة وكل من شاهد تلك اللقطة لابد وأن اقشعر بدنه وهو يشاهد ذلك الموقف المُهيب, ذلك المنظر القدسي جعلني اقفز من مكاني وأصرخ دون أن أشعر (نعم ,, هذه هي مصر التي نعرف).
فمن منكم لا يذكر تلك الصورة السريالية التي صنعها المصريون الأشاوس, لقد كانوا يواجهون الموت بصدورهم العارية ويصدون رشقات الرصاص بالتكبير والتهليل!
نعم لقد فعلها المصريون عندما انتفضوا وأعادوا لنا الثقة في مصر العروبة وفي شعب مصر الجبار, واليوم هم على أبواب الحسم وقطف ثمار الثورة, وهو يوم اختيار المرشح لمنصب الرئيس القادم, وكلنا يعلم حجم المؤامرات والتدخلات الخارجية التي تريد أن تجهض تلك الثورة الوليدة.
والحقيقة لم أرى أشأم ولا أشد نحساً من لواء المخابرات وجلاد مبارك عمر سليمان, ولا أخفيكم سراً أنني كُنت أخشى من أن يثب ذلك الضبع الصهيوني المُتأهب على السلطة بعد تنازل مبارك مُرغماً, لأن عمر سليمان يمثل جميع مصالح وأطماع الدول الخارجية في مصر, فهو رجل إسرائيل الأول وهو جلاد أمريكا المفضل وهو شرطي آل سعود المُدلل.
وقد ظن عمر سليمان أن قبوله بالأمر الواقع والابتعاد ثليلاً عن الأضواء ومن ثم العودة مرة أخرى بثوب جديد وبدعم سعودي مفتوح, سوف يستطيع من خلاله أم يقطف كرسي الرئاسة المصري.
ولو عاد القارئ بذاكرته قليلاً إلى الوراء سيجد أن الجلاد عمر سليمان نزلت عليه الديانة والورع فجأة, فقرر أن يذهب إلى السعودية لأداء مناسك العمرة! يا سبحان الله
وهنالك التقى عمر سليمان بآل سعود وتعهدوا له بالدعم المفتوح مالياً وإعلامياً ومعنوياً, بل حتى منشورات حملته الانتخابية طبعت في جدة وشحنت إلى مصر, وكاد اللواء المشؤوم أن يقطف الثمار لولا وعي ونباهة الشعب المصري الذي أجهض كل مخططات آل سعود وذهبت كل جهود الغراب سليمان أدراج الرياح, وكما يقول المصريون فقد (طلع نأبه على شونه).
ولم ييأس آل سعود في محاولاتهم الحثيثة لاجهاض الثورة المصرية, ولم تتوقف مساعي أمريكا وإسرائيل في إيجاد البدائل لمرشحهم المنحوس عمر سليمان, وهنا كان البديل هو عمرو موسى, وأنا سبق ونبهت الإخوة الثوار في مصر أن يحذروا من تلون المدعو عمرو موسى وأن ينبذوه لأنهُ من فلول نظام مبارك ولن يصح لثورة شعبية جبارة أن تعيد تلك الوجوه القديمة المتملقة لمبارك لواجهة الثورة مهما ادعوا أو تصنعوا.
فمن العار أن يترأس مصر الثورة ,, مصر الحُرة الجديدة شخصية مُتزلفة مثل عمرو موسى وكأن ليس في هذه البلد إلا هذا الولد, طبعاً سيستميت آل سعود وحتى قطر في دعم عمرو موسى لأنه تابع ذليل لهم وحمل وديع مقارنة ببقية المُرشحين.
فقد كان أمير قطر وسعود فيصل يستخدمان عمرو موسى أثناء رئاسته للجامعة العربية كجرسون رخيص في مؤتمرات القمم العربية, لأن مبارك كان يستمتع في أن يكون عمرو موسى هو خادم القوم, وكلنا شاهد أمير قطر حمد بن خليفة وهو ينادي بأعلى صوته على عمر موسى في قمة سرت بالقول له (يا عمر ,, يا عمر تعال) بدون أي ألقاب أو أي احترام لمنصبه!
ثم جاء عمرو موسى مهرولاً نحو أمير قطر, وطأطأ على كرسي حمد بن خليفة وبدأ يملي عليه الأخير التعليمات!
مثل هذا الشخص أعتقد أنهُ لت يصلح لأن يتبوأ منصب رئيس مصر الثورة مصر الإباء والشموخ والتحرر.
مصر الثورة تحتاج لوجه مصري جديد يمتلك سمات الإباء والرجولة والحرص على كرامة المصريين.
فالشعب المصري اليوم ليس هو الشعب في عهد مبارك, فقد أصبحت كرامة المصري فوق كل شيء, والدليل أن أبو العز الحريري وهو من ضمن مرشحي شباب الثورة, حينما سارع مع الوفد الذي ذهب لمقابلة الملك السعودي أبان أزمة المحامي المصري الجيزاوي, انخفضت شعبيته وتراجع مؤيدوه, لأنهُ بنظرهم كان انتهازياً وصولياً, لأنهُ سبق وصرح على قناة الجزيرة في لقاء خاص, أنهُ سيقف في وجه تدخلات دول الخليج التي تريد أن تحيد من دور مصر وتجعلها تابعة لها!
ولكن حينما دُعي أبو العز الحريري لمقابلة الملك السعودي كان أول الراكبين في طائرة السيد البدوي شحاته!
بل أطلق المصريون الناقمون والمطالبون باسترجاع الكرامة على أفراد ذلك الوفد المصري في تويتر مُسمى الشحاتين, ولم يستثنوا منهم حتى أبو العز الحريري.
بينما بالمُقابل رفض المرشح الناصري حمدين صباحي الذهاب مع ذلك الوفد الإستجدائي, بل وطالب بسحب السفير المصري للتشاور رداً على الموقف السعودي, وهو ما زاد في شعبيته واحترامه من قبل الجمهور المصري, وجعله في موقع مُتقدم, وسواء استغل حمدين صباحي ذلك الموقف وجيره لصالح حملته الانتخابية أو كان هذا موقفه المبدئي الحقيقي, فهذا يدل على أن المزاج المصري قد تغير وأصبح المصريون يبحثون عن المُرشح القوي الذي يُعيد للمصريين مكانتهم وكرامتهم.
ولأول مرة أيضاً تجري حوارات تلفزيونية مُباشرة للمرشحين إلى سدة الرئاسة في مصر, حيث يقوم هؤلاء المرشحون بتقديم برامجهم الانتخابية ويطرحون خططهم لقيادة البلد في حال نجاحهم في الانتخابات, وأيضاً فقد أبلى حمدين صباحي وأبو العز الحريري بلاءً حسناً في برامجهما الانتخابية.
وشخصياً أتوقع أن يحظى المرشح حمدين صباحي بنسبة عالية من أصوات الناخبين, ولكنه سيجد صعوبة بالغة في الوصول إلى منصب الرئيس بسب تحالف خصوم الناصرية ضده سواء الإخوان المُسلمين ومعهم السلفيين أو حتى فلول مبارك.
وقد كشفت تلك المناظرات الانتخابية التلفزيونية عن سريرة عمرو موسى وفضحت توجهاته, ففي المناظرة التلفزيونية التي جمعت بين المرشح الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح وبين عمرو موسى, حيث اتضح أن موسى مازال يفكر بعقلية الحزب الوطني المباركي, فاعتبر اسرائيل ليس عدواً وإن كانت تمارس سياسات عدوانية ويجب التواصل معها لأن معاهدة السلام سارية معها.
إذن لأول مرة في منطقتنا العربية نجد انتخابات مصرية حقيقية فيها تنافس شديد وحماس, ولا يستطيع أحد أن يحسم أو يُقرر من هو الرئيس القادم, وتلك المُمارسة تحسب للمصريين الذين بدؤوا في انضاج تجربتهم الانتخابية الديمُقراطية.
علماً أن الرئاسة المصرية القادمة لن تكون سهلة أو بسيطة ولن تكون بمثابة أشهر من العسل على المرشح للرئاسة كما يتوقع البعض, بل سيتحمل الرئيس القادم إرث ثقيل جداً وسيحمل تركة من الفساد المالي والإداري والأمني والمحسوبية والرشاوي والظلم وتجاوز القانون, كلها من مخلفات أنور السادات وأكمل عليها الطاغية مبارك.
ومهما تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية المصرية وبغض النظر عن سيفوز فيها, فإنها ستكون تجربة فريدة من نوعها في عالمنا العربي, والمهم عندي أنا شخصياً أن المارد المصري قد خرج من قمقمه, والويل ثم الويل لكم أيها الخونة والأذناب من غضبة مصر الجديدة.
فإن ارتفعت مصر رفعتنا معها نحو المعالي وإن هوت وسقطت لا سامح الله سقطنا معها. اللهم وفق وأنصر أشقائنا في مصر وولي عليهم خيارهم وأخزي وأدحر شرارهم.
اللهم آميــــــــن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-05-11
لقد حول آل سعود مناسك الحج والعمرة إلى مصائد وفخاخ للخصوم والمُخالفين لهم عن طريق تلفيق تهم الإرهاب وترويج المخدرات!
صرحت زوجة المحامي المصري المُختطف أحمد الجيزاوي قائلة : أن السلطات السعودية ألقت القبض على زوجها قبل تفتيش الحقائب!
لقد دجن أحفاد مرخان السفراء العرب والأجانب في المزرعة السعودية فأصبحوا شبه موظفين ومرتزقة لدى الديوان الملكي السعودي!
والسفرجي المصري في السعودية تحول إلى محامي دفاع عن سلطات القمع السلولية حتى لا يخسر مكافأة نهاية الخدمة من آل سعود!
بينما كان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب يتحدث للصحفيين الأمريكان, وكان أحد الأسئلة يتحدث عن العلاقات الأمريكية - السعودية, فأخطأ بوش الأب أثناء رده, وقال لقد : تحدثت مع السفير الأمريكي في السعودية بندر بن سلطان!
فلما انتبه للخطأ اللغوي أو المعنى المقلوب, حاول أن يصحح من وظيفة بندر بن أبيه لكن موجة من الضحك عبر عنها الصحفيون قد غطت على محاولة التصحيح اليائسة التي حاول جورج بوش الأب أن يرقع بها تلك الهفوة, وكأن لسان حال الصحفيين الأمريكيين يقولون لا بأس, فإن الرئيس الأمريكي لم يخطأ أبداً في التعبير بل هي الحقيقة.
تلك كانت زلة لسان عبرت عن خفايا العقل الباطن لجورج بوش الأب, ومن يلوم أمريكا إذا ما اعتبرت السعودية عبارة عن بقرة حلوب أو مزرعة أبقار تتبع لولاية تكساس أو أنها مُجرد حقول بترول تتبع لولاية كاليفورنيا.
وحتى نكون واقعيين في الطرح فكل سفارات الأنظمة العربية الخائبة في واشنطن لا تعدو في أن تكون عبارة عن مكاتب ارتباط مُهمتها تقديم المعلومات والتقارير الاستخبارية لوكالة المخابرات الأمريكية, إلا أن الفارق بين سفراء آل سعود وسفراء الأنظمة العربية الأخرى أن آل سعود يعتبرون أنفسهم بالنسبة لأمريكا كالعاهرة المحظية بين مجموعة العاهرات المُبتذلات.
وبالمقابل نرى إن السفير الأمريكي يُعامل في داخل الدول العربية كما كان يُعامل المندوب السامي البريطاني, ففي لبنان مثلاً هو صاحب القرار وهو الآمر الناهي, وأخيراً برز دور السفير الأمريكي في دمشق وكأنه المندوب السامي الفرنسي الجنرال غورو, رغم ادعاءات ومزايدات النظام السوري البائسة والتشبث بشعارات المقاومة والتحدي.
أما السفير الأمريكي في السعودية فقد أصبح مختالاً فخوراً ويتقمص شخصية السير بيرسي كوكس ذلك العسكري الإنجليزي العتيد الذي كان يُدير شؤون المستعمرات المتخلفة في الهند وأفريقيا وسواحل الخليج, إلا أن الفرق مع السفير الأمريكي أنه مازال يُدير شؤون المزرعة السعودية من خلف الكواليس مراعاةً للحساسية دون الظهور بصفة الضابط الصارم كالسير بيرسي كوكس أو المُستشار كما كان يفعل فيلبي.
ومع هذا لم يفوت السفير الأمريكي الحالي في السعودية فرصة أو مُناسبة للاستمتاع من خلال الرحلات السياحية التي تتم على نفقة آل سعود سواء إلى الصحراء أو إلى آثار مدائن صالح وحتى عسير, حيث أصبح السفير الأمريكي يضاهي الأمراء السعوديون في بطرهم وعجرفتهم, حيث يُدعى السيد الأبيض إلى المنصة ويعتمر الكوفية الجنوبية كنوع من الدعابة ثم يجلب له المواطنين لكي يردحوا أمامه حتى يتمتع سعادته ويوسع صدره ويغير الجو الحاد والجاد داخل بناية السفارة الأمريكية المُحصنة في الرياض.
أما سفراء الأنظمة العربية الكمخ العاملين في السعودية فهم عبارة عن (سفرجية) وخدم بحيث روضهم ابن سعود ودجنهم, فكل سفير أو قنصل عربي سواء في الرياض أو جدة, هو موظف لدى آل سعود لأنهم ملئوا كرشه بالسحت الحرام وأغرقوه بالهدايا والعطايا, فأصبحت مهمة السفير العربي أو حتى الأجنبي هي النفاح عن جرائم آل سعود وليس خدمة رعايا دولته أو خدمة أمته, لأن كل سفير يعمل في السعودية يمنح مكافأة نهاية خدمة من قبل النظام السعودي لتكون مُكافأة أو ثمناً له نظير خدماته ومحاباته للنظام.
ناهيك عن التموين الشهري الذي يصل بيت السفير العربي من أكياس رز فاخر ولحوم طازجة وتمور فاخرة وعسل جنوبي نقي, ودعوات للحضور الاحتفالات والرقص في الجنادريات وافتتاح المؤتمرات والمعارض, فيصبح السفير عبارة عن ألعوبة وتابع رخيص برتبة خوي.
ولهذا لم استغرب حينما ظهر السفرجي المصري في السعودية المدعو محمود عوف وهو يدافع بضراوة عن النظام السعودي, ويُدين مواطنه المحامي المُختطف في مطار جدة أحمد الجيزاوي, فنسي نفسه واعتقد أنه يشغل منصب السفير السعودي في مصر كما اعتقد بوش الأب في بندر.
وقد جاءت تصريحات السفرجي المصري تعقيباً على نبأ اعتقال المحامي المصري سريعة وغير معقولة, فهو لم يزر المواطن المصري في المُعتقل ولم يُقابل زوجته المكلومة التي كانت ترافق زوجها, ومع هذا حمله المسؤولية معتمداً على رواية السلطات السعودية, وهو ما أثار موجة غضب عارمة في الشارع المصري.
وللأسف فإن الشعب المصري شعب طيب حاله كحال الشعوب العربية الأخرى, حيث يثور ويغضب مع الحدث, ثم سرعان ما يهدأ ويبرد ويخفت عند مرور الوقت, ربما كنوع من إقناع الذات وإخلاء مسؤوليته الأخلاقية.
وإلا هنالك أكثر من 2000 مُعتقل مصري مسكين في السجون السعودية بدون أي تهمة ولهم عدة سنوات يعانون الأمرين بدون أي محاكمة, فلماذا لم يتحرك المصريون لإطلاق سراح أبناء جلدتهم, بينما كل فترة تتجمع أسر وزوجات وأمهات هؤلاء المُعتقلين أمام السفارة السعودية للمطالبة بإطلاق سراحهم ولا من مُعين أو نصير!؟
ولماذا لم يتحرك السفرجي المصري في الرياض محمود عوف لمعرفة مصير هؤلاء المصريين المنسيين والذين تخمروا في معتقل الحائر الرهيب؟
ربما من أكبر أخطاء الثورة المصرية أنها أبقت على سفراء حصني مبارك السابقين في مناصبهم وأماكنهم, وبهذا حول هؤلاء السفرجية ولائهم للدول التي كانوا يعلمون فيها, ومن ضمن هؤلاء السفرجي محمود عوف, الذي ظهر قبل أيام وهو يتهم أبناء الشعب المصري بتهريب المخدرات وترويج الحبوب, وهو ما أصاب الشعب المصري بالصدمة والذهول.
ولا أدري لماذا يستغرب المصريون من موقف كلب مرتزق من كلاب مبارك, حينما فجع بفقدان سيده, فأراد أن يبدي ولائه لآل سعود كي يضمنوا له البقاء والاستقرار في رحاب المزرعة السعودية بعد أن يتم طرده من منصبه, كما ضمنوا فرصة البقاء لزين الهاربين من قبله.
فأي ثورة تحدث في العالم يتم تغيير أدوات وأتباع وأذناب النظام السابق, إلا في الثورة المصرية, كل شيء مازال في مكانه, بينما الشعب المصري مُصر على أنه قام بثورة!
قلت ومازلت أقول أن الشعب المصري قام لحد الآن بنصف ثورة, وحينما يكتمل هلال تلك الثورة سوف أشد الرحال إلى مصر وأنا مُمتن لأهنئ المصريين بثورتهم الكاملة.
ولهذا على الإخوة المصريين الثوار أن يسارعوا بتغيير سفرجية مبارك بسفراء مصريين وطنيين حقيقيين, وأن يتخلصوا أولاً من كلب المبارك الذي ينبح من داخل المزرعة السعودية, والذي خرج بعد أربعة وعشرين ساعة فقط من اعتقال المحامي المصري أحمد الجيزاوي, ليُدينه ويُحمله المسؤولية كاملة ويتهمه بتهريب الحبوب المُخدرة!
علماً أن زوجة الجيزاوي التي كانت معه ذكرت أن السلطات السعودية ألقت القبض على زوجها عند بوابة ختم الجوازات, وذلك قبل أن يذهبوا لاستلام الحقائب!
وهذا دليل قاطع على أن التهمة السعودية الملفقة ساقطة قانونياً في الأساس, لأن النظام في كل دول العالم يترك المسافر أن يستلم حقائبه بنفسه أولاً قبل أن تفتش خوفاً من تنصل الراكب من ملكية تلك الحقائب؟
لأنهم يدركون جيداً أن أي مهرب حينما يتم القبض عليه وهو غير مُتلبس بالجرم المشهود, لا يمكن اثبات التهمة عليه, وستكون لديه دفوعات كثيرة, منها أن الحقائب ليست له؟ وأن حقيبته كانت سوداء وتلك الحقائب رمادية مثلاً, أو أن شركة الطيران أو الشحن قامت بإبدال حقائبه, أو سلطات البلد القادم إليه هم من فبركوا له تلك التهمة وووو الخ.
لذلك تحرص الدول الشرعية المُحترمة أن تترك المُسافر يذهب برجليه إلى مكان مرور الحقائب, لكي يستلم حقائبه بنفسه ثم يتوجه إلى مكان التفتيش, وبهذا يكونوا قد سدوا عليه الثغرات القانونية والذرائع المتوقعة.
إلا في حالة عسس المزرعة السعودية فهم من نعمة الغباء والاستحمار يلقون القبض على الضحية وهو مازال عند شباك ختم الجوازات, وحينما يتورطون مع دولة المغدور, يبدؤون بالبحث عن أسباب وسيناريوهات مفترضة تصلح لأن تكون تهماً تؤدي بصاحبها إلى التهلكة!
ولأن تهمة الإرهاب هي مخصصة للسعوديين ودويلات الخليج حسب اللستة الدبوسية في وزارة القمع السعودية, وبما أن مصر اشتهرت فيها التهم الملفقة منذ أيام مبارك وذلك بدس أكياس الهيروين ولفافات البانغو للضحايا, فليس أمامهم إذن إلا أن يستعينوا بخبرات أزلام مبارك وعلى رأسهم سفرجي مصر, فيزعموا أنهم عثروا على حبوب مخدرة في حقيبة المحامي المصري أحمد الجيزاوي, والتي يبلغ وزنها حوالي الـ 85 كيلو غرام, علماً من حق المسافر حمل 40 كيلوغرام فقط, كما أنه لم يستلم حقائبه بعد!
كما أن شكل ومواصفات الجيزاوي بصراحة لا تنفع معها تهمة تلفيق الإرهاب المزعوم, أو فبركة سيناريو بوليودي يقول بأنه كان أحد أفراد تنظيم القاعدة في بلاد الكنانة أو قائد تنظيم الجهاد في المحروسة!
لأن أحمد الجيزاوي شاب حليق اللحية تبدو عليه النعومة الظاهرة وهو محامي وزوجته دكتورة, فمن الصعب اقناع الجمهور المصري الفهلوي الذي (علم النمل يمشي طوابير وعمل من الفسيخ شربات وخرم التعريفة ولبس البحر مايوه ودهن الهوا دوكو), أن مواطنهم المحامي (الرُهيف ده) من أتباع تورا بورا, وقطعاً سيفهم المصريين ذلك الملعوب وسيلتقطونها وهي طايرة, ولن يقتنعوا قط بهرطقات المباحث السعودية التي يمكن أن تنطلي ألاعيبهم المكشوفة تلك على بعض الرعاع والمُغيبين, لهذا فإن تلك التهم الزائفة وفرها آل سعود لحزب وجماعة المُلتحين وللسعوديين تحديداً.
ناهيك أن المحامي المصري أحمد الجيزاوي كان محامياً موكلاً عن قضايا المُعتقلين المصريين المنسيين في داخل السجون السعودية, وله لقاءت وسبق أن اعتصم مع أهالي السجناء المصريين قرب السفارة السعودية في القاهرة, وسبق وأن قال (طز في ملك السعودية) إذن فهو معروف للسفارة السعودية في القاهرة, وعليه فلن يكن أمر اعتقال الجيزاوي صدفة أو اعتباطاً.
فلم يجدوا إلا أن يجتروا التهم المصرية القديمة المُعلبة التي كان يستخدمها بلطجية مبارك مع شرفاء الشعب المصري, فخرجوا علينا باسطوانة أن الجيزاوي قام بتهريب حبوب مخدرة!
علماً أن زوجة الجيزاوي التي كانت معه, ذكرت أن أحد رجال الأمن السعوديين أبلغها أن زوجها متهم بالإساءة للذات الملكية, وصادر بحقه حكم غيابي لمدة سنة وعقوبة الجلد!
إذن الرجل كان عليه تعميم أمني سعودي سابق بسبب مواقفه المبدئية من موكليه المُعتقلين في السعودية, وحينما وصل لختم جواز سفره, تم التعرف عليه ومن ثم اعتقاله قبل أن يقوموا بتفتيش حقائبه. تلك هي كل الحكاية
فهل رأيتهم غباءً وحمقاً مُركباً أكثر من غباء السفاح نايف وجروه محمد وزلايبهم؟
أجزم أنكم لو بحثتم حتى دول أمريكا الجنوبية المليئة بضباط الأمن الفاسدين والمُرتشين والمتعاونين مع عصابات المخدرات التي اشتهرت بدس الهيروين والماريوانا في حقائب الخصوم, فلن تجدوا أحمق ولا أتيس من سلاتيح نايف قط.
ولهذا لم يبلع الجمهور المصري تلك التهمة المُضحكة الموجهة للمحامي المصري أحمد الجيزاوي, لأنها بصراحة كانت (وسيعة) كما يقول الشعب في بلاد الحرمين, (وحمرا) مثلما يقول المصريين, وبنفس الوقت هي مسرحية مُزرية, خصوصاً من يطلع على تعليقات المصريين في تويتر سيضطر للضحك والأسى على عقلية نايف وولده ومن ينبحون بالنيابة عنهم.
وبعيداً عن قضية المحامي المصري أحمد الجيزاوي, وبغض النظر عن حقيقة ما لفق ضده, ولكن لو افترضنا جدلاً أن دبابيس نايف كانوا صادقين, وأقول جدلاً لأنني أعرف مدى سقوط وعدم شرف ومصداقية هؤلاء المباحث, لأن فريتهم السابقة ضد عبد الله العسيري ما تزال ماثلة للعيان, فحينما فشلوا في كشف المتفجرات التي يضعها على صدره وهو صاحب بنية ضعيفة جداً فلم يظهر عليه أنهُ يتردي حزاماً ناسفاً, فزعموا أنه كان يُخفى المتفجرات في مؤخرته, بينما أسيادهم الأمريكان نفوا ذلك السيناريو وقالوا لا يمكن للإنسان أن يضع متفجرات في المستقيم.
لكن مع هذا سأوجه سؤال لنبيحة آل سعود, وأقول لهم وماذا عن قضية المواطن الكويتي ناصر الهاجري, الذي خرج من الكويت لأداء مناسك الحج فتم القبض عليه دون أي تهمة وبقي عدة سنوات يُعاني من أبشع أنواع التعذيب الوحشي, وحينما أصيب بورم سرطاني في رأسه جراء الضرب المبرح الذي كان يتلقاه على يد كلاب نايف وجروه محمد, تم اطلاق سراحه, فهل كان ناصر الهاجري أيضاً يحمل حبوب مُخدرة؟
تابع حكاية المواطن الكويتي الهاجري على رابط اليوتيوب أدناه, لتعرف مدى خساسة ولؤم وعدم شرف آل سعود ونبيحتهم, حيث جعلوا من مناسك الحج والعمرة مصائد وفخاخ لخصومهم, ولكل من لا يتفق معهم في الرأي :
وللعلم فهنالك عدة رعايا كويتيين وقطريين ويمنيين وسودانيين ومغاربة يرزحون حالياً في المعتقلات السعودية بدون تهمة تذكر أو أي محاكمة, وسبق وأن اتصل مواطن قطري على قناة الجزيرة وأخبرهم أنهُ تم القبض عليه في السعودية لعدة سنوات أثناء ذهابه لأداء مناسك الحج, وقد أطلق سراحه بدون تهمة أو محاكمة بعد أن أصيب عدة أمراض مُستعصية, وهنالك أكثر من مواطن قطري مازالوا مُعتقلين في السعودية, وقامت قناة الجزيرة بقطع مكالمته.
فهل مر عليكم نظام أو دولة أو حتى مزرعة تدعي بتطبيق الشرع الإسلامي وتزعم أن دستورها القرآن, وهي تغدر بالمُسلمين القادمين لتأدية مناسك الحج والعمرة وتسومهم أشد أنواع العذاب والتنكيل؟
فحتى كفار قريش رغم شركهم بالله فلم يتخلوا عن شرفهم ومروءتهم, ولم يغدروا بالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام حينما سمحوا له بأداء مناسك الحج, وهو في حالة عداء مع كفار قريش.
لقد حول آل سعود بلاد الحرمين الشريفين إلى سجن كبير وجعلوا من مناسك الحج والعمرة فخاخ وشراك لكل عربي أو مُسلم ينوي تأدية فريضة الحج أو العمرة, وخلطوا بين السياسة والدين وهم بهذا جعلوا من تلك المناسك الربانية مصائد لكل للمسلمين المخالفين لهم ممن جاؤوا يؤدون شعائر الله, وبإذن الله سيكون حسابهم عسيراً مع رب العباد الذي أوحى لنبيه بأداء تلك الفرائض والمناسك, فقد جاء قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ....)) [الحج:26].
أما الإخوة المصريين فأقول لهم أنكم لن تنالون حقوقكم ولن يطلق سراح أسراكم من المُعتقلات السعودية, إلا بعد أن تطئوا على رؤوس آل سعود بأقدامكم, وعليه فأنا أنصحكم أن تعيدوا القضايا السابقة المرفوعة ضد الأمير السعودي تركي بن عبد العزيز, نزيل أحد فنادق القاهرة الراقية, والذي سبق وأن اعتدى حراسه على ضابط شرطة مصري وتم حفظ تلك القضية بأمر من مبارك, والذي لطالما نهشت كلابه البوليسية أجساد المصريين في الفندق الذي يقطنه, وكان في كل مرة يخرج دون عقاب ويعاود الكرة, وأخيراً تم توجيه اتهام له من قبل نسيبه علال الفاسي الذي اتهمه بقتل شقيقته هند الفاسي, فعليكم باعتقال تركي بن عبد العزيز ومحاكمته على جرائمه, ثم مُبادلته بالرهائن المصريين الألفين الذين يرزحون في السجون السعودية.
فآل سعود لن يعرفوا أن الله حق إلا إذا دعستم على رؤوسهم بالجزم المصرية العتيقة, وليس لديكم إلا إعادة القضايا الجنائية المرفوعة ضد ألأمير تركي بن عبد العزيز شقيق وزير الداخلية السعودي السفاح نايف, وهو من سيُعيد لكم كل المُعتقلين المصريين في السعودية وسيُعطيكم معهم أيضاً المُعتقلين اليمنيين والسودانيين والمغاربة هدية فوق البيعة.
اللهم إني بلغت فأشهد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2012-04-26

صفحة 1 من 11

Pay Pal

مقالات وآراء

مقالات منشورة

المتواجـدون الآن

حاليا يتواجد 309 زوار  على الموقع

تسجيل الدخول