جزيرة العرب نيوز

إعـلان تجـاري

د.  صباح الشاهر

د. صباح الشاهر

Dr. SABAH  ALI Al SHAHIR

عنوان الموقع: البريد الإلكتروني: هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

الجمعة, 13 أبريل 2012 18:38

الزمن الواحد السرمدي

الزمن واحد وليس أزمنة .. نحن نقسّمه، وهو يضحك منا.. يخلط عشوائياً أزمنتنا الإفتراضية . يجمعها بعضها إلى بعض .. يجعل المستقبل حاضراً، والحاضر ماضياً .. يقف وهو الواحد السرمدي ضاحكاً منا ..

أكثر الكلام مثاراً للسخرية، قول البعض إننا أبناء الحاضر !

لا أحد فينا إبن الحاضر، فالحاضر ليس سوى هنيهة، نحن أبناء الماضي، ولدنا في الماضي، فُطمنا في الماضي، ترعرعنا في الماضي، درسنا وتخرجنا في الماضي، ونحن الآن نساهم في إغناء الماضي، وليس بناء المستقبل كما يشاع.

نحن لا نعمل للمستقبل، وإنما نعمل للماضي، كل ما نفعله إنما هو رصيد للماضي، يضاف للفعل الماضي وليس للمستقبل.

كل منا هو تجسيد للماضي والحاضر والمستقبل، مهما إختلفت الرؤى، فالموضوع لا يتعلق بموقف الفرد وحده، المسألة أن من يقرر في نهاية المطاف ليس أنا أو أنت، هو أم هي ، وإنما ذاك الواحد السرمدي .

الماضي لا يعود، وما الحاجة كي يعود، وهو يعيش فينا، ونحن نتاجه. ليس الماضي وهماً ، وإنما الحاضر هو الوهم، إذ لا وجود حقيقي له، الزمن ماض، ماض فحسب، كل شيء صائر إلى ماض، أما الحاضر فكذبة. الماضي لا قدرة لنا على تغييره أو تحويله أو تبديله، والمستقبل لا وجود له، وهو في أحسن الأحوال محض إفتراض .

نكذب عندما نقول نعمل للمستقبل، أونصنع المستقبل، فنحن في حقيقة الأمر نعمل للماضي ، عملنا كله يضاف لرصيد هذا الماضي، مثلما عمل الذين سبقوقنا، ومثلما سيعمل الذين سيأتون بعدنا.

أعظم الأمم ليست هي التي سيكون لها مسقبل، فهذا أمر لا يعلمه أحد، وإنما أعظم الأمم هي من فاق إرث ماضيها إرث غيرها.

أعظم الأمم أغناها، وليست التي ستكون أغناها، أعلمها وليست التي ستكون أعلمها، أقواها وليست التي ستكون أقواها.

الأمم تتباهى ليس بما ستفعله، وإنما بما فعلته. ومهما أدعى الواهمون والحالمون، فإن القوّة التي تحمي الأمم والشعوب، هي القوة التي تم إستحداثها وإنجازها، والرفاهية التي يُفتخر بها هي الرفاهية التي عاش الناس فيها، وليست التي سيعيشونها.

سيقول البعض هذا الكلام ينفي سعي البشر لتنظيم تقدمهم عبر التخطيط ، وهذا كلام غير دقيق، فلا عمل سابقاً وحالياً ومستقبلاً وفق التقسيم الإفتراضي الثلاثي للزمن، يمكن أن يتم وبالنجاعة اللازمة من دون تخطيط، ولكن بإبدال ( نخطط) إلى ( خططنا) ، و(نعمل ) إلى (عملنا)، فالخطط لن تكون خططا، إذا ظلت ( نخطط أو سنخطط)، والعمل لن يكون عملاً إذا ظل ( نعمل أو سنعمل)، فهو لن يكون ملموسا إلا إذا تحول لصيغة الماضي ، وهو الزمن الحقيقي الوحيد من بين الأزمنة الإفتراضية . 

كم كان عبقرياً ذاك الفيلسوف اليوناني الذي قال ( إنت لا تضع قدمك في النهر مرتين )، ذلك لأن ماء النهر يجري، والزمن يجري، ذاك سيّال، وهذا سيّال أيضاً.

أنا أعمل وفي لحظة تتحول أعمل إلى (عملت) ، أنا أقول وفي لحظة تتحول أقول إلى (قلت) . ليس ثمة شيء زئبقي لا يُمسك أكثر من الزمن . 

نحتال على الزمن، فننتقل من اللحظة إلى الدقيقة، ومن الدقيقة، إلى الساعة، ومن الساعة إلى اليوم، ومن اليوم إلى الإسبوع، ومن الإسبوع إلى الشهر، ومن الشهر إلى السنة، ومن السنة إلى العقد، ومن العقد إلى القرن، ومن القرن إلى الألفية، وكلها مصطلحات إصطلحناها، كي نقبض على الراهن الذي هو الحاضر، لكن لحظتنا تصبح اللحظة المنصرمة، وكذا الدقيقة والساعة، واليوم يصبح الأمس أو البارحة، والسنة تصبح السنة الفارطة، والعقد العقد  السالف، والقرن القرن الماضي ، والألفية الألفية المنقضية ، ودائما ، ما يفصل بين زمن وآخر، سواء كان دقيقة أم ألفية، لحظة متناهية في الصغر، لا يمكن الإمساك بها، وإن إصطلح عليها باللحظة أو الثانية، هي الحد الفاصل بين الآن غير الملموس والماضي الذي هو كل شيء.

وكل المصطلحات ستطوى.. نغيّر الأرقام ليس إلا، ويظل الزمن وحده الذي لا يتغيّر، في حين تتغيّر كل الأشياء، فوق الأرض وتحت الأرض، وفي الفضاء الخارجي، ويستمر التغيير إلى ما لانهاية .

أنا أكتب الآن .. يقولون هذا هو الحاضر، ولكن ( أنا أكتب الآن ) كتبت قبل ثوان .. أي أصبحت ماض. نحن كدودة القز نلتهم شجرة الحياة ونحولها خيوطا ثم نتشرنق داخلهاً. كأننا لا نبني ولا نشيّد سوى ماض . خيوط حرير متصلة إلى ما لا نهاية، واللاما نهاية ربما هي الزمن من دون تلك التقسيمات الإفتراضية الثلاث. 

لا نحدد الماضي إلا من خلال الفعل، الماضي فعلناه، والحاضر نفعله، والمستقبل سنفعله. لا وجود لـ( نفعل)، فالشيء ينبغي أن يكون مفعول ومعمول، وما سنفعله، ليس سوى نيّة أو رغبة، يصبح زمناً عندما يُفعل ويُعمل، وحالما يتم ( أي حالما يُعمل ويُفعل) يتحول دونما فواصل إلى شيء مفعول ومعمول، أي ماض . 

ليس في الماضي تسويف، أو تعهد، أو خداع، الماضي مُنجز. مُنجز شاخص، ومعروف لدى الجميع، ومُقيّم لدى الجميع سواء بالسلب أم بالإيجاب، لذا فهو وحده الفعل الحقيقي ، الجدير بالإعتبار والإحترام، وما عداه يحتمل كل شيء ، لأنه اساساً لا شيء .

الثلاثاء, 10 أبريل 2012 18:52

الفيتو المزدوج والمعضلة المزدوجة

سؤال ربما تبادر إلى ذهن الكثيرين وقد تكرر للمرة الثانية الفيتو المزدوج الروسي الصيني خلال بضعة شهور لا تتجاوزعدد أصابع اليد الواحدة: لماذا هذا الوقوف الصلب من قبل الدولتين العظمتين إلى جانب سوريا، التي تبدو منعزلة عربياً وعالمياً نوعاً ما؟

سوريا ليست بلداً نفطياً غنياً، ولا هي مؤثرة في عالم الإقتصاد، وكسبها وفق نظرية الربح الإقتصادي لا يساوي بأي قدر خسارة دول بالغة الثراء، يمكنها ( وقد عرضت هذا فعلاً عبر المساومة) تعويض روسيا وكذا الصين بمليارات الدولارات ومصالح يسيل لها لعاب الدول.

هل أخطأت روسيا الصاعدة بعد إنتكاس، والصين التي عهد عنها عدم المغامرة بشيء والتي إعتادت حساب كل شيء بالمسطرة والفرجال، أم أن الآخرين هم الذين أخطأوا القراءة، وتلمس المتغيرات ؟

حمد بن جاسم يمثل بكل وضوح ذاك الذي حجبت عن عينيه تطورات القرن الحادي والعشرين، والذي ما زال يعيش مثلما أجداده عقلية بداية القرن العشرين، وياليتهم كانوا يدركون معطيات هذا القرن الذي لم يفهموا منه سوى تسيّد دول الغرب، وبالتحديد بريطانيا العالم، بهذه العقلية حاول التأثير على مندوب روسيا الإتحادية في مجلس الأمن سواء بالإغراء، أو التهديد بكون روسيا ستفرط بعلاقاتها بالدول العربية، التي بات حمد معبراً عنها ويا لسخرية الأقدار .

ولأن حمد لا يتحدث عن دراسة وتمعن بما يحيط به، وما يمر به العالم الآن من متغيرات ، فإنه على الأرجح، لم يفهم أو يتمعن برد تشوركين، مندوب روسيا العظمى، حينما نهره بقوله: لا تتكلم معي بهذه النبرة وإلا فلا قطر بعد اليوم !

أجزم أن حمد لم يفهم هذا التحذير، ربما عدّه رد فعل غاضب رغم أن تشوركين كان بالغ الهدوء، ولم يكن منفعلاً قط، تماما مثلما لا ينفعل الأسد من طنين الذبابة حوله، والإنفعال كما رأينا جميعاً كان في الجانب الآخر.

مغزى كلام تشوركين يحمل في طياته السخرية المريره من كسيح يدعو الآخرين لتهديم بيته على رأسه. هذا الحمد لا يعرف إنه إذا إستعدى الآخرين على سوريا، وإذا حدث ما لا يحمد عقباه لا سامح الله، فإن قطر ستذهب بالرجلين كأول من يذهب في المنطقة، هذا هو جوهر كلام تشوركين ومعناه.

هؤلاء الأعراب، حديثو النعمة، قصيرو النظر، الذين لا ينظرون إلا بمنظار الغرب وأميركا ، وبالتالي إسرائيل، لا بد من الحجر عليهم بدعوى السفاهة وعدم الأهلية، وإلا فهل لأحد أن يفسر لنا أو لغيرنا هذا الغباء الذي يدعو صاحبه إلى تقديم أمته ومن ضمنها بلده إلى الخراب والفوضى.

مصيبتنا بمن يحكمنا الآن كإمتداد  لمن كان يحكمنا سابقا.

خيبتنا، وهواننا ليس نتاج يومنا، ليس وليد هذا الملك أو ذاك الأمير، أو هذا الحاكم، وإنما وليد الحكام الآباء، و الأجداد، وليد مرحلة الإحتلال والإنتداب والتبعية. تعددت الأسماء والأسباب واحدة، ولا نجاة لنا إلا بالخروج من حكم وهيمنة الآباء والأبناء والأحفاد، أولئك الذين إعتبرونا جميعاً، على إمتداد الأرض العربية رعايا وأتباع لذواتهم نصف المؤلهة، لا مهمة لنا سوى التبجيل بمقامهم العالي والسامي والرفيع.

نعم تحتاج أمتنا إلى قيم الديمقراطية، والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، والشفافية، والإحتكام إلى عامة الناس في تحديد من يحكمها، وطريقة حكمها، وفي العدل والمساواة، والتوزيع العادل للثورة، والعصرنة والحداثة، عبر الوسيلة الوحيدة التي أثبتت نجاعتها ألا وهي صناديق الإقتراع، فهل هذا مُتحقق في مشيخة حمد التي لا تتعدى أربعة اشياء : بئر نفط، وقاعدة أمريكية، ومفتي سلطان، وقناة فضائية، تلكم هي مشيخة قطر بلا زيادة ونقصان .

ما يتمشدق به حمد ومن لف لفه، هو بالتحديد ما ينشده التغيير الذي بات أمراُ لا مناص منه، ومن الواضح أن هذا التغيير سيجرف أول ما يجرف حكم الذين يعيشون خارج العصر ، هذ التغيير حاصل سواء عبر الثورات الشعبية، أم عبر صدام إقليمي يتحوّل إلى حرب متعددة الأطراف، أكثر الدلائل تشير إلى أنه سيعيد رسم خارطة المنطقة إيذاناً بإنبثاق عصر آخر، جديد ومختلف، لا مكان فيه لحمد وأشباهه.

معضلة حمد مزدوجة أيضاً، وهو لو تمعّن جيداً خاسر في الحالتين، خاسر إذا إنهار النظام السوري، فبعد هذا الإنتصار لن يتوقف التغيير على أسوار بلدان الخليج غير الحصينة، وحتى من دونما حراك شعبي، فهي ستخضع للإملاءات الأميركية بالتغيير الذي بواسطته تستطيع أميركا تقديم نموذج للتابعين مختلف عما سبق، فتغير الوجوه لن يتوقف عند تغيير مبارك، وبن علي، وساذج من يتصور أن المرحلة الجديدة التي تخطط لها أميركا، يمكن أن تبقي أنظمة العصور الوسطى تحكم في القرن الحادي والعشرين، حتى لو سلمت لحاها لإسرائيل، فهذه إن حدثت ستكون مدعاة للتغيير، والأتيان بأنظمة تحضى بجزء ولو يسير من المصداقية والعصرنه والشرعية، كي يكون لإجراءاتها وإتفاقياتها ديمومة وثبات،  ولا يهم أن كانت بلبوس إسلاموي، شريطة أن يتم ملاءمة الشريعة مع الحداثة والعصرنة الأميركية.

ومعضلته الثانية، كونه صغيراً يلعب في ملعب الكبار، وباستثناء مال النفط والغاز الذي يُسترد منه عبر تمويل ما يُسمى بحركات المعارضة المسلحة، والتهييج، وشراء الذمم، فإنه في حقيقة الأمر ليس سوى (برغي) بالغ الصغر في ماكنة عملاقة، يتم إستبدال قطع غيارها بإستمرار، وهنا تكمن معضلته الثانية، فمذيع نشرة الأخبار ليس هو من يصنع الحدث، وساعي البريد ليس هو من يملي الرسائل، هو خارج اللعبة، واللاعبون الحقيقيون يدوزنون أوتارهم، ويعيدون حساباتهم في كل لحظة، وصولاُ إلى لحظة الحسم التي ستكون واحدة من إثنين، إما الإنفجار، أو تأجيله .

إذا حدث الإنفجار فلا حظ لحمد في بقاء مشيخته، أما إذا تم تأجيل الصدام بحكم توازن القوى، وحسابات الخسائر التي لا يتحملها أي طرف من الأطراف، فإن حمد سيكون بمواجهة سوريا التي لم تسقط، والتي ستكون منتصرة بكل المعايير. خصوصاً وأنها ستنهج النهج الذي طالبت به التحركات الشعبية وهي مُحقة، فكيف يكون حال حمد يوم يطالب بتنفيذ ما نفذته سورية؟ هل سنجد حاكم قطر يعرض الميزانية السنوية على البرلمان القطري الذي بيده وحده إختيار الحاكم ومحاسبته، وتعيين الوزراء، ورسم سياسة البلد؟ وهل سنشهد معارضة تسأل الأسرة الحاكمة : من أين لكم هذا وقد كنتم قبل ثلاثين عاماً تعيشون في بيوت الطين ؟

ما من قضية تغنى بها العرب كقضية فلسطين، وما من قضية غدر بها العرب كقضية فلسطين.

أترانا نجانب الصواب فيما قلناه، ام ترانا ننساق للمبالغة، أم أن هذه هي الحقيقة التي يستنبطها كل متابع لمجريات الأحداث، ليس فقط بعد إنشاء الكيان الصهيوني، وإنما حتى قبله.

هل ثمة من شاعر عربي، تيّمن أم تيّسر، تشرّق أم تغرّب، تقومنَ أم تقطرن، لم ينشد لفلسطين المغتصبة ؟

وهل ثمة من زعيم عربي، ملكاً كان أم أميراً، سلطاناً كان أم رئيساً، لم يتعهد بتحريرها من رجس الصهاينة ؟

وهل ثمة حزب، على إمتداد الأرض العربية، على إختلاف هذه الإحزاب وتلونها، لم يضع في ديباجة برنامجه قضية فلسطين، بإعتبارها أس نضاله.

أجمع العرب، صدقاً أم نفاقاً، حكاماً ومحكومين على أن فلسطين هي قضيتهم المركزية، وأنه لن يهدأ لهم بال حتى يتم تحريرها، وإعادة الحق لإصحابه .

أنقول والحال هذه هنيئاً لفلسطين بعربها، أم نقول كما أثبتت الأحداث : ياويل فلسطين من عربها وأعرابها؟ 

ترافقت القضية الفلسطينة مع غيرها من القضايا التي بدت أكثر تعقيداً وصعوبة، لكن كل تلك القضايا إنتهت، وحُسمت وفق مشيئة أصحابها، أصحاب الحق، إلا القضية الفلسطينة،

في الخمسينيات كنا نشبه أية قضية صعبة ومتعذرة الحل بالقضية الفيتنامية، فيما بعد ، وفي الستينيات كنا نشبه مثل هذه القضايا، بقضية الميز العنصري في جنوب افريقيا، ثم بقضية هونكونغ ومطالبة الصين بها، تلك المطالبة التي حسب البعض أنها عقيمة. 

إنتهت قضية فيتنام بإنتصار الشعب الفيتنامي، وأنتهى الميز العنصري في جنوب أفريقيا، وأخرج مانديلا من سجنه ليكون أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، وأعيدت هونكونغ إلى الصين، لكن قضية فلسطين، لم تتقدم ولا خطوة إلى أمام، إن لم تكن تقهقرت إلى الخلف .

أيكون السبب في كوننا أمة أهون شأناً من غيرنا، أهون من الفيتنامين، والصينين، والزنوج في جنوب أفريقياً، أم لأنه لم يكن لدينا قائداً كهوشي منه، أو مقاتلاً كالجنرال جياب، وزعيماً كماو تسي تونغ، أو مناضلاً كنلسن مانديلا؟

إذا كان الأمر هكذا، وهو على الأغلب هكذا، فكيف يستقيم  هذا مع كون كل زعمائنا وقادتنا لم تنجب مثلهم ولادة، ومن لديه شك في قولي هذا فليذهب لإعلامنا العربي، كي يعرف حجم عبقرية أي ملك، أو أمير أو رئيس دولة، أو زعيم طائفة، وصولاً إلى  زعيم القبيلة وبلطجي الحارة .

من يعرف إبن هوشي منه أو ماو، من يعرف أخ وأبن عم مانديلاً ؟ من من الوزراء ، والمؤثرين في القرار في فيتنام، والصين، وجنوب أفريقيا، ينتسبون أو يرتبطون بصلة قرابة  بهوشي منه ، وماو ، ومانديلا؟

أية ثروة ترك زعيم الصين ومحررها، وقائد فيتنام وبطلها، والرمز النضالي الأسمى في العصر الحديث ( مانديلا) ؟ ما هي حساباتهم في البنوك،؟ ما هي ضياعهم وأملاكهم؟

لو كانت فلسطين في ذمة أمة كالأمة الفيتنامية، أو الأمة الصينية، أو الأمة الزنجية في جنوب أفريقيا، وكانت تحت قيادة بنزاهة وإخلاص وعفة هوشي منه، وماو، ومانديلا أكانت تضيع كضياع قضيتكم المركزية يا عرب ؟

ولكن هل كانت القضية الفلسطينية قضيتكم المركزية حقاً؟

وهل تعاملتم مع منظمة التحرير الفلسطينية التي عمدتموها ( ممثلاً شرعياُ وحيداً للشعب الفلسطيني ) في قممكم وفق هذا التعميد أم أنكم سعيتم لمحاربتها وإضعافها، والتدخل في شؤنها، وتخريبها، عبر شراء الذمم، والإفساد المالي، وإشاعة الفساد فيها، وصولاً إلى إسقاط هيبتها؟ لقد حولتم الفدائي المستعد بالتضحية بالنفس من أجل فلسطين، إلى تاجر، أو موظف في مؤسساتكم، أو مترهل باحث عن المتع، منتظراً إحسانكم للإستمرار في المعيشة الرخية التي عودتموه عليها . 

وإذا تركنا جانباً الدول التي تخلت عن فلسطين علناً، بدءاً من تونس بورقيبة، مروراً بمصر كامب ديفيد، و أردن إتفاقية وادي عربة، وصولاً إلى دويلات النفط في الخليج، وتحدثنا عن تلك الدول التي زايدت على القضية الفلسطينية، ولنحتكم لوقائع الماضي القريب، ونتساءل كيف تعامل العراق، وسوريا، وليبيا القذافي، مع القضية الفلسطينية ؟

ألم تطارد بعض مخابرات الدول العربية( التقدمية) الكوادر الفلسطينية في أقطار الدنيا، فقتلت من قتلت، وشلت قدرات البعض؟

وأذا كانت المنظمة هي الممثل الوحيد للشعب، فلماذا أنشأتم جبهة التحرير العربية ، وحاربتم تنظيم عرفات، ولماذا أقدمت سوريا مثلاً على شق المنظمة؟ وتذكروا إنشقاق العقيد أبو موسى، ولماذا دعمت هذه الدولة المدعية التقدمية هذه الجبهة على حساب تلك وإتفقت على العداء لعرفات،  وهو العداء الذي لم يستطيعوا تبريره ، والذي لم يكن يخرج عن الرغبة في الهيمنة على المنظمة ومصادرة قرارها الفلسطيني المستقل، وبالنتيجة تهاوت هذه الأنظمة، أو إستسلمت، فيما إستشهد عرفات، بعد أن حُوصر من قبل الأشقاء قبل الإعداء، ولم يفرّط بالقضية التي آمن بها، وناضل من أجلها، أما أمين القومية العربية فقط شرد آلاف الفلسطينين، ورماهم خلف الحدود بحجة أن قيادتهم هادنت إسرائيل، ليتبين فيما بعد أن هذا الدعي قد سلم لحيته لأمريكا، وهذا يعني إسرائيل عن طريق غير مباشر .

رحل عرفات، وتشتت المنظمة، وإنبثقت قيادة من الداخل، قيادة ثورية من طراز خاص ، منحها شعب الداخل ثقته، وكلفها بتشكيل الحكومة، وهي أول حكومة منتخبة داخل فلسطين، فماذا كان موقفكم منها؟

لقد تجاهلتم واجبكم إتجاه أشقائكم المحاصرين في غزة، وبدل من أن تدعموهم قمتم بشن حرب إعلامية ضروس وشعواء عليهم، ولم يرف لكم جفن وغزة تهدم على رؤوس أبنائها شيباً وشباباً، نساءاً وأطفالاً. لم تتحرك جامعتكم، ولم ينبض فيكم عرق، ولا تحرّكت حميتكم، بل كنتم تتشفون بما يحدث، لأن هؤلاء خرجوا عن طوعكم، ولم يتقيدوا بتوجيهاتكم، التي لم تدعو سوى إلى الإستسلام للعدو، وكأن حصار العدو لم يشف غليلكم فقمتم بتشديد الحصار  وقطع أي معونة مهما صغرت، وإذا كان الإسرائيليون قد بنوا جداراً كونكريتياُ لعزل الضفة الغربية عن الشرقية، فإن فرعون مصر بنى جداراً فولاذياً لحصار غزة، قصد تجويعها، ومن ثم إركاعها وإذلالها لمصلحة بني صهيون، لكن غزة لم تركع، وخرجت من الإختبار مجللة بالغار والفخار، وتلفعتم بالخزي والعار.

نعق الناعقون، وعلى مراحل: مصر أولاً، ثم الأردن أولاً، ثم لبنان أولاً، والعراق أولاً، وليس من الخطأ أن يكون الوطن أولاً وآخراً في كل شيء، بل أن تكريس مثل هكذا نهج لازم وضروري، فما أجمل أن يكون الوطن أولاً، لا الحزب، أو الطائفة، أو العرق، أو  القبيلة، أو المنطقة . نعم الوطن أولاً ، لكن ينبغي أن لا يكون طرح  هذا الشعار طرحأ مراوغاً ومُخادعاً، لا يستهدف تعزيز اللحمة الوطنية حقاً ، وإنما يستهدف الخروج ، أو التنصل من الواجب الذي يلزمنا كعرب ومسلمين وبشر على وجه هذه الأرض ، فالقضية الفلسطينية ليست عربية فقط، ولا إسلامية فقط، وإنما إنسانية وأخلاقية تهم كل ذي ضمير حي في أرجاء المعمورة ، والتنصل منها يثلم عروبتنا وإسلامنا وإنسانيتنا.

 
 
لم يكن ثمة من يحسب قبل بضعة أشهر، أن بغداد ستكون مقراً لقمة العرب القادمة، خصوصاً بالترافق مع إشتعال التصريحات النارية بين بغداد من جهة ودول الخليج، وبالأخص السعودية والبحرين والكويت، من جهة أخرى.
كانت كل المؤشرات تشير إلى تفاقم الأزمة خصوصاً بعد أن إرتدت ملامح طائفية سافرة، كانت تنذر بأهوال إحتراب لا يعرف مداه.
 
فجأة، وعلى نحو غير متوقع بدأ الغزل الخجول بين السعودية والعراق، الذي تحول وبسرعة لافته إلى تطبيع للعلاقات، تضمن الإتفاق على العديد من المسائل، من ضمنها تبادل المحكومين، بما فيهم المحكوم عليهم بالإعدام، وحلت التعابير الدافئة المؤكدة على الأخوة بين الأشقاء محل تلك التعابير التي كانت تؤكد إستحالة التلاقي بين زعماء البلدين . وتبع هذا تأكيد البحرين على مشاركتها في قمة بغداد على أعلى مستوى، ثم تطبعت العلاقة بين الكويت والعراق، بعد أن حسب البعض أنها مرشحة للإشتعال، وبالأخص بعد إعتراض العراق على مكان تشييد ميناء مبارك الكبير، وإنتقل هذا الدفء المفاجيء إلى الإعلام الخليجي الذي تفطن إلى أن العراق بلد عربي شقيق، ومحوري، مثلما تفطن الإعلام العراقي إلى أن المصالح التي تجمع العراق بأشقائه في الخليج أكبر من أن يتم القفز عليها.
 
يرى بعض المراقبين أن القمة لو إنعقدت في موعدها، ولو صدقت التوقعات بأن عدد القادة الذين سيحضرون بأنفسهم سوف لن يقل عن أربعة عشر قائداً، ولو أن من ضمن هؤلاء القادة، قادة الخليج، فإن العلاقات بين العراق وأشقائه الخليجيين ستكون مرشحة للإرتقاء إلى مستويات لم تكن معهودة سابقاً، خصوصاً وأن العراق سيستلم زعامة الجامعة لعام كامل، في مرحلة هي بلا شك من أخطر المراحل التي تمر بها الأمة .
 
أربعة دول من بين دول الجامعة، يصعب تجاهل دورها، وهي مصر وسوريا والعراق والسعودية، وكل من هذه الدول قاد الأمة عبر تأريخها، وأسهم في بناء وتشييد مجدها المتميز، ومجموع سكان هذه الدول أكثر من نصف سكان الأمة، وهي تملك القسم الأكبر والأهم من الثروات المادية، والتأثير الروحي والمعنوي، إلا أن كل دولة من هذه الدول تشكو من إعاقة ما، فالعراق أحتل ودمر ومزّق، وهو يسترد عافيته الآن، ولو ببطء، وهو بحاجة إلى الدعم ليتسنى له أخذ دوره، أما مصر فهي في أزمة بعد ثورتها، وما زال نظامها لم تتحدد ملامحه بعد، وسوريا، محاربة من أكثر من نصف العالم، وتتعرض إلى ما تتعرض له، وهي مشغولة بتضميد جراحها النازفة، أما السعودية وإن بدت مستقرة نوعاً ما، إلا أنها لا يمكن أن تنبري لقيادة المرحلة، التي تختلف متطلباتها كلياً مع طبيعة الحكم فيها.
 
ويتميز العراق عن سواه في نقاط أخرى، منها أنه البلد الوحيد في المنطقة الذي يملك علاقات متينة مع أمريكا من جهة ومع إيران من جهة أخرى، وهو صديق لروسيا والصين، ودول الغرب، وهو على علاقة طبيعية مع سوريا، وليس على الضد من ما يُسمى قوى الممانعة، وبعد تطبيع العلاقات مع دول الخليج فإنه سائر إلى إقامة مشاريع مشتركة بينه وبينها، في مجال النقل الجوي والبحري، وربما إستثمار حقول النفط المشتركة مستقبلاً، وهو على علاقة جيدة مع تركيا، تعبر عنها التجارة النشطة بين البلدين، وإنبوب النفط الذي يربط مؤانيء تركيا بحقول النفط العراقية، ومن الأمور الواعدة التوقيع على أهم عمل خلاق، ألا وهو بناء سد مائي مشترك، والتخطيط لإنشاء القناة الجافة التي تربط ميناء الفاو العملاق بتركيا وأوربا ، بالإضافة إلى أنه بلد يخطط  كي تكون ميزانيته في العام القادم ثلاثمئة مليار، أما في الأعوام القليلة القادمة ، وبعد إنجاز مشاريع النفط والغاز، فمن المتوقع أن يكون صاحب أعلى ميزانية في المنطقة .
 
كل هذه الأمور يأخذها الشرق والغرب بعين الإعتبار، فلماذا يتجاهلها العرب ؟
 
والعراق كان وما يزال، وسيبقى عربياً، وعلى قول المرحوم عرفات، شاء من شاء، وأبى من أبى .
 
يقول البعض أن دول الخليج، وبالأخص السعودية تقرّبت من بغداد، من أجل إبعادها عن سوريا أولاً، ومن ثم إيران ثانياً. قد  يكون البعض، في دول الخليج، وغير الخليج يفكر هكذا، إلا أن مثل هذا الأمر سوف لن يحدث، لأنه إن حدث فإن العراق سيفقد أهم ميزه له  تميزه عن غيره من الدول، ثم أن أمريكا بكل قوتها، وهي كانت تحتل العراق بجيش عرمرم، لم تستطع إبعاد العراق عن إيران، فإضطرت إلى التعامل معه على أنه صديقها وصديق إيران في عين الوقت، لا بل هي تقر بأن تأثير إيران أكثر من تأثيرها على العراق ، وهي الدولة المحتلة له .  
 
العراق سوف لن يكون كما يريد له الآخرون أن يكون، وإنما كما يريد هو لنفسه أن تكون
 
 وما يريده لنفسه هو ما تريده له الجفرافية المعجونة بالتأريخ، وما يتلاءم مع الدور الذي عليه أن يلعبه.
 
تغيير مواقف الآخرين من العراق ليس بسبب تفطن البعض مؤخراً لأهميته، وليس لأجل إبعاده عن محور سوريا وإيران وحزب الله، وإنما لأن اللاعبين الكبار توافقوا على أن يكون اللعب على هذا النحو ، لهذا قرروا وأوعزوا.
 
العراق يتربع على عرش المصالح الكونية. سيكون قريباً من أمريكا مثلما هو قريب من روسيا، قريبا من الصين، مثلما هو قريب من أوربا، قريبا من سوريا مثلما هو قريب من دول الخليح .
 
دور العراق محصلة توافق، توافق الكبار، إستوجبته معطيات أكبر من حجوم البعض، وفوق رغبات البعض، لأنها تتعلق بتوازنات حافة الهاوية التي لا يريد أحد أن ينزلق إليها.
سؤال ربما تبادر إلى ذهن الكثيرين وقد تكرر للمرة الثانية الفيتو المزدوج الروسي الصيني خلال بضعة شهور لا تتجاوزعدد أصابع اليد الواحدة: لماذا هذا الوقوف الصلب من قبل الدولتين العظمتين إلى جانب سوريا، التي تبدو منعزلة عربياً وعالمياً نوعاً ما؟
سوريا ليست بلداً نفطياً غنياً، ولا هي مؤثرة في عالم الإقتصاد، وكسبها وفق نظرية الربح الإقتصادي لا يساوي بأي قدر خسارة دول بالغة الثراء، يمكنها ( وقد عرضت هذا فعلاً عبر المساومة) تعويض روسيا وكذا الصين بمليارات الدولارات ومصالح يسيل لها لعاب الدول.
هل أخطأت روسيا الصاعدة بعد إنتكاس، والصين التي عهد عنها عدم المغامرة بشيء والتي إعتادت حساب كل شيء بالمسطرة والفرجال، أم أن الآخرين هم الذين أخطأوا القراءة، وتلمس المتغيرات ؟
حمد بن جاسم يمثل بكل وضوح ذاك الذي حجبت عن عينيه تطورات القرن الحادي والعشرين، والذي ما زال يعيش مثلما أجداده عقلية بداية القرن العشرين، وياليتهم كانوا يدركون معطيات هذا القرن الذي لم يفهموا منه سوى تسيّد دول الغرب، وبالتحديد بريطانيا العالم، بهذه العقلية حاول التأثير على مندوب روسيا الإتحادية في مجلس الأمن سواء بالإغراء، أو التهديد بكون روسيا ستفرط بعلاقاتها بالدول العربية، التي بات حمد معبراً عنها ويا لسخرية الأقدار .
ولأن حمد لا يتحدث عن دراسة وتمعن بما يحيط به، وما يمر به العالم الآن من متغيرات ، فإنه على الأرجح، لم يفهم أو يتمعن برد تشوركين، مندوب روسيا العظمى، حينما نهره بقوله: لا تتكلم معي بهذه النبرة وإلا فلا قطر بعد اليوم !
أجزم أن حمد لم يفهم هذا التحذير، ربما عدّه رد فعل غاضب رغم أن تشوركين كان بالغ الهدوء، ولم يكن منفعلاً قط، تماما مثلما لا ينفعل الأسد من طنين الذبابة حوله، والإنفعال كما رأينا جميعاً كان في الجانب الآخر.
مغزى كلام تشوركين يحمل في طياته السخرية المريره من كسيح يدعو الآخرين لتهديم بيته على رأسه. هذا الحمد لا يعرف إنه إذا إستعدى الآخرين على سوريا، وإذا حدث ما لا يحمد عقباه لا سامح الله، فإن قطر ستذهب بالرجلين كأول من يذهب في المنطقة، هذا هو جوهر كلام تشوركين ومعناه.
هؤلاء الأعراب، حديثو النعمة، قصيرو النظر، الذين لا ينظرون إلا بمنظار الغرب وأميركا ، وبالتالي إسرائيل، لا بد من الحجر عليهم بدعوى السفاهة وعدم الأهلية، وإلا فهل لأحد أن يفسر لنا أو لغيرنا هذا الغباء الذي يدعو صاحبه إلى تقديم أمته ومن ضمنها بلده إلى الخراب والفوضى.
مصيبتنا بمن يحكمنا الآن كإمتداد لمن كان يحكمنا سابقا.
خيبتنا، وهواننا ليس نتاج يومنا، ليس وليد هذا الملك أو ذاك الأمير، أو هذا الحاكم، وإنما وليد الحكام الآباء، و الأجداد، وليد مرحلة الإحتلال والإنتداب والتبعية. تعددت الأسماء والأسباب واحدة، ولا نجاة لنا إلا بالخروج من حكم وهيمنة الآباء والأبناء والأحفاد، أولئك الذين إعتبرونا جميعاً، على إمتداد الأرض العربية رعايا وأتباع لذواتهم نصف المؤلهة، لا مهمة لنا سوى التبجيل بمقامهم العالي والسامي والرفيع.
نعم تحتاج أمتنا إلى قيم الديمقراطية، والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، والشفافية، والإحتكام إلى عامة الناس في تحديد من يحكمها، وطريقة حكمها، وفي العدل والمساواة، والتوزيع العادل للثورة، والعصرنة والحداثة، عبر الوسيلة الوحيدة التي أثبتت نجاعتها ألا وهي صناديق الإقتراع، فهل هذا مُتحقق في مشيخة حمد التي لا تتعدى أربعة اشياء : بئر نفط، وقاعدة أمريكية، ومفتي سلطان، وقناة فضائية، تلكم هي مشيخة قطر بلا زيادة ونقصان .
ما يتمشدق به حمد ومن لف لفه، هو بالتحديد ما ينشده التغيير الذي بات أمراُ لا مناص منه، ومن الواضح أن هذا التغيير سيجرف أول ما يجرف حكم الذين يعيشون خارج العصر ، هذ التغيير حاصل سواء عبر الثورات الشعبية، أم عبر صدام إقليمي يتحوّل إلى حرب متعددة الأطراف، أكثر الدلائل تشير إلى أنه سيعيد رسم خارطة المنطقة إيذاناً بإنبثاق عصر آخر، جديد ومختلف، لا مكان فيه لحمد وأشباهه.
معضلة حمد مزدوجة أيضاً، وهو لو تمعّن جيداً خاسر في الحالتين، خاسر إذا إنهار النظام السوري، فبعد هذا الإنتصار لن يتوقف التغيير على أسوار بلدان الخليج غير الحصينة، وحتى من دونما حراك شعبي، فهي ستخضع للإملاءات الأميركية بالتغيير الذي بواسطته تستطيع أميركا تقديم نموذج للتابعين مختلف عما سبق، فتغير الوجوه لن يتوقف عند تغيير مبارك، وبن علي، وساذج من يتصور أن المرحلة الجديدة التي تخطط لها أميركا، يمكن أن تبقي أنظمة العصور الوسطى تحكم في القرن الحادي والعشرين، حتى لو سلمت لحاها لإسرائيل، فهذه إن حدثت ستكون مدعاة للتغيير، والأتيان بأنظمة تحضى بجزء ولو يسير من المصداقية والعصرنه والشرعية، كي يكون لإجراءاتها وإتفاقياتها ديمومة وثبات،  ولا يهم أن كانت بلبوس إسلاموي، شريطة أن يتم ملاءمة الشريعة مع الحداثة والعصرنة الأميركية.
ومعضلته الثانية، كونه صغيراً يلعب في ملعب الكبار، وباستثناء مال النفط والغاز الذي يُسترد منه عبر تمويل ما يُسمى بحركات المعارضة المسلحة، والتهييج، وشراء الذمم، فإنه في حقيقة الأمر ليس سوى (برغي) بالغ الصغر في ماكنة عملاقة، يتم إستبدال قطع غيارها بإستمرار، وهنا تكمن معضلته الثانية، فمذيع نشرة الأخبار ليس هو من يصنع الحدث، وساعي البريد ليس هو من يملي الرسائل، هو خارج اللعبة، واللاعبون الحقيقيون يدوزنون أوتارهم، ويعيدون حساباتهم في كل لحظة، وصولاُ إلى لحظة الحسم التي ستكون واحدة من إثنين، إما الإنفجار، أو تأجيله .
إذا حدث الإنفجار فلا حظ لحمد في بقاء مشيخته، أما إذا تم تأجيل الصدام بحكم توازن القوى، وحسابات الخسائر التي لا يتحملها أي طرف من الأطراف، فإن حمد سيكون بمواجهة سوريا التي لم تسقط، والتي ستكون منتصرة بكل المعايير. خصوصاً وأنها ستنهج النهج الذي طالبت به التحركات الشعبية وهي مُحقة، فكيف يكون حال حمد يوم يطالب بتنفيذ ما نفذته سورية؟ هل سنجد حاكم قطر يعرض الميزانية السنوية على البرلمان القطري الذي بيده وحده إختيار الحاكم ومحاسبته، وتعيين الوزراء، ورسم سياسة البلد؟ وهل سنشهد معارضة تسأل الأسرة الحاكمة : من أين لكم هذا وقد كنتم قبل ثلاثين عاماً تعيشون في بيوت الطين؟
ربما لن تتغيّر الأوضاع في سوريا على نحو دراماتيكي، أي أن النظام لن يسقط كما حدث في ليبيا، وقد لا تستنسخ تجربة اليمن، ولا تتكرر تجربة تونس ومصر، لكن سوريا الغد سوف لن تكون سوريا الأمس، ولا حتى سوريا اليوم.
من المؤكد أن الحراك الشعبي هو من حرّك المياه الراكدة في سوريا، وهو من سيغيرها، ولكن هذا التغيير سوف لن يكون ظاهريا على أيدي المنتفضين، والمتظاهرين، وإنما ( وهذه مفارقة بالغة الدلالة ) على أيدي السلطة، أو على يد قسم فاعل من هذه السلطة ، بيده القرار النهائي ، وهذه تجربة لو نجحت فسوف تكون تجربة فريدة .
صحيح أن التغيير الكلي والناجز، لن يتيسر إلا على يد الثوار ذاتهم، ولكن هذا يستوجب أن يكون الثوار والمنتفضين منظمين بشكل جيد، وقادرين على التغيير، دونما إعتماد على غيرهم، وبالتحديد على قوى خارجية تختلف مصالحها مع مصالح الثورة، أو الحراك الشعبي، وهذا غير حاصل في الحالة السورية، بل الحاصل هو العكس تماماً، حيث إرتهن الجزء الضارب من الحراك بقوى إجنبية، وإعتمد على دعمها ومساعدتها، وهذه القوى الداعمة والمساندة، وهي دول، لم تكن موّحدّة أساساً في الموقف من الحراك وطبيعته، والمراد منه، ولذا فقد بات من المحتم أن تتشرذم قوى الحراك التي إرتهنت بقوى خارجية ، وليس من المستغرب أن نشاهد غداً تشظي هذه القوى كلما توضح وتبلور الغرض الذي تستهدفه كل دولة داعمه .
واحدة من نقاط ضعف الحراك أنه لم يقدم برنامجه، واقتصر على مفردة الإسقاط ، واسقاط الشخص وليس النظام حتى، مما أفسح في المجال أمام الجميع للإدعاء بتمثيلهم لهذا الحراك، فكأني بهذا الحشد يهتف بصوت واحد ( يا أعداء بشار إتحدوا !) ، وأعداء بشار كما ظهر طيف واسع من الأخيار والأشرار، يمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من المعممين إلى الملاحدة ، ومن إسرائيل مروراً بالرياض ودول النفط حتى النظم الغربية الليبرالية، وشعار كهذا ليس سوى فقر مدقع، فالثورات لا تقزم نفسها بموقف من شخص مهما كان هذا الشخص، وعبثا محاولة الهرب من التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان، فالتفاصيل تعني هنا البرنامج ووضوح الرؤيا والأهداف، وبدون هذا فأن أي تحرك كائن من كان، سيبقى أقل من هبة، أو حراك عشوائي ، وأبعد ما يكون عن الثورة .
لقد تصاعدت نداءات القوى التي تقف خلف الحراك الداعية إلى وحدة المعارضة، وهذا أمر شبه مستحيل، ويبدو أن المراد من دعوة فرنسا لتوّحد المعارضة، هو غير دعوة أمريكا، أو السعودية، أو تركيا، ولعل الشيء المؤكد أن كل منهم يريد التوّحد وفق رؤاه وأهدافه، ومتطلباته، علماَ أن مصالح هذه الجهات لا تتفق إلا في نقطة واحدة وهي العداء للنظام السوري، وهذا العداء ليس على درجة واحدة، فهو يندرج ضمن خط بياني يبدأ بإركاع بشار، مروراً بأضعافه للدرجة التي تجبره على تقديم تنازلات، تجعله يغيّر مواقفه، بحيث ينخرط في الركب السائد الآن في المنطقة، وصولاً إلى القضاء عليه شخصياً، وقلب نظامه، ومن ثم إنبثاق نظام آخر على أعقابه مختلف تماماً، ويلاحظ هنا أن اشد الدول حماساً للحسم العسكري هي الدول العربية، وعلى رأسها السعودية وقطر، وأقل الدول حماساً للحسم العسكري هي بريطانيا وأمريكا، وفرنسا، وهي الدول الغربية الأكثر إنغماساً في الشأن السوري .
يعزو البعض هذا التباين إلى درجة الفهم والإحاطة بالمتغيرات الحاصلة، وطبيعة توازن القوى، والتقدير الموضوعي لقوة سورية وحلفائها، ففي حين تعرف الدول الأوربية وأمريكا طبيعة الصراع والمديات التي يمكن أن يصل إليه، فإن السعودية وقطر لا تقدر الأمور بشكل صحيح وتتصور، وخصوصاً قطر، إن ما حدث في ليبيا يمكن أن يحدث في سورية، أما السعودية فما زالت منتشية بالسناريو اليمني، الذي من المبكر معرفة أين سترسو سفنه .
الإنشقاقات التي ستحدث الآن أو في المستقبل في جسم المعارضة لن تكون بسبب إختلاف رؤى المعارضين، وإنما بسبب إختلاف رؤية الدول المساندة والداعمة لكيفية معالجة الوضع، فمن يتبع فرنسا سيختلف مع من يتبع أمريكا، وحتى من يتبع قطر ( الأخوان) سيختلف مع من يتبع السعودية ( السلفيين) ، وستكون القاعدة ضد الجميع لأنها لن تقبل ، كما هو شانها في العراق، إلا أن يندرج الجميع تحت جناحها وهيمنتها . 
في حالة سوريا رغم إتساع الحراك وشموله رقعة متنوعة وواسعة من الأرض السورية ، ودخول فئات متنوعة فيه، إلا أنه وكما أثبتت وقائع الأشهر الدموية أضعف من أن يحسم الصراع لمصلحته، ربما بسب قوّة السلطة وجيشها، ووقوف أعداد كبيرة لا يستهان بها إلى جانب السلطة، ووقوف أعداد أخرى، ربما أكبر على الحياد، أو بإنتظار ما ستتمخض عنه الأحداث، إلا أن المسلحين ينحسرون، ويفقدون المبادرة شيئاً فشيئاً. يبدو أن السلطة تنهج نهج القضم المنظم لمناطق عمل ونشاط المسلحين، وبالترافق مع عملية القضم البطيئة هذه ، تتم عملية بطيئة هي الأخرى، ألا وهي عملية الإصلاح، والذي يرى البعض أنه يسير سير السلحفاة، إلا أنه هام وجوهري، ومتصل الحلقات، وإذا ما تم ترجمة عمليات الإصلاح هذه إلى حقائق على الأرض ، فإن الهدف الأساسي من الحراك الشعبي يكون قد تحقق، ألا وهو التغيير والإصلاح .
ما يحدث في سورية ليس مختلفاً من حيث الطريقة مع ما حدث في دول الربيع العربي، لكنه مختلف من حيث النوع والعمق .
في تونس ثارت الجماهير لكن بقايا السلطة السابقة هي من قامت بالتغيير المحدود . وفي مصر أيضاً أشعلت الجماهير ثورة الميدان، ولكن المجلس العسكري، والحكومات المتعاقبة التي جل أعضائها من نخب النظام السابق هي التي قامت بإجراء التغييرات التي وصفها البعض بالكسيحة، وفي اليمن ظلت الشوارع تغلي، وهي إلى اليوم تغلي، لكن دول الخليج قدمت مبادرتها، أي تصورها للحل، ثم فعلته، بحيث جدد النظام نفسه، وإنبثقت سلطة أخرى، ليست جديدة .
يخدعوننا عندما يصورن أن هدف الثورة في تونس إزالة بن علي ، وليس نظام بن علي ، ويخدعوننا عندما يصورون لنا أن هدف ثورة مصر إزالة حسني ميارك، وليس إزالة نظام حسني مبارك، ويخدعوننا عندما يوهموننا بأن المقصود من ثورة اليمن إزالة علي عبد صالح، وليس نظام علي عبد صالح .
فهل سيحقق الحراك السوري تغيير النظام على يد النظام ؟
سؤال لم يعد إفتراضياً.

لا أحد من أطراف العملية السياسية  يريد أو  يتجرأ على وضع يده على جوهر المشكلة، الكل يلف ويدور لينتهي إلى حيث بدأ، حتى لكأنما هنالك أمر غير مكتوب توافق الجميع على عدم الخوض فيه، ربما لأنه يهدد الأسس التي بُنيت عليها هذه العملية، والتي أريد لها أن تمتد حتى بعد خروج المحتل .

ينتقلون من هذا الموقف إلى الموقف المضاد. يقفون في هذه الضفة تارة، وفي الضفىة الأخرى تارة أخرى. لو أحصيت أقوالهم لوجدت أن كلامهم يناقض بعضه بعضاً،  لكنهم لا يريدون، ولا يفكرون حتى مجرد التفكير بملامسة العلة، والخروج من المأزق مرّة واحدة وإلى الأبد.

بعد تسع سنوات ثمة شيء ما تغيّر، البعض لا يريد معرفة أن ما تغيّر ليس فقط  خروج الجيش الأميركي من العراق، سيان إن كان في جنح الظلام أم على مرأى ومسمع من إعلام الدنيا كلها، فثمة إرهاصات لتحوّل ليس على مستوى الإقليم، وإنما تحوّل يتصف من دونما مبالغة بالصفة الكونية لا يُعرف مداه، وليس من الميسور حالياً تحديد تأثيراته. تحوّل لسنا وحدنا فقط من عمل عليه، أو نقل حجاراته، وإنما عملت عليه قوى عديدة، صعد بعضها الآن إلى مرتبة الحسم عالمياً، في حين بدأ البعض الذي كان مستكيناً إلى إعلان التمرد بعد أن كان يرفع صوت الإحتجاج الخافت.

معطيات القرن العشرين شيء، ومعطيات القرن الحادي والعشرين شيء آخر، وما كان ممكناً فيما مضى لم يعد ممكناً الآن، وما سقوط الوجوه المُتحجرة المُتتالي في منطقتنا وسواها سوى التمهيد للمواجهة الأهم والأخطر، والتي ستدشن عالما آخر جديدا لا بمقاسات (غورباتشوف) ولا ( ريغن) ، وإنما وإلى حد بعيد بمقاسات شعوب كوكبنا وتطلعاتها، والصراع الجاري الآن، مهما تلون بألوان تبدو فاقعة وشديدة الوضوح والتنافر، فإنها لا تعدو في حقيقتها وجوهرها من أن تكون صراعاً بين المحافظة على سمات القرن العشرين، أو عدم الخروج عن معطياته، ومتطلبات شعوب الأرض، لا أوربا وأمريكا فقط، في أن تكتب ولأول مرّة التأريخ الإنساني للإنسان.

باديء ذي بدء لابد من توصيف هذا الخروج، هل هو نهاية الإحتلال وبداية الإستقلال، أم أنه مجرد إنسحاب لقوات بضعة كيلومترات خارج الحدود؟

تتوقف كثير من الإمور على الإجابة على هذا السؤال، فهي ستُحدد المهمات والأهداف اللاحقة لما بعد الإنسحاب، هل ستكون تكريس السيادة، أم التصرف وفق منطق التبعية، الذي يستوجب الرجوع إلى السيد أو ولي الأمر الأميركي في كل صغيرة وكبيرة، أو الإستقواء به، وهو ما فعلته وتفعلة القائمة العراقية حالياً، في تناقض سافر ومُثير للدهشة مع كل ما قالته ودعت إليه، ولا يخفى على المتابع أن موقف العراقية المُعلن حالياً لا تستفرد به وحدها حيث تشاركها فيه عناصر واسعة في التحالف الوطني، والتحالف الكردستاني،  وهذه العناصر التي رفضت حتى تسمية الإحتلال إحتلالاً زاعمة باصرار إنه تحريراً، ستحاول خلق وإذكاء الإختلافات بشتى أنواعها، وبالأخص الطائفية منها.  

هل سيتصرف المسؤولون بعقلية السيد، المتحرر من الإحتلال والتبعية، أم بعقلية التابع غير المُصدق بإن الإحتلال قد رحل؟

الذين كانوا وإلى أمد قريب لا يريدون خروج المحتل بذرائع منها عدم جاهزية القوات العراقية لحفظ الأمن والدفاع عن البلد، سيحاولون بشتى الوسائل إستحضار المحتل لأي سبب، لكي يكون وسيطاً أو حكماً، وهم بهذا يتخذون الموقف الأشد وضوحاً في عدم الإيمان بزوال الإحتلال، أو عدم الرغبة في هذا الزوال، لأسباب لا تخرج عن حدود النظرة الطائفية الضيقة، التي تخشى هيمنة الأغلبية على الأقلية، علماً أن مفهوم الأغلبية والأقلية لا يستقيم في حالة العراق، فلا السنة أقلية، ولا الشيعة أغلبية، وإنما هم شيء واحد، يصبحان (خندقان) فقط عند الطائفي، الذي يتناسى أنهم عراقيون، وعرب، ومسلمون، ويركز على الطريقة التي يتعبدون بها، وهي قضية محصورة بين الفرد وربه ولا دخل لأي مخلوق فيها.

التحدي الكبير أمام الوطنيين العراقيين على أعتاب خروج قوات الإحتلال هو التصدي بحزم للنعرات الطائفية، وسحب البساط والذرائع من تحت أقدام الطائفيين من الجانبين، بالتصدي الحازم للخطاب الطائفي، وتعريته وكشف أغراضة التي باتت واضحة لأكثرية الشعب، والتأكيد على أن لا شخص ولا جماعة يمكن أن يختزلان اية طائفة من طوائف العراق، وبالحد الأدنى فإن أي شخص من أية طائفة مهما كان مركزه وموقعه، يمثل شخصة، وأية جماعة تمثل ذاتها ليس إلا.

 بتأكيد هذه المسلمات في العمل والخطاب السياسي العراقي نكون قد نجحنا في دك أهم الركائز التي حاول المحتل تثبيتها في العراق، وبهذا ندق إسفين الهزيمة النهائية للطائفية ولكل ملحقاتها من تقاسم طائفي، أو أية ممارسة طائفية في عراق ما بعد الإحتلال المعافى ، وإذ تتسع رقعة المنادين بحكومة الأكثرية، فإنه ينبغي التأكيد هنا أن المقصود بحكومة الأكثرية ليس حكومة الطائفة الأكثر عدداً، وإنما حكومة الأكثرية السياسية التي تضم كل الطوائف والأثنيات على قاعدة البرنامج العراقي الوطني.

خروج قوات الإحتلال ينبغي أن يترافق مع إصطفافات جديدة تدشن مرحلة نهاية تأثير الطائفيين في الحياة السياسية العراقية، إذ حيثما يكون للطائفيين تأثير فإنه يصبح من المتعذر حتى مجرد التفكير بأي شكل من أشكال الديمقراطية، حتى بإشكالها البدائية.

وهذا الإصطفاف الوطني هو المؤهل لبناء العراق السيد، الحر، المستقل، وهو القادر على وضع خطط البناء والإعمار من خلال النظر للعراق كوحدة متكاملة إقتصادياً وإجتماعياً، وليس ككيانات وأقاليم متنافسة تخاف التهميش أو الأقصاء.

قبل أيام أعلن مسؤول أميركي إن قواتهم المقاتلة خرجت من العراق، لكن وجودهم المخابراتي مازال هناك!

لا أحد يجادل في هذا، فمثل هكذا وجود موجود في دول العالم كلها، ولا يخلو بلد في المعمورة منه، إلا أن هذا التصريح يضع القيادات العراقية أمام مسؤوليات كبرى، تتركز في السعي الجاد والحثيث لتقليل هذا الوجود والحد منه، خصوصاُ وأنه غير شرعي ويتعارض مع العلاقات السوية أو الطبيعية بين بلدين غير متعاديين كما هو حال العراق وأميركا حالياً .

الكل يعرف أن أميركا هي التي أنشأت ورعت جميع المؤسسات الأمنية العراقية، ليس بدءاً بالمخابرات العامة التي إحتكرت الإشراف عليها حتى إلى ما قبل فترة قريبة، ولا إنتهاءاً بمستشارية الأمن القومي، حيث أن جميع مسؤولي هذه المؤسسات وقادتها عينوا بعقود مع المحتل، وليس هذا بالأمر اليسير والهين، الذي يمكن المرور عليه مرور الكرام.

من المؤكد أنه لا يمكن الإكتفاء بالحديث عن الإختراقات فقط، وإنما المهم معالجة هذا الخلل الفاضح الذي يرهن أمن البلد بقوى خارجية، ويجعله مكشوفاً لدولة إن حسبها البعض ( مُخطئناً ) صديقة الآن، فإنها قد لا تكون كذلك في المستقبل، ومعالجة مثل هكذا ملف تستوجب مغادرة التقاسم الطائفي والأثني والحزبي، وإعتماد معايير الوطنية والكفاءة، التي هي وحدها الكفيلة بتحقيق الهدف الذي هو حماية الوطن والمواطنين من دونما تمييز، كما أنها تساهم وبشكل عملي في إشاعة الشعور بالإمان والإطمئنان لدى المواطنين كافة، وتوجه ضربة مميتة للنعرات الطائفية، وتقضي على إحساس المواطن بالغربة، هذا الإحساس الذي راكمته عقود من تصرف عدائي وهمجي من قبل هذه التشكيلات إزاء المواطن، الذي أبيحت كرامته وإمتهنت من قبل المكلفين أساساً بصيانتها وحمايتها.

ما من قضية تغنى بها العرب كقضية فلسطين، وما من قضية غدر بها العرب كقضية فلسطين.
أترانا نجانب الصواب فيما قلناه، ام ترانا ننساق للمبالغة، أم أن هذه هي الحقيقة التي يستنبطها كل متابع لمجريات الأحداث، ليس فقط بعد إنشاء الكيان الصهيوني، وإنما حتى قبله.
هل ثمة من شاعر عربي، تيّمن أم تيّسر، تشرّق أم تغرّب، تقومنَ أم تقطرن، لم ينشد لفلسطين المغتصبة ؟
وهل ثمة من زعيم عربي، ملكاً كان أم أميراً، سلطاناً كان أم رئيساً، لم يتعهد بتحريرها من رجس الصهاينة ؟
وهل ثمة حزب، على إمتداد الأرض العربية، على إختلاف هذه الإحزاب وتلونها، لم يضع في ديباجة برنامجه قضية فلسطين، بإعتبارها أس نضاله.
أجمع العرب، صدقاً أم نفاقاً، حكاماً ومحكومين على أن فلسطين هي قضيتهم المركزية، وأنه لن يهدأ لهم بال حتى يتم تحريرها، وإعادة الحق لإصحابه .
أنقول والحال هذه هنيئاً لفلسطين بعربها، أم نقول كما أثبتت الأحداث : ياويل فلسطين من عربها وأعرابها؟  
ترافقت القضية الفلسطينة مع غيرها من القضايا التي بدت أكثر تعقيداً وصعوبة، لكن كل تلك القضايا إنتهت، وحُسمت وفق مشيئة أصحابها، أصحاب الحق، إلا القضية الفلسطينة،
في الخمسينيات كنا نشبه أية قضية صعبة ومتعذرة الحل بالقضية الفيتنامية، فيما بعد ، وفي الستينيات كنا نشبه مثل هذه القضايا، بقضية الميز العنصري في جنوب افريقيا، ثم بقضية هونكونغ ومطالبة الصين بها، تلك المطالبة التي حسب البعض أنها عقيمة.  
إنتهت قضية فيتنام بإنتصار الشعب الفيتنامي، وأنتهى الميز العنصري في جنوب أفريقيا، وأخرج مانديلا من سجنه ليكون أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، وأعيدت هونكونغ إلى الصين، لكن قضية فلسطين، لم تتقدم ولا خطوة إلى أمام، إن لم تكن تقهقرت إلى الخلف .
أيكون السبب في كوننا أمة أهون شأناً من غيرنا، أهون من الفيتنامين، والصينين، والزنوج في جنوب أفريقياً، أم لأنه لم يكن لدينا قائداً كهوشي منه، أو مقاتلاً كالجنرال جياب، وزعيماً كماو تسي تونغ، أو مناضلاً كنلسن مانديلا؟
إذا كان الأمر هكذا، وهو على الأغلب هكذا، فكيف يستقيم هذا مع كون كل زعمائنا وقادتنا لم تنجب مثلهم ولادة، ومن لديه شك في قولي هذا فليذهب لإعلامنا العربي، كي يعرف حجم عبقرية أي ملك، أو أمير أو رئيس دولة، أو زعيم طائفة، وصولاً إلى  زعيم القبيلة وبلطجي الحارة .
من يعرف إبن هوشي منه أو ماو، من يعرف أخ وأبن عم مانديلاً ؟ من من الوزراء ، والمؤثرين في القرار في فيتنام، والصين، وجنوب أفريقيا، ينتسبون أو يرتبطون بصلة قرابة  بهوشي منه ، وماو ، ومانديلا؟
أية ثروة ترك زعيم الصين ومحررها، وقائد فيتنام وبطلها، والرمز النضالي الأسمى في العصر الحديث ( مانديلا) ؟ ما هي حساباتهم في البنوك،؟ ما هي ضياعهم وأملاكهم؟
لو كانت فلسطين في ذمة أمة كالأمة الفيتنامية، أو الأمة الصينية، أو الأمة الزنجية في جنوب أفريقيا، وكانت تحت قيادة بنزاهة وإخلاص وعفة هوشي منه، وماو، ومانديلا أكانت تضيع كضياع قضيتكم المركزية يا عرب ؟
ولكن هل كانت القضية الفلسطينية قضيتكم المركزية حقاً؟
وهل تعاملتم مع منظمة التحرير الفلسطينية التي عمدتموها ( ممثلاً شرعياُ وحيداً للشعب الفلسطيني ) في قممكم وفق هذا التعميد أم أنكم سعيتم لمحاربتها وإضعافها، والتدخل في شؤنها، وتخريبها، عبر شراء الذمم، والإفساد المالي، وإشاعة الفساد فيها، وصولاً إلى إسقاط هيبتها؟ لقد حولتم الفدائي المستعد بالتضحية بالنفس من أجل فلسطين، إلى تاجر، أو موظف في مؤسساتكم، أو مترهل باحث عن المتع، منتظراً إحسانكم للإستمرار في المعيشة الرخية التي عودتموه عليها .  
وإذا تركنا جانباً الدول التي تخلت عن فلسطين علناً، بدءاً من تونس بورقيبة، مروراً بمصر كامب ديفيد، و أردن إتفاقية وادي عربة، وصولاً إلى دويلات النفط في الخليج، وتحدثنا عن تلك الدول التي زايدت على القضية الفلسطينية، ولنحتكم لوقائع الماضي القريب، ونتساءل كيف تعامل العراق، وسوريا، وليبيا القذافي، مع القضية الفلسطينية ؟
ألم تطارد بعض مخابرات الدول العربية( التقدمية) الكوادر الفلسطينية في أقطار الدنيا، فقتلت من قتلت، وشلت قدرات البعض؟
وأذا كانت المنظمة هي الممثل الوحيد للشعب، فلماذا أنشأتم جبهة التحرير العربية ، وحاربتم تنظيم عرفات، ولماذا أقدمت سوريا مثلاً على شق المنظمة؟ وتذكروا إنشقاق العقيد أبو موسى، ولماذا دعمت هذه الدولة المدعية التقدمية هذه الجبهة على حساب تلك وإتفقت على العداء لعرفات،  وهو العداء الذي لم يستطيعوا تبريره ، والذي لم يكن يخرج عن الرغبة في الهيمنة على المنظمة ومصادرة قرارها الفلسطيني المستقل، وبالنتيجة تهاوت هذه الأنظمة، أو إستسلمت، فيما إستشهد عرفات، بعد أن حُوصر من قبل الأشقاء قبل الإعداء، ولم يفرّط بالقضية التي آمن بها، وناضل من أجلها، أما أمين القومية العربية فقط شرد آلاف الفلسطينين، ورماهم خلف الحدود بحجة أن قيادتهم هادنت إسرائيل، ليتبين فيما بعد أن هذا الدعي قد سلم لحيته لأمريكا، وهذا يعني إسرائيل عن طريق غير مباشر .
رحل عرفات، وتشتت المنظمة، وإنبثقت قيادة من الداخل، قيادة ثورية من طراز خاص ، منحها شعب الداخل ثقته، وكلفها بتشكيل الحكومة، وهي أول حكومة منتخبة داخل فلسطين، فماذا كان موقفكم منها؟
لقد تجاهلتم واجبكم إتجاه أشقائكم المحاصرين في غزة، وبدل من أن تدعموهم قمتم بشن حرب إعلامية ضروس وشعواء عليهم، ولم يرف لكم جفن وغزة تهدم على رؤوس أبنائها شيباً وشباباً، نساءاً وأطفالاً. لم تتحرك جامعتكم، ولم ينبض فيكم عرق، ولا تحرّكت حميتكم، بل كنتم تتشفون بما يحدث، لأن هؤلاء خرجوا عن طوعكم، ولم يتقيدوا بتوجيهاتكم، التي لم تدعو سوى إلى الإستسلام للعدو، وكأن حصار العدو لم يشف غليلكم فقمتم بتشديد الحصار وقطع أي معونة مهما صغرت، وإذا كان الإسرائيليون قد بنوا جداراً كونكريتياُ لعزل الضفة الغربية عن الشرقية، فإن فرعون مصر بنى جداراً فولاذياً لحصار غزة، قصد تجويعها، ومن ثم إركاعها وإذلالها لمصلحة بني صهيون، لكن غزة لم تركع، وخرجت من الإختبار مجللة بالغار والفخار، وتلفعتم بالخزي والعار.
نعق الناعقون، وعلى مراحل: مصر أولاً، ثم الأردن أولاً، ثم لبنان أولاً، والعراق أولاً، وليس من الخطأ أن يكون الوطن أولاً وآخراً في كل شيء، بل أن تكريس مثل هكذا نهج لازم وضروري، فما أجمل أن يكون الوطن أولاً، لا الحزب، أو الطائفة، أو العرق، أو القبيلة، أو المنطقة . نعم الوطن أولاً ، لكن ينبغي أن لا يكون طرح هذا الشعار طرحأ مراوغاً ومُخادعاً، لا يستهدف تعزيز اللحمة الوطنية حقاً ، وإنما يستهدف الخروج ، أو التنصل من الواجب الذي يلزمنا كعرب ومسلمين وبشر على وجه هذه الأرض ، فالقضية الفلسطينية ليست عربية فقط، ولا إسلامية فقط، وإنما إنسانية وأخلاقية تهم كل ذي ضمير حي في أرجاء المعمورة، والتنصل منها يثلم عروبتنا وإسلامنا وإنسانيتنا.
الخميس, 23 فبراير 2012 18:40

حال إعلامنا العربي اليوم

السؤال الذي من المناسب طرحه إبتداءاً : إعلان أم إعلام؟
قد يبدو السؤال ساذجاً للوهلة الأولى، لكن الإجابة عنه هامة، وهامة جداً.
من المؤكد أن الإعلان ليس إعلاماً بالمفهوم المهني، كما أن الإعلام ليس إعلاناً بنفس المفهوم.
الأول لا ينشد شيئاً سوى الترويج للمنتوج، أو ما مُعلن عنه، ومن أجل الوصول إلى هذه الغاية ( أي الترويج) فإنه لا يتقيد بالكثير من الأمور التي يتقيد بها الإعلام حكماُ والتي تتعلق بالصدقية مثلاً، أو الحيادية، أو البحث عن الحقيقة. لا يُلام المُعلِن مثلاً، أو شركة الدعاية والإعلان إن هي مثلاً عكست على شاشة التلفزيون كيف أن الذي يشرب من هذا المشروب يسابق الريح ثم يسبقها، أو أن الأب الشديد الحنو على طفله الصغير، يخاتل طفله ثم يسرق الحلوى المُعلن عنها، لأنه لا يقاوّم شدة تأثيرها.. يبدو أنه كلما بالغت في الإعلان، كلما كان الإعلان ناجحاً، أو هكذا يُراد لنا أن نتوهم. لا يتعلق الأمر هنا بشعوب مثقفة وأخرى متعلمه، فالإعلان العربي اليوم يستنسخ إعلان الغرب ولكن على نحو ساذج تماماً .  
هل سيقتنع عدد كبير من الناس بالإعلانات ؟
ليس لديّ أرقام حقيقية حول ذلك، إلا أنه من المؤكد أن قطاعا واسعا من الناس يتأثر، وربما يتناول هذا المنتوج أو ذاك، ويستعمل هذا المرهم أو ذاك، لا لأن الطبيب قال له هذا، وإنما لأنه تأثر بالإعلان.
يمكن القول أن بعض الإعلان لا يروج لحاجة فعلية، وإنما لحاجة مُفتراة، فلا الشراب يجعلك تسابق الريح وتسبقها، ولا لقمة من منتوج تأخذها صباحاً أو مساءاً ، قبل الأكل أو بعد الأكل، تجعل قواك الجسدية أضعاف ما كانت عليه . هذا ليس بعيد عن الحقيقة فقط، وإنما هو مجرد هراء، ومع هذا فإن الهراء هذا يفعل فعله على بعض الناس، بحيث تجد من يتأثر به، وبالتالي فإنك واجد حتماً من يسوّقه.
هل يمكن أن يكون الإعلام هكذا؟
مرّة قال لي صاحب شركة صغيرة، وقد وجد سهولة إنشاء قناة فضائية: ماذا لو نُنشيء قناة فضائية خاصة بنا؟ حسب الرجل التكلفة فوجد أنه لو بث دعاية لشركته فقط عبر القناة المقترحه، فإن ثمن هذه الدعاية سيغطي جزءاً كبيراً من كلفة المشروع.
لم يسأل صاحبي نفسه: ماذا لو كان عدد مشاهدي قناته المفترضة بعدد مشاهدي الإعلانات داخل بناية شركته؟
أحسب أن ما فكر به صاحبي، صاحب الشركة الصغيرة، فكر بمثله العديد من حيتان المال، الذين سرعان ما حوّلوا الفكرة إلى منجز. لقد أحصيت عشرات القنوات العربية الفضائية التي تحوز على أوسع مساحة من المشاهدين العرب، فوجدت أنها بنت الإعلان الشرعية، وهي وأن فُطمت منذ أمد بعيد، إلا أنها ما زالت مشروعاً إعلانياً، تجارياً صرفاً، مهمتها التسويق لمن يدفع.
مضى ذاك الزمن الذي كنا نحاول فيه إقناع البعض بأن الإعلام ليس ( بزنساً ) ، من أراد اليوم أن يكون الإعلام بعيداً عن البزنس، فإن عليه أن يعود إلى زمن إصدار المنشورات، والبيانات السياسية، أو الجريدة الحزبية السرية، التي تُشترى حتى لو لم تُقرأ.
إنتهب رأس المال عالم الإعلام، فوسمه بأهم سماته، وأندرج فيما يُسمى بأقتصاد السوق، أو إقتصادياته. ولم يعد مسموحاً لأي مدير جريدة أو قناة فضائية أو اية وسيلة إعلامية إخرى تجاهل كون الإعلام سلعة، تخضع لما تخضع له أية سلعة أخرى، حتى لو كان مدير الوسيلة الإعلامية هو صاحبها، وليس )مُكلف) بإدارتها.
ليس هذا هو أخطر ما في الموضوع، إذ يمكن إيجاد مخرج ما لإبعاد الإعلام من دائرة ( الخسارة المنظورة، والربح غير المنظور)، وهي القاعدة البالغة النبل والسمو، التي تكفل للإنسان الحد المقبول من التوعية والثقافة، والحصول على المعلومة كما هي من غير تبديل أو تحوير أو تزييف، إذ أننا نزعم أن إرتباط الوسيلة الإعلامية الصادق بهموم وتطلعات الإنسان كفيلة بجعل هذه الوسيلة مقبولة من المستهلك حسب إصطلاح السوق، أو المتلقي حسب إلإصطلاح الحقيقي، ومدعومة منه، وبالتالي فإن رواجها سيكون سبباً لديمومتها، وبهذا تتقلص الخسارة المنظورة، وربما تتلاشى وتنعدم، ويحل الربح منظوراً وغير منظور. 
كما يمكن إيجاد (حيز) يسمح لنمط من التحرك الحر، إذ كان صاحب رأس المال مكتفياً بالإعلان لشركته أو شركاته، تاركاً ماعدا هذا لمن يتكفل بإدارة المؤسسة الإعلامية، أو كان فيه شيء من إحترام العمل الإعلامي والعاملين فيه..
تبدو الحالة  المذكورة أعلاه نادرة، وإن لم تكن معدومة، أما الحالة الأشمل والأعم فهي تلك التي تسحب الإعلام إلى الإعلان، فيصبح الإعلام إعلاناً، أي أداة للربح بأي وسيلة تبعاً لمنطق السوق، وتصبح كل الإسهامات الإعلامية، مهما كان شكلها ولونها، إعلاناً مدفوع الأجر، يحاول إقناعك أنك بإرتشاف هذا المشروب تسابق الريح وتسبقها، وبتناول هذا الشيء تصبح أقوى من شمشون، اي أنه يبيعك الوهم، ويبعدك عن الحقيقة .
أليست هذه حال إعلامنا العربي اليوم ؟
ثرنا على تأميم الإعلام، بأعتباره تأميما للفكر، فهل حررنا الإعلام حقاً، وأطلقنا الفكر من كل قيد،  أم أننا لم نفعل أكثر من تغيير المالك، من الدولة، أو الحزب، إلى صاحب رأس المال، سواء كان متاجراً في الحقل الإعلامي ، أو راغباً بالإستفادة المعنوية منه ، وإستثماره لغايات أخرى .
كان الإعلام يمجد الدولة، ورأس الدولة. يمجد الحزب، وفكر الحزب، أما اليوم فهو لا يمجد فكراً، ولا أيدلوجيا، على ما يبدو، إذ ليس لصاحب رأس المال (فكر)ً، وأيدلوجيته لا تعدو إقتصاد السوق، وإعلامنا الإعلاني غارق به حتى أذنيه. 
كنا إذا أردنا الهروب من إعلام الدولة، لجأنا إلى الإعلام المعارض، أو الإعلام المعادي، وإذا أردنا الهروب من إعلام الحزب الفلاني، ذهبنا إلى إعلام الحزب الآخر، المختلف، أما إذا إحتكر رأس المال الإعلام، وكل الدلائل تشير إلى أنه سيحتكره. لا يهم أكان في اليمين أم اليسار تجاوزاُ، معتدلاً أم ممانعاً، محافظاُ أم ليبرالياً، فهو وقد أصبح سلعة، والسلعة متعددة الأشكال والألوان، تظل في الجوهر سلعة، سلعة يفرضها الإعلان كضرورة، وهي ليست كذلك، وقد لا تكون حاجة حتى.
ما العزاء ، وإلى أين نهرب؟
الاثنين, 30 يناير 2012 17:57

زمن الإذعان والإمتهان

رن هاتفه المحمول : ماذا تقول، خمسة أشخاص قتلوا ، لا .. لا تكتب هذا، أكتب خمسين!

همهم ثم قاطع من كان يحدثه : أقول لك أكتب خمسين لأنهم سيكونون خمسين.

أنهى المكالمة، لكن الهاتف رنَّ من جديد.

تقطب جبينه ، وردد منفعلاً : هذا..... و اطلق سيلاً من السباب والفشار من العيار الثقيل . 

إلتفت إلى سائق التكسي : هذا النذل الـ..... التافه كان وزيراً ، هذا الجاسوس عميل مخابرات سوريا ، يريد أن يعطي النصائح للشعب السوري ، إبن الشـ..... يدعم النظام الديكتاتوري .

كان يتحدث والرذاذ يتطاير من فمه، والإنفعال يشد عضلا ت وجهه.

كان السائق سورياً .. لم يعقب .. أما المتحدث فشخصية كانت غير معروفة إلى ما قبل شهر ، وهو اليوم نجم شاشات التلفزيون.

إلتفت لي ثم قال : أتدري؟

قلت: ماذا؟

قال: أحرق النظام نصف بيوت درعا، وأغتصب رجال الأسد مئات الحرائر، وقبل أن آتي علمت بأنهم نحروا عشرات الأطفال بينهم رضع إنتقاماً من آبائهم .

قلت له : لم اسمع بهذا .

قال : أنا صحافي ، وأستلم الأخبار أولاً بأول .

سألته : الأخبار من هذا النمط ، أم الأخبار الأخبار ؟

قال:  مذا تعني ؟

قلت : يعني !

قبل أن تقطع بنا السيارة منتصف الطريق، طلبت من السائق التوقف، نزلت ثم أخبرته بأن يعتذر لي من إدارة المحطة التلفزيونية التي كانت ستستضيفني مع هذا المخلوق.

كانت هذه الحادثة واحدة من الأسباب التي جعلتني أتخلى عن حيادي، أما متابعة ما تبثه الجزيزة والعربية ، وتوالي الفبركات والأكاذيب حتى من دونما أدنى حرفية ، فقد قضت تماماً على ما تبقى لدي من منها.

أتساءل أحياناً أي رجل منصف لا يمكن أن تستوقفه هذه الحملة اللا أخلاقية، التي تتخطى كل المحاذير، وتستبيح كل شيء .

الجزيرة مباشر تتقيأ  على مدار الأربع وعشرين ساعة ، وكذلك الجزيرة التي لم يعد لها من شغل ومشغلة سوى سوريا، وياليتها كانت بهذه الحمية إزاء إسرائيل مثلاً ، أما العربية ففضيحتها هي الأخرى مدوية ، هذه المسماة عربية تريد أن تقنعنا بأنها داعية الديمقراطية وحقوق الإنسان ، ولماذا لا أليست هي من تلك البلاد التي يضرب بها المثل في الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتعددية ، والشفافية ، والإنتقال السلمي للسلطة بين أبناء الشعب ، الذي لا فرق بين شرقيه وغربيه ، شماله وجنوبة ، من آل سعود كان أم من أي قبيلة .  صحيح كما يقول أخوتنا المصريون ( من أختشوا ماتوا!)

كنت وما زلت ممن يرى أن أنظمة الإستبداد عار علينا جميعاً، وأن النضال ضدها واجباً ، لكنني ممن علمته الأحداث الجسام التي مرت بأمتنا ضرورة الإنتباه إلى أن لا يكون هذا الهدف النبيل أحد الوسائل لتدمير البلد ووقوعه في براثن الإحتراب والتمزق والهيمنة الأجنبية .

لم يكن الداعون للإصلاح والتغيير بحاجة إلى الكذب، فالواقع المعاش يثبت بألف دليل ودليل  أن لا دمقراطية في سوريا، وأن النظام نظام شمولي ، يعتمد حكم الحزب الواحد ، وسلطة العائلة، وأن الفساد قد تفشى في كل مفاصل الحياة ، وأن الزمن قد تجاوز مثل هكذا أنظمة .

هل ثمة من لا يرى أو يدرك حجم  ونتائج هكذا كوارث ، ليس على سوريا ومستقبلها ، وإنما على الأمة كلها ؟ 

ما ضر معارضو الداخل ، وما يُسمى بمعارضي الخارج لو أنهم جعلوا  هذه القضايا التي تمس حياة ومصالح السوريين، وإنسجاماً مع الحراك الذي أحدثه ما سمي بالربيع العربي ، في صلب نشاطهم الذي سيكون عادلاً تماماً، محقاً تماما، لا يملك كل صاحب ضمير حي إلا الوقوف إلى جانبه، لأنه سيقف إلى جانب الحق بلا مواربة ، وبوجه الإستبداد بكل وضوح، الحكم الشمولي بإجلى صوره ، الإستئثار بالسلطة من دونما حاجة للكذب  والفبركة وإنتهاج طريق يؤدي حتماً إلى رسم معادلة سينبغي للجميع الوقوف في أحد طرفيها، أما الدولة المستبدة الشمولية، أو الحرية المرتهنة بقوى الخارج ، والمدعومة منه ؟

يساريون، تقدميون، حزبيون متقاعدون، ليبراليون ناموا دهراً في حضن الإمبريالية الغربية ونسوا الشرق المتخلف، قوميون أضاعوا البوصلة، مهرجون، سلفيون يحلمون بإعادة حكم الشريعة عبر جز رؤوس نست الله فحلت عليها اللعنة، وطنيون بحق، وأجراء وعملاء على رؤوس الأشهاد، راقصين على كل الحبال، وهتافون عند الطلب . خليط  لا مثيل له لم يعد يجمعه شيء سوى إسقاط بشار !

تًرى هل كان بشار هو الهدف؟

وهل يستحق إسقاط رئيس، مهما كان هذا الرئيس، خل عنك شخص كبشار كان الجميع إلى ما قبل بضعة أشهر لا يراه مشكلة، والبعض لا يراه ىسوى واجهة لا تهش ولا تنش، هذا ما قالوه في إدبياتهم ، وما عكسه نشاطهم العلني في الأقل . هل يستحق إسقاط شخص كهذا ، وحتى إسقاط نظام مهما كان  كل هذا الذي رأيناه ، والذي سنراه لا حقاً لا قدر الله من أهوال ،  أم أن وراء الأكمة ما وراءها ؟

أليس المطلوب إنهاء النظام الشمولي ، وحكم الحزب الواحد؟

أليس المطلوب الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة ؟

أليس المطلوب دستور جديد يضمن حقوق المواطن، مثلما يضمن حق الوطن . يتوافق مع العصر والعدالة، دون إهمال الجانب المغيّب منها، إلا وهو العدالة الإجتماعية . إذ جوهر الحراك الآن إقليمياُ وعالمياً يتمحور حول هذا الهدف الذي يسعى المهددون بالزوال أو النزول عن عروشهم إلى طمسه وإخفائه .

لمصلحة من يحرّف النضال عن بوصلته الحقيقية، وبصبح المستهدف أما علي أو عمر ، وإما محمد أو جوزيف؟ ثم منذ متى كانت دويلات النفط داعية وحامية للديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة ؟

هل ثمة سلطة يمكن أن تتداول سلمياً في هذه البقعة الغارقة بالقطران، والمخنوقة بالمال الذي بفيض على الغير تآمراً وتخريباً، إن كان مخفياً سابقاً، فهو واضح للعيان في زمننا هذا الذي اسماه البعض زمن العربان، وياليته كان كذلك، فالعربان حتى لو كان المقصود بهم البدو والرعيان فهم أصحاب قيم وأعراف وتقاليد، سمتها الأساسية الشمم والإباء . وحاشا أن يكون زمننا  الأغبر هذا ( زمن العربان) ، وحاشا أيضاً أن يكون زمن ( الحريم والنسوان)، فللحريم والنسوان في تأريخنا سطوة وسلطان، كنا بظلها حيناً بعز وأمان، ورفعة وشان .

هذا الزمن الأغبر ليس زمن العربان ، بدو ورعيان ، ولا هو زمن الحريم والنسوان ، هو بالجوهر زمن الإمتهان والإذعان، زمن فريدمان وفيلتمان.

صفحة 1 من 5

المتواجـدون الآن

حاليا يتواجد 132 زوار  على الموقع

مقالات منشورة

تسجيل الدخول