جزيرة العرب نيوز

إعـلان تجـاري

د. كاظم الموسوي

د. كاظم الموسوي

Dr. KADHIM AL MOUSAWI http://kadhimmousawi.blogspot.com/2011/01/blog-post_03.html  

عنوان الموقع: البريد الإلكتروني: هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

الجمعة, 04 مايو 2012 18:14

عدم الانحياز وفلسطين

رغم التحولات والتغيرات العالمية ما زالت حركة عدم الانحياز تلعب دورا سياسيا ومعنويا كبيرا في العلاقات الدولية وتؤثر على مسار السياسات الاستراتيجية. وفي استمرارها وانعقاد مؤتمرات قمة لها مؤشرات على مكانتها السياسية وتأثيرها على القرارات الدولية ايضا. لاسيما وإنها الان اكبر تجمع دولي بعد الامم المتحدة، اذ تضم في عضويتها 120 دولة، من بينها اغلب الدول العربية، إلى جانب 15 دولة تشارك في اجتماعاتها بصفة مراقب بالإضافة إلى 17 منظمة إقليمية ودولية من كل القارات على المعمورة.
واصلت حركة عدم الانحياز اهتمامها بالقضية الفلسطينية كقضية عادلة ومشروعة منذ اواسط السبعينات وما زالت تعمل من اجلها، مع ان جامعة الحكومات العربية التي من المفروض ان القضية الفلسطينية قضيتها المركزية وشاغلها الرئيس لم تعمل مقابلها بذات الاهتمام والعمل السياسي، كما ان بعض اهلها انشغل عنها بالمفاوضات والعلاقات العامة وتعريضها الى مخاطر النسيان والإنكار لها، وتحويل ملفاتها الى رفوف المنظمات الدولية التي تتحكم فيها الاهواء السياسية ولعبة الامم واللوبيات الصهيونية المعروفة بامتياز جلي. كما ان تسارع بعض الحكومات العربية الى التطبيع مع الكيان الاسرائيلي واحد من ابرز المؤشرات الخطيرة المتجهة صوب تصفية القضية والتهرب من المسؤوليات المتعلقة بها. ومن بينها تصريحات اقرب الى  الكبائر المحرمة، وأبرزها ما اعتبره وزير خارجية عربي فصائل التحرير الفلسطينية منظمات ارهابية. وهذه المواقف لها تداعياتها على مسيرة الحركة.
عموما اصدرت الحركة بيانات تأييد للقضية الفلسطينية وتحملت مسؤولية العمل من اجلها في المنظمات الدولية. وظلت القضية في جدول اعمالها وبيانات اجتماعاتها الختامية، وعلى مختلف المستويات، وليس آخرها اجتماع وزراء خارجية الحركة، في التاسع والعاشر من شهر أيار مايو، بمدينة شرم الشيخ المصرية، لحشد التأييد للقضية الفلسطينية ولمناقشة تطورات الأوضاع في بعض اعضائها، إلى جانب قضايا اخرى.
وكما هو معلوم انها كانت وراء عملية الحشد الدولي لتأييد عضوية فلسطين الكاملة بمنظمة اليونسكو، ونسقت في اغلب القضايا التي تهم اعضائها في مختلف القارات.
تعرب الحركة بعد كل اجتماع لها في بيانات خاصة عن فلسطين عن "اسفها العميق" لاستمرار القضية الفلسطينية بدون حل بعد مرور أكثر من 64 عاما، وتردي الوضع في الاراضي الفلسطينية على جميع الاصعدة. وتقلق الحركة باستمرار إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ظلم جائر، جراء السياسات والممارسات الاسرائيلية العدوانية وغير المشروعة، مدينة بشدة الاعتداءات العسكرية على الشعب الفلسطيني واستمرار حملات الاعتقال غير المشروعة للفلسطينيين.
وتعتبر في بياناتها الاستيطان الصهيوني انتهاكا خطيرا للقانون الدولي، معربة عن ادانته، كذلك ما اسمته بـ "العقاب الجماعي" من قبل الكيان ضد الشعب الفلسطيني، مطالبة بالكف فورا عن مثل هذه الانتهاكات، وإنهاء حصاره غير المشروع لقطاع غزة بصورة دائمة. وتدعو الحركة المجتمع الدولي إلى التأكد من إجراء التحقيقات الدقيقة في كل الجرائم التي ارتكبتها الكيان ورفضت السياسات الصهيونية الاستعمارية في فلسطين.ومثل غيرها تشدد حول الوضع الفلسطيني الداخلي على ضرورة تحقيق المصالحة والوحدة الفلسطينية ودعم منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني. كما تؤكد على نيل الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة على ارضه.
تأسست حركة عدم الانحياز في مؤتمر باندونغ في اندونيسيا (18-24/4/1955) وانشغلت بقضايا التحرر الوطني من الاستعمار. وفي عام 1975 دخلت قضية فلسطين اهتمامها الفعلي بعد ادراجها على جدول اعمال مؤتمر وزراء خارجية الحركة في مدينة ليما في البيرو (25-30/8/1975) تحت بند خاص بها: "قضية فلسطين ومسألة الشرق الاوسط والأراضي العربية المحتلة"، وقبول منظمة التحرير الفلسطينية عضوا كاملا فيها.وبعد عام طرحت قضية القدس بالاسم في قمة كولومبو (سريلانكا 16- 19/6/1976) حين طالب المؤتمر الدول الأعضاء بالوقوف "صفا واحدا في صد مساعي اسرائيل لتهويد الأراضي المحتلة ولاسيما القدس والخليل (ودعوتها) لممارسة الضغط على اسرائيل في الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والوصول الى امكانية حرمانها من عضوية هذه المنظمات جميعا".كما "أكد رؤساء الدول والحكومات التزامهم بالاتفاق مع جميع الدول والقوى المحبة للسلام باتخاذ جميع التدابير في اطار الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن لمجابهة تحدي اسرائيل المستمر، وانه يتعين عليهم بصفة خاصة تطبيق كل العقوبات اللازمة بحق اسرائيل، وكذلك فرض الحظر الشامل والإلزامي عليها، وإقصاؤها عن المجتمع الدولي، ومن الضروري أيضا دراسة الاجراءات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي يجب اتخاذها بحق البلدان التي تساند النظام العنصري الصهيوني".
بشان موقف الولايات المتحدة الصارخ في دعمها للكيان الاسرائيلي دان وزراء خارجية دول عدم الانحياز في مؤتمرهم في نيودلهي (9- 12/2/1981) "بشدة استمرار الولايات المتحدة في موقفها المعادي للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية وللانسحاب الشامل غير المشروط من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ومنها القدس. ودعا الوزراء مجلس الأمن الى اتخاذ التدابير اللازمة لإعادة السلم والأمن الدوليين وصونهما وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة". هذا الموقف الذي عرضه المؤتمر يطالب باجبار الكيان على الامتثال لقرارات الأمم المتحدة وباستخدام جميع الوسائل الزجرية بما فيها القوة العسكرية. وهو موقف متقدم على الموقفين العربي والإسلامي، كما هو واضح. و"أهاب الوزراء بجميع الدول ألا تتعامل مع اسرائيل او تقوم بأي عمل من شأنه ان ينطوي على الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ولو بصورة ضمنية".
حركة عدم الانحياز تجمع عالمي يتطلب من العرب والفلسطينيين خصوصا الاستفادة منها وتقدير دورها ودعمها بكل القدرات وعلى مختلف الاصعدة، والاعتبار من التجارب التاريخية وعدم تضيع فرصها بانتظار فرص صعبة لا تأتي لوحدها في عالم تتحكم فيه المصالح واللوبيات المعادية لطموحات العرب والفلسطينيين اساسا. فهل سيكون اجتماع شرم الشيخ الجديد القادم نافعا ومثمرا للقضية العربية ومحكا لفضح المتخلين عنها؟!.
لا يمر يوم في العراق خصوصا إلا وهناك تفجيرات متعددة الاشكال والأساليب ولكنها كلها توصل اسبابها ونتائجها الى اهدافها السياسية اساسا، وتتداخل معها طبعا العوامل الاخرى، وأهمها التخادم المشترك لعناصر متعددة هي الاخرى فيها، قد تكون داخلية وخارجية، متفرقة او مجتمعة معا. وهي بهذا المعنى تحمل مدلولاتها المعنية، فهي لا تحصل دون ذلك، مهما صدر من بيانات او اعلانات تتحمل المسؤولية فيها او تحمل مسؤوليتها، علنا او سرا، واقعا او افتراضا. والضحايا فيها هي الخاسرة وحدها، والمنسية غالبا، وبما ان جلها من فئات وطبقات الشعب الفقيرة والمستضعفة والمتوسطة الحال عموما، واغلبها من المدنيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذه التفجيرات والصراعات، فأنها في النهاية توصف واقع الشعب العراقي، وما آل اليه وضعه الجديد،  وأنه هو الخاسر والمتضرر والمستهدف فعلا وبشكل رئيسي (وبديهي هذا الامر هو حال كل شعب يبتلي بما ابتلى به العراق). اما الاهداف الاخرى منها فهي لتعميق تلك الخسارات وزيادة التنكيل والإثارة لما بعدها من غايات ومخططات اوسع منها. وهي الحقيقية وراء كل تلك التفجيرات بكل أشكالها الدموية وغيرها، والصراعات العلنية والمكتومة، المكشوفة والمستترة.
حين احتل العراق ودنست ترابه اقدام الغزاة الامريكان وحلفائهم من كل الجنسيات وما قامت به من انتهاكات صارخة، بدءا من جريمة الاحتلال والحرب عليه، سجلت المنظمات التي تدافع عن حقوق الانسان وكفاح الشعوب من اجل قضاياها العادلة، صفحات واسعة من جرائم التفجيرات وصناعة الصراعات والتفتيت للبنى الاجتماعية وعلى اسس مختلفة ولم تترك فرصة دون ان تتدخل فيها وتمارس مخططاتها التي تتجدد مع الازمان والأحداث منذ قاعدتها الاساسية التي اعتمدت عليها الامبراطوريات البائدة، قاعدة فرق تسد، وقاعدة العمل على استثمار خبثها في تصنيع فئات تخدم مشاريعها وتقوم بالمهمات التي وضعتها وجاءت من اجلها. ودون أي شك قامت وتقوم تلك الفئات بما يخطط لها وبما تسعى اليه وتضع له اهدافه وشعاراته وتضليله البعيد الذي يستند الى قواعد له تصنع تشويها واسعا في الوعي وتعميم الخداع بين قطاعات واسعة من ابناء الشعب الابرياء الذي يقدمون دائما وقودا في كل الحالات التي تبدأ وتنتهي بالتفجيرات والصراعات وتحت مختلف المسميات لها. وليست مشاريع بايدن وتهديدات اصدقائه من العراقيين والعرب، وجيرانهم خصوصا، إلا جزء من واقع الحال غير المخفي.
ما حصل في العراق وما يحصل دائما من مختلف التفجيرات، وما يغطيها من صراعات، تحت أي اسم او تبن لها، تصب في نهاياتها الى خدمة المصالح والمخططات الأجنبية الاستعمارية، مما يصدق القول في اسباب حصولها والاستهداف الفعلي فيها. حيث ان التجربة التاريخية في كل مراحل الحروب والاحتلال والاستعمار قدمت وأكدت على مثل هذه الوقائع والحقائق التاريخية. وليست هذه الدروس وحدها ولا العبر منها هي التي ترسم الملامح الكبرى لأية تفجيرات وصراعات لا تهتم بمصالح الشعب والوطن ولا يعنيها ذلك بل تستهدف خلافها وتعمل على تكريس نتائجها الكارثية وخرابها العام. وأية نظرة لما يحصل للدول والوحدة الوطنية للشعب وللثروات الاساسية في الوطن تؤكد ان وسائل التفجيرات وأساليب الصراعات تنظم وتخطط وتعمل لها القوى والحكومات الاستعمارية وذات المشاريع الامبراطورية. وكل ما جرى في العراق منذ الاحتلال، خصوصا، يؤكد هذه الحقيقة الواضحة. وهذا الوضوح يبين حقيقة التفجيرات والصراعات حولها وفيها. فهي استمرار لمخططات العدوان والاحتلال والغزو التي رسمت ووضعت لها آلياتها وبرامجها وخططها، وبالتأكيد تنوّع وسائلها والمكلفين فيها، مباشرة او بالنيابة او بالتورط المقصود او عبر توفير التسهيلات والخدمات لها.
لا يمكن ان تمر تلك التفجيرات والصراعات حولها بالسهولة التي تمت بها. وهي تعكس حالات الاختناق والفشل التي انتهت اليها اغلبية تلك المشاريع والمخططات من قبل اطرافها الرئيسية. ولهذا تجري التكليفات فيها وبمن يستخدم لها. وتعني بكل وضوح انها جزء متواصل لها. ولعل في السؤال عنها وشيوعها في البلدان التي تعرضت شعوبها الى الاحتلال والغزو والاحتلال او يجري العمل على تعريضها وتقع ضمن مخططات الغزو والحرب عليها يعطي جوابا واضحا عنها وعن الاهداف الموضوعة لها. فإشاعة الخراب والتجويع والخوف وعدم الاستقرار وغياب الامن والهدوء والطمأنينة مع توجيه الخداع والضلال بآلات الحرب الاعلامية ووسائل الاتصال الحديثة وغيرها من آليات الإختراق والترهيب والكذب، والإمعان في تشويه الوعي وحرفه وغسل وتغييب الادمغة وغيرها من الوسائل والطرق والقدرات الكبيرة التي تمتلكها تلك القوى والحكومات المستفيدة منها والراعية لها، كلها تنتهي الى التعبير عن تسويغ الاحتلال وتكريس الخضوع والارتهان بما يسيء الى الشعوب ومصالحها ومستقبلها.
التفجيرات والصراعات في العراق تؤشر الى ابتلاء العراق الى زمن لا يعرف مداه منها. لقد عبدت الطرق لها السلطات الديكتاتورية وغياب الحريات والحقوق الاساسية للإنسان والمواطن وشاركتها الاحزاب والقوى السياسية التي راهنت على العوامل الخارجية وارتبطت بها، كما ساعدتها، بأشكال مختلفة قوى وحكومات عربية وإقليمية لها مصالحها او تابعيتها لقوى الاستعمار والإمبراطورية الجديدة. وهي كلها، مرة اخرى، تصب في خدمة المخططات والمشاريع العدوانية والاستعمارية وتضر بمصالح الشعب والمنطقة والأمن والاستقرار والسلم فيها. وفي كل الاحوال تظل القوى الاستعمارية التي مارست الاحتلال رسميا وراء هذه الاوضاع والحالات وهي المستفيدة منها بشكل مباشر وأساسي، وقد تكون ادواتها المباشرة او غيرها من يفعل ويتجرأ على احداثها او الاعلان عنها. مهما كانت الاعذار والحجج والذرائع التي توضع لها او تتلون بها. ووقائع الاحوال تشير بكل وضوح الى ان استمرارها دليل كاف عنها، وعن اهدافها، وتفضح القائمين بها حتى ولو ادعوا غير ذلك او اعلنوا ما يخالفها لفظيا او تصريحات اعلامية لا تصمد امام ما يجري على الارض ويمارس فعلا.
السبت, 21 أبريل 2012 18:55

حسابات عثمانية!

حين طرح وزير الخارجية التركي الحالي احمد داود اوغلو اطروحته في تصفير المشاكل في السياسات التركية الخارجية وبناء علاقات دبلوماسية متطورة مع العالم، وخاصة مع بلدان شرق وجنوب تركيا، ولاسيما العالمان العربي والإسلامي، استبشر المراقبون والمحللون السياسيون لمثل هذه التوجهات وقيموها بايجابية عالية، وقدرت بضوء تطورات استراتيجية جديدة اعطتها دلالات مهمة في الاستراتيجية التركية في المنطقة، لاسيما بعد اندحار العسكرية الامريكية في العراق وأفغانستان وتراجع التهديدات الغربية للمنطقة عسكريا، ولكن مع اصرار على إبعاد تركيا عن طلب الانتساب الى النادي الاوروبي، الذي انشغل فيه حزب العدالة والتنمية بعد تسلمه الحكم. ونجح الوزير التركي شخصيا في تمرير سياسته العلنية هذه واستقبلت بمقابلها في عقد معاهدات استراتيجية وتبادل زيارات على مستويات عالية وتحسنت العلاقات بين تركيا والعديد من الدول العربية والإسلامية كثيرا، وباتت تركيا موضع ثقة لدى الكثير من اصحاب القرار السياسي في المنطقة، وأعطيت لها مكانة ودور واضحان في مختلف الاصعدة والمستويات. وأصبحت القيادة التركية بترويكتها المعروفة، رئيس الحكومة رجب الطيب اردوغان ورئيس الجمهورية عبد الله غول ووزير الخارجية الحالي، قريبة من القيادات الرسمية العربية والإسلامية وتطورت العلاقات بينها وبين العالمين العربي الاسلامي درجات لم تخطر ببال احد. ولكن لاحظ كثير من المراقبين السياسيين انقلابا خطيرا حصل في السياسات التركية بعد اندلاع الانتفاضات والثورات الشعبية العربية، واستمرار رفض الدول الاوروبية الرئيسية لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي.
في التاريخ، هناك احداث مشابهة لما يحصل حاليا. حيث سجل للدولة العثمانية ترك الغرب والانسحاب من مواجهته والتوجه الى الشرق والتوسع في احتلال البلدان العربية وشن الحروب مع ايران، وصناعة اساطير الصراعات العثمانية الصفوية تحت شعارات حماية المسلمين والإسلام التي ادعى رجال السلطنة العثمانية تبنيهم لها. ويبدو ان تلك الصفحات السوداء من التاريخ الاسلامي والحروب والكوارث الدموية يراد لها ان تعود او تتكرر الان، بلافتات وواجهات ليست بعيدة كثيرا عن تلك التسميات والذرائع، وان اختلفت الازمان والاسماء، وما يقال في الامثال عن تكرار حوادث التاريخ وصفاتها. فمن يتابع تصريحات الترويكا التركية الحاكمة في الكثير من المحافل والمناسبات يجد اشارات كثيرة لمثل تلك الاحداث والمسميات، حتى ان بعض المعلقين السياسيين الاوربيين نعتوا بعض خطب وزير الخارجية التركي الحالي اثناء لقاءات اوروبية بالخطب العثمانية. وكثير من تصريحات رئيس الوزراء التركي اردوغان لا تخلوا من عنجهيات امبراطورية خالية من اسسها الواقعية، وتذكر بالألفاظ الرنانة لزمن السيف العثماني وانكشارية الامبراطورية. ولكنها، في الواقع، محسوبة ومراهنة على خدمة مخططات اكبر منها، وتتداخل مع مصالح اخرى لإمبراطوريات تريد فرض هيمنتها هي الاخرى على المنطقة، مستغلة غيرها  او دافعة بالنيابة عنها.
يبدو ان عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي/ الناتو تؤثر عليها وتضعها في اطار مخططاته العدوانية، وتلجم رغباتها التي تحاول ان تعبر عنها خارجه او في تناوب معه بحدود الاستفادة والتخادم المشترك. فمواقفها حول القضية الفلسطينية وتسييرها لسفينة مرمرة وما حصل لها استثمرتها بشكل جيد في وقتها وانتهت عنده رغم صفعات متتالية جرتها عليها ودفعتها الى ابتلاع التصريحات النارية التي اطلقتها حولها وكذلك هو الوضع في اكثر من مكان اخر. وتأتي بالتوالي معها القضايا الاخرى وحقوق الانسان التي تتباكى عليها الادارات الغربية خصوصا وتنكرها دائما في التطبيقات الواقعية لها او في تعرضها لانتهاكات صارخة من قبلها او من حلفائها.
تأتي قضية ايران النووية والعلاقات معها اشارة اخرى لتهافت السياسات التركية في احابيل المشاريع الغربية والأمريكية خصوصا وخدمتها. واعتبارها سبيلا للضغوط الاخرى على ايران وتمرير سياسات اخرى تحمل من صفحات التاريخ ظلالا وتشجعها للعب دور فيها بدعم واسع من اطراف عربية وإسلامية تدور معها في دائرة التخادم والتعاون المشترك مع المخططات والمشاريع الامريكية في المنطقة.
هل تخلو التغيرات في السياسات التركية من حسابات عثمانية؟ ولماذا تشدد الترويكا الحاكمة من لهجتها وخطابها السياسي ضد بعض الدول العربية والإسلامية؟. لا يشك المراقب انها تعرف توجهاتها ومساراتها التي تصب في خدمة مصالح غربية بحتة ولا تخدم اهدافها التي ابتدأت بها سياساتها عند تسلمها الحكم وادعاءاتها الانفتاح على العالم الاسلامي وقيامها بتصرفات يبدو منها انها استفادت من خبرتها وعلاقاتها مع الغرب وتوجهت فعلا نحو الشرق والعالم العربي بشكل خاص للتعويض عما فاتها من طموحاتها الاوروبية. إلا انها وهي تمارس مثل هذه السياسات فهي تواجه ما يضعها امام خسارة جبهات كثيرة كانت على تصالح معها وعلى مختلف الاصعدة، وكذلك على انحسار تأثيراتها الناعمة واستفادتها من علاقاتها الاقليمية في رسم خارطة جديدة للمنطقة وادوارها استراتيجية.
تركيا تمر بفترة اختبار واقعية لمسارات تغييرات سياساتها وإذا لم تع ما تقوم به وما تؤول اليه فأنها تنهي بنفسها نموذجها السياسي الذي بنته وادعت قبوله غربيا وإمكانية تسويقه اقليميا وخصوصا عربيا. ولا يخفى ان مسارات سياساتها الحالية لا تقود الى ذلك ولا يمكن الاعتماد عليها في اعادة النظر والمراجعة النقدية وتجاوز انقلابها على سياساتها ونظريتها التي حاولت من خلالها عودتها الى الشرق بقبول ورضا شعبي ورسمي مشترك. اية حسابات عثمانية جديدة لن تصب في خدمة الامن والسلام والاستقرار والتنمية في تركيا اولا والمنطقة ثانيا والعلاقات الدولية اخيرا لا يكتب لها النجاح. ولعل تجربتها مع عضوية الاتحاد الاوروبي تعطيها دروسا كافية لتفهم دورها ومكانها الواقعي وضرورة التفكير والعمل الصادق لصالح الشعوب وخدمة اراداتها ومصالحها جميعا في منطقة استراتيجية عالميا وقادرة على التأثير في النظام الدولي لا الانجرار وراء اوهام امبراطورية غابت الشمس عنها طويلا وابتعد زمانها في ظل المتغيرات الكبيرة والتحولات التاريخية الحاصلة في العالم وعلى مختلف المستويات.
الأربعاء, 18 أبريل 2012 19:53

غائب وغالب

يشّد رثاء كاتب مبدع لزميل له في الإبداع والمنافي القارئ الجاد، ويحيله إلى إبداع الكاتبين ويلفت الانتباه لهما، مكانا وزمانا. فكيف إذا كان الكاتبان اسمين بارزين في فنون القصة والرواية والترجمة والنقد والمنافي العديدة التي عايشاها رغما عنهما واقتناعا بما قاما به فيها، إبداعا ونشاطا ثقافيا وسياسيا عاما مع المشاركات في الهموم الأخرى.
التقى الروائي العراقي غائب طعمة فرمان (ولد في بغداد عام 1927 وتوفي في موسكو في العام 1990) الروائي الأردني غالب هلسا (ولد في الأردن يوم 18 /12/ 1932 – وتوفي في سوريا 18/12/1989) في  مدينة القاهرة، منفيين من بلديهما ومتابعين بجدية آخر ما ينتجه الكتّاب في مصر والعالم، ويشتركان في نقد إنتاجهما وإبداعهما والحوار في شؤون الثقافة والهموم والأخرى.
نشر غالب في حياته سبع روايات: الضحك، 1971.الخماسين، 1975.السؤال، 1979.البكاء على الأطلال، 1980.ثلاثة وجوه لبغداد، 1984.نجمة، 1992 (طبعة ثانية). سلطانة، 1987.الروائيون، 1988.كما نشر غالب مجموعتين من القصص: (وديع والقديسة ميلادة)، 1969 و(زنوج وبدو وفلاحون)، 1976. وفي مجال الفكر والنقد: العالم مادّة وحركة، دراسات، دار الكلمة/ بيروت، 1980، قراءات في أعمال: يوسف الصايغ، يوسف إدريس، جبرا إبراهيم جبرا، حنّا مينه، دار ابن خلدون، بيروت، 1981، المكان في الرواية العربية، دار ابن رشد، بيروت، 1981، الجهل في معركة الحضارة، دار الحداثة، بيروت، 1982، فصول في النقد، دار الحداثة، بيروت، 1984. نقد الأدب الصهيوني، دار التنوير العلمي، عمّان، 1995، اختيار النهاية الحزينة، جمع وتحقيق ناهض حتّر، دار المحروسة، عمّان، 1996. أدباء علّموني.. أدباء عرفتهم. جمع وتحقيق: ناهض حتّر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1996، برناردشو، د.ن، بيروت، د.ت، الهاربون من الحرية، جمع وإعداد وتحرير: ناهض حتّر، د.ن، عمّان.
أما غائب فصدرت له الأعمال الروائية والقصصية:
حصاد الرحى ( مجموعة قصص) 1954، مولود آخر ( مجموعة قصص) 1959، النخلة والجيران ( رواية) 1966، خمسة أصوات ( رواية) 1967، المخاض ( رواية) 1973، القربان ( رواية) 1975،  ظلال على النافذة ( رواية) 1979،  آلام السيد معروف ( رواية) 1980، المرتجى والمؤجل ( رواية) 1986، المركب ( رواية) 1989، وترجم نحو ثلاثين كتابا ونال جائزة رفيعة على جهده في هذا الجانب ومن ترجماته، أعمال تورجنيف في خمسة مجلدات، القوزاق لتوليستوي، مجموعة قصص لدستويفسكي، مجموعة قصص لغوركي، المعلم الأول لايتماتوف، مجموعة أعمال بوشكين، لاشين عملاق الثقافة الصينية.
ابتدأ غائب مقاله (المنشور في مجلة البديل العراقية العدد 15 نيسان/ ابريل 1990) في رثاء غالب: " سأكف من الان عن توديع أحبائي. فقد ودعت منهم كوكبة تملاني شجنا، وحسرة على خسارة أناس كم هم ضروريون ومجدون في هذا الزمن العصيب المحمول على أكتاف ألف عفريت! وغالب هلسا آخر من أودعهم".  وواصل تعريفه باللقاءات الأولى بينهما وما حملته من حوارات وتعميق للصداقة والعمل الثقافي.. " كنا نلتقي في القاهرة كل يوم تقريبا. وكنت اقرأ له بعض قصصي، وكان يبدي ملاحظاته الذكية. وذات مرة قال مفاجئا إياي: يا زلمه، لماذا لا تكتب رواية، ولا ادري ان كان هذا ذما أو مدحا لقصتي.. ولكنه كان دمغة في الطريق الذي سلكته فيما بعد". هذا اعتراف واضح من روائي قدير بمكانة ناقد شجاع. أدرك بحسه النقدي الأدبي مجال زميله الإبداعي وقدراته الفنية ونصحه له للاتجاه إلى الطريق التي أبدع فيها ما رفعه علما بارزا في الرواية العربية.
أضاف الكاتب: "كان غالب هلسا حصيلة مميزة لما يسمى أحيانا بجيل الخمسينيات. وكتاباته عنه، ولاسيما عن مثقفيه الصغار في ذلك الصدق والحرارة، هي كتابات رجل يكتب عن ذاته، عمن عرفهم وصادقهم واختلف معهم، واشتبك في معارك كلامية في بادئ الأمر، ثم قلمية فيما بعد.. وان كان قد بقي جامدا على تلك الصيغ الأولى". هنا سجل الروائي ملاحظاته النقدية هو الأخر على ما نشره الراحل قبله. وعاد ليثني على أسلوب غالب: "والانطلاق من الذات أو النفس شيء رائع، وحتمي، إذا أريد التزام جانب الصدق". ومن خلال ذلك طرح رأيا نقديا أو وجهة نظر في التحدث عن الذات في الإبداع الفني، "لان الذات هي المنطلق، وهي برهافتها وشدة حساسيتها تدلك على الطرق المؤدية إلى الآخرين، الذين "يحجمونها" بدورهم، ويلفتون أنظار أصحابها إلى جوانب خفيت عنهم". وعاد إلى تذكر الراحل: وقد كان غالب، منذ البداية، ينطلق من ذاته.. ولماذا لا ينطلق إذا كانت هذه الذات شديدة الحساسية والالتقاط، قد تلقت ما يكفي وزيادة من صدمات الواقع، واختزنتها في الأعماق القصوى. ورأت الكثير من منغصاتها وقارنتها فيما هو مسطور في الكتب وما تتداوله الألسن، وتخلق حوله الأساطير...أليس هو وليد فترتين ثوريتين في قطرين من اكبر الأقطار العربية تتواشج بمصيرهما مع مصائر العالم العربي ككل، واعني بهما مصر والعراق. ومن قبل كان الأردن". وختم مقاله الذي كشف فيه معاناته هو الآخر وسبل وصوله إلى ما سجله في رواياته وامتصاص خزين ذاكرته وصراعات الأحداث في بلده العراق الذي اضطره إلى الغربة عنه وظلت أماكنه وأبطاله مستمرة في ذاكرته ونتاجه، وكأنه يعترف عن نفسه أيضا "وكل ذلك يكسب أعمال غالب هلسا الروائية والنقدية تلك الحيوية والفوران الدافق لإنسان لم يفارق ميدان المعارك قط..وذلك هو الذي يعطي لما كتبه غالب هلسا تأشيرة البقاء".
الخميس, 08 مارس 2012 18:46

اعتذار اوباما

الرئيس الأمريكي باراك اوباما في سنة انتخابية، يسعى إلى البقاء في البيت الأبيض فائزا بدورة ثانية. يبحث عن ما يفيده لحملته الانتخابية ومن يدعم بقاءه تصويتا أو يساعده سلفا. فأسرع للإعلان عن اعتذار رسمي عن جريمة حرق نسخ من القران الكريم من قبل جنوده في أفغانستان. اعتذار أمريكي بحت للمنافسة الانتخابية ولادعاءات تضليلية مفبركة. لا تفسير يقدمه للعمل الذي فرض وجوب الاعتذار، حتى شكليا والمعروف ان هذه الجريمة ليست الأولى ولا الأخيرة. وكذلك ما له علاقة في ظروف جرائم اخرى ليست قليلة وليست محصورة في المشاعر والضمير الإنساني وحسب وإنما ما له صلة بالقيم الامريكية التي يدعي كل رئيس الحفاظ عليها والعمل بموجبها، داخليا وخارجيا. فماذا يعني اعتذاره الان؟ ولماذا برره بما لا يتناسب والفعل الإجرامي؟ وهل الاعتذار ثقافة جديدة له سيكرره في حال تكراره الجريمة أو ما شابهها؟ وهل اوباما مستعد للاعتذار عما سبق من جرائم؟ وما تفسيره لجرائم احتلال البلدان وتدمير الشعوب؟ هل الجرائم الامريكية هذه لها درجات في الوعي الرئاسي الرسمي الأمريكي، سواء الرئيس الحالي أو المرشحون لرئاسة؟.
الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يجعل من الاعتذار هذا موضوعا مفتوحا لأسئلة اخرى ولقضايا أوسع، خصوصا وانه لم يأت اعتذارا للجريمة ذاتها، بل درءا لرد الفعل الذي حصل من قبل أبناء الشعب الأفغاني أولا وعواصف التظاهرات التي حصلت في أفغانستان وباكستان أساسا. الأمر الذي يزيد في المشاعر المعادية للاحتلال الأمريكي ويحرج الإدارات المعينة من قبله في أفغانستان ويصعد من روح المقاومة الشعبية ورفض استمرار الاحتلال بكل إشكاله. وهذا ما حصل على الأرض. وهو ما اجبر الرئيس الأمريكي على تقديم الاعتذار.. ليست الثقافة الامريكية أو السلوك الحضاري وراء ذلك، بل وبكل وضوح تمرير الجريمة وحماية جنود الاحتلال. وهنا التناقض الأخلاقي الأمريكي في الادعاءات الرسمية وفي الواقع العملي والممارسات اليومية لقوات الاحتلال الامريكية وخطط الحرب والغزو وما يتخللها من انتهاكات فظيعة. كشفت المراهنين على تلك السياسات وأخرست المرتبطين بها من العالم الإسلامي خصوصا.
لم تكن الجريمة هي السبب في الاعتذار إذاً وإنما لما بعدها، فهي استمرار وإضافة لسلسلة الجرائم المتتالية المعبرة عن خطط الاحتلال والغزو والحرب التي شنتها الإمبراطورية الامريكية على الشعوب والبلدان التي ابتلت بها والتي هددت بها. فهل تنسى هذه الجرائم منذ هيروشيما وناغازاكي وما حصل في فيتنام وكوريا ويوغسلافيا والصومال وغيرها من البلدان، وليس اخيرا في أفغانستان والعراق، وسبقتهما فلسطين؟!.. وتركت كل هذه الجرائم تداعيات مستمرة حتى اليوم.
اعتذر أوباما في رسالة رسمية إلى نظيره الأفغاني حامد قرضاي، كما نشرتها وكالات الأنباء: "أود أن أعرب عن عميق أسفي للحادث، وأتقدم إليكم والشعب الأفغاني بأصدق عبارات الاعتذار.. أؤكد لكم أننا سوف نتخذ الخطوات المناسبة لتجنب تكرار هذه المسألة مع محاسبة المسؤولين عن هذا الفعل". وأوضح أوباما في مقابلة مع شبكة «آيه بي سي نيوز» الأميركية من البيت الأبيض ان الاعتذار الرسمي من الرئيس الأفغاني "هدأ الأمور". وأضاف "نحن لم نتخط مرحلة الخطر بعد، لكن معياري في ان أي قرار أتخذه هو أخذ توصيات من الموجودين على الأرض، هو ما سيحمي جنودنا ويضمن إنجازهم مهمتهم". وأشار إلى ان الهدف من رسالته إلى قرضاي كان تفادي أي خطر إضافي قد يواجهه الجنود الأميركيون على الأرض.
واعتبر أوباما انه "بالرغم من صعوبة الأوضاع في أفغانستان، نحن نحرز تقدماً بسبب خدمة جنودنا الاستثنائية، وغالبية الجنود الأفغان رحبوا واستفادوا من التدريب والشراكة التي نقدمها". وأكد قرضاي استلامه "رسالة اعتذار للأفغان عن إحراق نسخ من القران في قاعدة باغرام الجوية الأميركية، وكذلك اعتذر وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا ورئيس الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال مارتن ديمبسي وقائد (إيساف) الجنرال جون آلن من الشعب الأفغاني، مؤكدين أن هذا العمل لم يكن متعمّدا"!.
وشدد أوباما على ان «الحرب عمل صعب، ولا تسير الأمور دائماً في طريق جيدة، ولكن بفضل التزام وتماسك فرقنا أشعر بالثقة بأننا قادرون على البقاء في مسار يؤدي في نهاية العام 2014، إلى خروج كل قواتنا وإنهاء أي دور قتالي، كما ستكون لدى الأفغان القدرة، تماماً كما العراقيين، لضمان أمن بلادهم»!.
كما أكد الرئيس الأمريكي أن "الارتقاء بالقيم الأمريكية يعتبر الدعامة الأساسية لسياسات بلاده وأن إصلاح العلاقات بين واشنطن والعالم الإسلامي تعد واحدة من الأولويات المدرجة ضمن جدول سياسته الخارجية". ولكن الوقائع تقول بغير ذلك. وهو ما بينته احتجاجات منافسيه في الانتخابات القادمة، فالمرشح الرئاسي الجمهوري نيوت غينغريتش غضب وطالبه بدلا من الاعتذار عن حادثة حرق نسخ القرآن، مطالبة قرضاي بالاعتذار عن مقتل جنود أمريكيين، بينما وصف المرشح الجمهوري ريك سانتوروم الاعتذار بأنه "علامة ضعف". ورغم ان اعتذاره  لم يكن سابقة منه، حيث سبقه رؤساء جمهوريون قبله، إلا ان المرشحين الجمهوريين انتقدوه عليه، بزعم ان سياساته الخارجية عموما أدت إلى إذلال واشنطن حسب تعبير صحيفة واشنطن بوست (25 شباط/  فبراير 2012) التي وضحت "أن معظم الانتقادات الموجهة إلى سياسة أوباما الخارجية نابعة من اللهجة المتواضعة التي يستخدمها والتي تأتي في اختلاف صارخ عن اللهجة "العنيفة" التي كان يستخدمها سلفه الرئيس الأمريكي جورج بوش فيما يتعلق بالسياسات الخارجية". وأشارت الصحيفة إلى أن الاعتذار الذي قدمه أوباما جاء في "لحظات حرجة" له، سواء فيما يتعلق بمستقبل الحرب في أفغانستان أو على حملته الانتخابية تمهيدا لخوضه سباق الترشح الرئاسي المقبل.
كم اعتذار يتطلب من اوباما ومن غيره من الرؤساء ان يتقدموا بها عن الجرائم التي لا تعد ولا تحصى..؟! وهل هذا الاعتذار إعلان فقط..؟!
الأحد, 26 فبراير 2012 21:50

صراع القهر وعبد الصبور

صراع القهر والانهزام في مسرحيات صلاح عبد الصبور، بحث للناقد الدكتور إبراهيم جندراي. تناول فيه المسرح الشعري للشاعر المعروف الراحل صلاح عبد الصبور (1931- 1981). إذ أثار المسرح الشعري العربي قضايا كثيرة ومن أبرزها ما أنجزها الشاعر ودل عليها في مسرحياته التي كتبها وأصدرها بين عامي 1964 و1975. وكانت امتدادا لشعره الغنائي من حيث المحتوى والهم الإنساني. واعترافا من الشاعر عن قدراته الإبداعية وثقافته الواسعة، مع  الإقرار بان عبد الصبور من أهم الشعراء المحدثين معاناة وإحساسا بالغربة، والقلق والتوتر والحزن والخوف والضغط الاجتماعي والانعزال. تلك الظواهر والحالات الإنسانية التي كان الشاعر يبثها في قصائده واستحوذت عليه في مسرحياته الشعرية.
خمس مسرحيات شعرية حملت عناوين: مأساة الحلاج، مسافر ليل، الأميرة تنتظر، ليلى والمجنون، بعد ان يموت الملك. وتعكس الكلمات في العناوين، (مأساة، ليل، انتظار، مجنون، موت)، صورة الصراع الذي عاشه الشاعر وعبر عنه، وتشرح مفتاح القراءة إلى مضامين المسرحيات وربما وصولا إلى رسالة الشاعر فيها. وقد تعطي، من جانب آخر، قدرة الشاعر على التعبير عنها بحيوية وراهنية المعاناة والبحث عن سبل اخرى تواجهها وتمارس فعلها.
لخص الناقد إبراهيم جنداري في بحثه ومدخل كل مسرحية اتجاهاتها العامة وفصل في مستوياتها الفنية والآراء في إمكاناتها ومحور الصراع فيها بين القهر والانهزام والخوف والأمل. فمسرحية مأساة الحلاج تتألف من فصلين باسمي الكلمة والموت، وكل فصل يتكون من عدة مناظر وتعالج مأساة الحلاج بقتله وصلبه في ساحة من ساحات بغداد. ورأى الباحث فيها: ان عبد الصبور في هذه المسرحية مع تجربة روحية هائلة، وهي التجربة الصوفية واتخاذها استبطان الذات سبيلا يحقق الوصول إلى المعرفة الحدسية. وأشار إلى أن الشاعر جعل من الحلاج مثالا للمفكر وهو يصارع ضميره الاجتماعي وتجربته الباطنة، أي ان الحلاج لم يكن صوفيا متفانيا في محبة الله غارقا في تجربته فحسب عند عبد الصبور، بل جعل التجربة الصوفية مدخلا لإصلاح العصر ورفع الظلم مستندا في ذلك إلى كثير من الحقائق التي وردت في سيرة الحلاج التاريخية". (ص22-24).
في تحليله لنص المسرحية ولغتها وضع الناقد توزع الصراع الداخلي فيها ورؤاه في تكوينات دائرية لإكمال الصورة وإثراءها حسا بالابتهاء والوفاء والتحقق.
تدور مسرحيته الثانية مسافر ليل بجو أشبه بكابوس خاطف تتداخل فيه الأحداث تداخلا يتوافق مع الخوف الذي يسحق الإنسان في أزمنة القهر والتسلط والطغيان. بحيث وجد الناقد ان تطور المسرحية عن طريق تداعي الرموز، وليس على أساس المنطق، وينجح عبد الصبور في تطوير الصورة الشعرية للحقيقة الإنسانية القائلة بان البشر جميعا يروحون ضحايا للطغاة، وشخصيتي الراكب وعامل التذاكر شخصيتان خياليتان متنافرتان أحداهما في منتهى الضعف والانكسار والأخرى مرعبة إلى حد لا يصدق، لكن عبد الصبور يخرج بدفاع بليغ الجذوة الإنسانية من خلال الإدانة الصارمة لحكم الطغاة. وقد اعتمدت المسرحية ذات البناء البسيط والقضية الواضحة على شخصيتين غريبتين. وإضافة عبد الصبور لشخصية الراوي بهدف تكثيف الإحساس بالقهر وضروراته في نفس عامل التذاكر (الطاغية) ومرارة المذلة والانهزام في نفس الراكب. وفي تذييل الشاعر للنص إشارة لذلك. كتب: أنا اعتقد ان الراوي شخصية رئيسة من شخصيات مسرحيتي، فهو بدل الجوقة إذ انه يوضح ويعلق ويشير، إما دوره الرئيس فهو ممثل لكل من هم خارج المسرح.
اعتمدت مسرحيته الثالثة (الأميرة تنتظر) عن قصة من الموروث التاريخي وحكايات ألف ليلة وليلة وتبدأ بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاما على الحدث الأساس الذي تدور حوله، حيث تنزوي أربعة نساء - أميرة ووصيفاتها الثلاث- في كوخ مظلم، في واد مجدب، نفين فيه بعد تحطم قلب الأميرة من هوى السمندل الذي وهبته ذاتها ومكنته من مقاليد الأمور في المملكة وقتل أباه الملك وعجز عن منحها الطفل الذي تتوق إليه. وأشار الباحث ان النقاد اجمعوا على اعتبار المسرحية أفضل مسرحيات صلاح عبد الصبور وإحدى درر المسرح الشعري العربي. أو كما كتب عنها محمود أمين العالم: المسرحية "في وحدة بنائها وحبكة أحداثها ترتفع إلى ذروة عالية من التأثير الدرامي.. فهي تلعب بالأقنعة وبالتمثيل داخل التمثيل وبالرمز المكثف وبالاغراب وبالإيحاء لكن في إطار حدث واحد يتحرك وينمو ويتعقد ويحل، وفي إطار مضمون مؤثر يقترب منا حينا بدلالة سياسية واجتماعية مباشرة ويرتفع بنا حينا آخر بدلالة إنسانية عامة".
خلت مسرحية ليلى والمجنون في فصولها الثلاثة من الأسطورة أو التاريخ، واعتبرت مسرحية واقعية دارت أحداثها في غرفة تحرير إحدى الصحف الثورية الصغيرة في الفترة التي سبقت ثورة تموز/ يوليو 1952، وشخصياتها من الشباب المثقف، باستثناء رئيس تحريرها، ومنه ارتفعت نسبة الانهزام بينهم. وقدمت المسرحية تنويعات اخرى على القضية التي ترددت أصداؤها في مسرحيات عبد الصبور وهي قيمة الكلمة وفاعليتها في التغيير. حاول عبد الصبور فيها ان يكون واقعيا ومعاصرا، البس القصة القديمة الشائعة ثوبا مناسبا لمقاييس عصره. ورغم انتقاد النقاد لها إلا ان الباحث رأى فيها براعة تصوير لأزمة الجيل الذي انتمى إليه الشاعر، ومسرحيته هذه شهادة عن جيل هرم على دكك المقاهي والمواخير. كما ان أبطالها كانوا أكثر امتلاء والتصاقا بالحياة المعاصرة وتاريخها السياسي وثقافتها، وقابليات كل منهم في الاتفاق على ضرورة التغيير والاختلاف في أسلوب المعالجة. وخلص الباحث ان لعبد الصبور قدرة فائقة على كتابة شعر حقيقي يعبر عن أفكار أبطاله وبالتالي عن قضايا إنسانية كثيرة تهم القاريء المعاصر وبقدرة كبيرة على بناء مسرحي وحبكة وتتابع مشاهد بشكل جميل.
في مسرحيته الأخيرة وفي فصولها الثلاثة أيضا جمع عبد الصبور خيوط مسرحياته السابقة ووصل بها إلى غاياتها العليا فنيا وفكريا. لاسيما في الصراع المتصاعد عن القهر، كما عبر عنه في مسرحه الشعري. بدأت المسرحية بتقديم نثري ومناخ شعري يبحث عن الحب والحرية والعدل في مواجهة البطش والقهر. ورصد فيها حركة العالم المحكوم بأزماته، والعالم الموصول بأدق اختلاجات الإنسان العربي الحائر بين الكلمة والسيف. ووجد الناقد ان هذه المسرحية خاتمة مقصودة لأعمال عبد الصبور السابقة، ففيها تجمعت الخيوط على نحو من التكثيف للتجارب الأولى، ومثلت النهاية التي رسمها الذروة فيها، بانحيازه النهائي إلى الكلمة المقاتلة بالسيف. واختار لها أداء لغويا عاليا وتصويرا قويا لبشاعة الطغيان والقهر والسخرية من المهزومين والمنافقين والمتذللين في شعر سلس حافل بالصور الفنية، الغنائية والدرامية أيضا.

بحث الدكتور إبراهيم جنداري في مسرح الشاعر صلاح عبد الصبور باعتباره إضافة شعرية لحركة الشعر العربي وبناء فني متطور ومعبر عن هموم إنسان عربي معاصر، توثيق وتقديم نقدي للمسرح الشعري وللشاعر الراحل ومكانته في هذا المجال.

الثلاثاء, 14 فبراير 2012 17:48

منظمات أمريكية في العالم العربي

ليس غريبا ان تتواجد منظمات أمريكية في العالم العربي لأسباب كثيرة ليس محلها هذا المقال، فضلا عن معرفة أدوارها المتعددة ولاسيما ما يهم الأهداف الاستعمارية. ولكن ما يكشف من فضائح مستمرة للسياسات الامريكية في العالم العربي يثير أكثر من سبب للغضب عليها والمطالبة بمحاكمتها والعمل على إبعاد مخاطرها وضرورة العمل على حفظ الأمن والمجتمع منها.. وليس آخرها إنكشاف ادوار خطيرة لمنظمات أمريكية تحمل أسماء وعناوين عامة، خدمية واجتماعية وإنسانية، وتقوم بتنفيذ مخططات وأهداف خطيرة تمس الأمن الوطني ومستقبل المجتمع وقيمه وثرواته البشرية والاقتصادية وغيرها. وكانت قد كشفت قبل سنوات أوراق منظمات نشطت في العالم العربي ومررت وأصدرت مطبوعات بأسماء مثقفين بارزين ومغمورين أيضا. والفضيحة هنا هو استخدام عناوين ثقافية أو بحثية أو حقوق إنسان لها. (اقرأ عن أمثال هذا النشاط كتاب الباحثة البريطانية، فرانسيس ستونر سوندرز، من دفع للزمار: الحرب الباردة الثقافية ، ترجمة طلعت الشايب، القاهرة 2002).
أغلب هذه المنظمات التي حملت أسماء معاهد ومؤسسات دفاع عن الحريات الثقافية أو الإعلامية والديمقراطية في العالم العربي مولتها أجهزة مخابرات عربية وأمريكية. وتعرت أسماء القائمين بها بارتباطاتهم مع المشاريع والمخططات الاستعمارية الجديدة وتحولهم إلى أصحاب مليارات وشبكات إعلامية كبيرة ومؤسسات بحث ودراسات ترفع لافتات إستراتيجية.
كذلك تحت اسم حقوق الإنسان والديمقراطية تشكلت مئات الهيئات والشبكات في العالم العربي، خصوصا في البلدان التي كانت تعارض السياسات الامريكية أو لا تلبي مطالبها الاستعمارية بشكل من الأشكال، وتتعارض مع خططها العدوانية، خلاف غيرها من البلدان التي تعرف بانتهاكات حقوق الإنسان بأساليب لا يمكن الصمت عليها. وتعاملت بانتقائية صارخة كما حصل ذلك في العراق مثلا، كفضيحة حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية . أليس هذه كافية لإدانة اغلب تلك المنظمات التي تأسست تحت تلك المسميات وتجردت من الضمير الإنساني وتجنبت تلك الجرائم المروعة؟. وبعد الاحتلال أعلن عن تسميات جديدة لمنظمات مشابهة بمسميات اخرى، أو منظمات غير حكومية، وأنتشرت في العالم العربي وليس في العراق وحده، ترفع أسماء لها وتعلن تلقيها دعما وتمويلا من مؤسسات أمريكية وغيرها لتقديم دراسات وأبحاث مطلوبة منها لتلك المؤسسات، وتخدم أهدافا لا مصالح للبلدان والشعوب العربية فيها. والملفت مثلا ان مخطط نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن حول تقسيم العراق إلى ثلاثة أجزاء، وبمسمياتها المعروفة، كانت مراكز بحث ومؤسسات ومنظمات تحمل أسماء عربية ويديرها عراقيون وضعت مثل تلك المسميات لأجزاء العراق وتعاملت مع الشعب العراقي بهذه الصيغ والمسميات وكأنها تهيأ لمشروع بايدن وتجهز له الأرضية النفسية، مثل تلك التي كسرها الرئيس المصري المقتول في زيارته المعروفة للكيان الصهيوني. وهذه المسميات والمنظمات لا تختلف عن الدور المطلوب منها ذاك في تعاملها مع الشعوب والبلدان العربية. وكل هذه المنظمات وما قامت به من ادوار خطيرة باتت معروفة ولكن للأسف لم يتخذ بشأنها ما تستحقه لتواطؤ واضح بين من يحكم ومن يموّل، ومن يخطط ومن ينفذ، ومن يريد ومن يقدم!. وهنا الخطورة الفعلية لمثل هذه التسميات والمنظمات ومصادرها وادوراها وبرامجها وحملاتها الإعلامية والدعائية وأغلفتها الناعمة والمخادعة. مَن يرفض مركزا يحمل اسم الأعلام ابن خلدون أو ابن رشد أو ابن الهيثم للأبحاث أو الدراسات الإستراتيجية مثلا؟! ومن يمنع منظمة تدافع عن حقوق الإنسان؟! أو تحمل تسمية الدفاع عن حقوق الإعلام أو التنمية البشرية أو تمكين المرأة؟. وهكذا دواليك!.
هناك من يحاجج ويدافع عن المنظمات وتمويلها الأمريكي بذرائع استلام الحكومات دعما أمريكيا أيضا، ولكن لا يفسر لماذا هو يتقبل استلامه التمويل، كما كشف عنه مؤخرا في مصر. وأضافت له وثائق ويكيليكس ما يؤكد مشاركة الادارة الامريكية بتبيض أموال ورسم مخططات خطيرة تهدد الشعب المصري وبلاده ودوره العربي والإفريقي ومستقبل المنطقة أيضا. فما نشرته جريدة الأهرام (11/2/2012) لا يحتاج إلى تعليق وهو معروض أمام المحاكم وبانتظار قراراتها، ولكن الاحتجاج الأمريكي الرسمي، وصولا إلى مجيء رئيس الأركان الأمريكي إلى القاهرة للتداخل في مثل هذه القضايا يعري براءة تلك المنظمات.
نشرت الأهرام: "شمل قرار الاتهام 43 متهما من المصريين والأجانب الذين سيحاكمون أمام محكمة الجنايات، لارتكابهم جرائم الحصول على التمويل بمخالفة للقوانين، وجاء ملف القضية في 1700 صفحة تحقيقات ـ مستندات ـ مضبوطات ـ وحسب القرار الذي أعده قاضيا التحقيق المستشاران سامح أبوزيد وأشرف العشماوي، فإنه لم تتم محاسبة المتهمين عن السنوات الخمس السابقة، حتى لا تتحمل تلك المنظمات مسؤولية تقاعس النظام السابق عن عدم تسجيلها - كما أن المتهمين لا يمارسون عملا أهليا وخيريا بل عملا سياسيا محظورا قانونا ويقتصر على الأحزاب فقط، ولا يسمح به لمنظمات المجتمع المدني وهي نصوص قانونية لها مثيل في القوانين الأمريكية والألمانية.. والسؤال هنا لماذا لا تحترم هذه المنظمات القانون المصري؟!". وأشارت الصحيفة إلى مجموعة من الحقائق، من بينها ان المعهدينالجمهوري والديمقراطي، يمولان من المعونة الأمريكية المخصصة لمشروعات البنية التحتية في مصر وفقا لاتفاقية كامب ديفيد. وتبذخ هذه المنظمات على المقرات وتجهيزها ورواتب العاملين والمتدربين والمدربين من العرب، وكلها من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين والمخصصة لمصر، و"تنفرد الولايات المتحدة بقرار استقطاع جزء من هذه المعونة، بينما لا يتم استقطاع دولار واحد من الجزء المخصص للكيان الإسرائيلي لمصلحة نفس المنظمات الخمس المقدمة للمحاكمة وجميعا لها فروع هناك، ولا تباشر نشاطا سياسيا مثلما فعلته في مصر، بل تعمل على تطوير التعليم وتنمية المجتمع المدني!".
الأخطر في ما عثر عليه  داخل مقرات هذه المنظمات، حسب الأهرام، من خرائط تتضمن تقسيم حدود مصر وإخراج حلايب وشلاتين وتعديل خطوط العرض المتعارف عليها دوليا، وتقسيم مصر إلى 4 دويلات وهي: القنال، صعيد مصر، القاهرة الكبرى، الدلتا دون أي ذكر لمنطقة النوبة أيضا!والمفاجأة التي كشفت عنها التحقيقات أن هذه المنظمات كانت تدرب الحزب الوطني طوال السنوات الخمس الماضية، وتؤيده في كل سياساته وتدعم برامجه وأنشطته، ثم تحولت بعد الثورة إلى تأييد الأحزاب الجديدة، خاصة ذات المرجعيات الدينية.
وتؤكد الأهرام على ان هذه القضية جنائية، تمس الأمن القومي، وهو نفس الاتهام في القانون الأمريكي، ولا علاقة للقضية بالسياسة على الإطلاق.
هذه صورة عن اغلب المنظمات الامريكية في العالم العربي وهذه أعمالها، فهل يصمت عليها؟!
الجمعة, 10 فبراير 2012 22:09

الأمم المتحدة والعالم العربي

خلال العقد الأخير من الزمن تحولت هيئة الأمم المتحدة إلى منظمة تابعة لمكتب في وزارة الخارجية الامريكية في أغلب شؤونها. ويتصرف السفير الأمريكي فيها كمدير عام مؤسسة وليس سفيرا لدولته فقط. وأصبح مجلس الأمن فيها معطلا عن العمل الفعلي البناء إذا لم تحتجه الادارة الامريكية أو عصا أمريكية بوجه الإرادات الوطنية وطموحات الشعوب. وهو أمر صعب التصور ولكن الوقائع مرة في كثير من هذه الحالات، وهو ما اتفق أو لاحظه كثير من الكتاب والمراقبين السياسيين، لاسيما بعد استفراد الادارة الامريكية في القرار الدولي ومخططات قيادة أمريكا للعالم. منذ عودة الرئيس الأمريكي جورج بوش الثاني للبيت الأبيض بانتخابات زوّرت نتائجها كما هو معروف ومفضوح، أصبحت مخططات إدارته وأحلام المحافظين الجدد هي المصدر الرئيسي للسياسات الدولية، بما فيها القرارات التي تصدر من الأمم المتحدة. لاسيما بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر الدموية. ولم يتمكن خلفه الرئيس اوباما من تغيير واسع رغم خلفيته القانونية.
في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 صوّت على القرار 1441 بالإجماع في مجلس الأمن. وهذا القرار أطلقت عليه صحيفة الغارديان البريطانية (9/ 11/ 2002) قرار الموت بالنسبة للعراق. حيث أخذته الادارة الامريكية وسيلة شن الحرب على العراق رغم انه لم يجز لها نصا ولكنها استغلته، وعملت آلتها الإعلامية والمتعاونون معها وسفيرها الجوال حينها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير للترويج له، واعتبرته الادارة الامريكية كافيا وغير ملزم لها بالعودة إلى الأمم المتحدة لاتخاذ قرار جديد منها لبدء العدوان على العراق. هذا القرار رسم عنوان الذل للأمم المتحدة مع العالم العربي في العقد الأخير. وكتبتُ عنه حينها، كما كتب آخرون، بان القرار لا يعبر عن أهداف المنظمة ولا يتطابق مع ميثاقها الذي لم تستطع ان تضعه موضع التطبيق في حالات مشابهة للوضع في العراق وفي المنطقة نفسها. لقد بيّن القرار أبعاد التغير وازدواج المعايير في التعامل مع البلدان الأعضاء والتحديات والأخطار الدولية والتهديدات المحيقة بالسلام والأمن الدوليين وحقوق الإنسان والعدالة الإنسانية. وأضفتُ بما يخص القرار والتحولات الدولية بعده بما حصل من انتهاكات صارخة في سلوك وتصرفات الادارة الامريكية وجنون عصاباتها في البنتاغون والمؤسسات الأخرى ضد ميثاق الأمم المتحدة نفسها وضد إرادات الشعوب وحرياتها وثرواتها. لاسيما تصريحات زعماء المحافظين الجدد الذين أداروا تلك الفترة بشان الأمم المتحدة والعالم العربي. ومنهم سفيرها في الأمم المتحدة حينها جون نغروبونتي (هو نفسه وليس غيره، السفير السابق في هندوراس والعراق وختمها في إدارة أجهزة المخابرات) في أمره الذي قال فيه: "إذا لم يتصرف مجلس الأمن بشكل حاسم، فان القرار لا يمنع أي بلد من ان يتصرف ليدافع عن نفسه ضد التهديد العراقي". مشكلا بقوله وما تبعه من تصريحات وأعمال السفراء الذين تلوه في المنصب حول دور الأمم المتحدة والمواقف منها منطلق الاستفراد وتجريد الأمم المتحدة من دورها المنشود لها وميثاقها الذي صادقت عليه الدول الأعضاء فيها. ( تفاصيل في كتابينا عن تلك الفترة: لا للحرب، دار نينوى، دمشق 2004، لا للاحتلال، دار التكوين، دمشق 2005).
لم تكتف الادارة الامريكية بإهانة الأمم المتحدة ومجلس حربها بما صدر عنها بل أقدمت على التدخل في شؤونها الرئيسية واختطفت منها ملفات التقرير العراقي الذي تالف من 12000 صفحة مطبوعة و500 ميغابايت سيدي روم وصورتها في مقر وكالة الاستخبارات المركزية. وإعادتها لها بعد تصفيتها من الأسرار التي ترتبط بمسؤولية الادارة الامريكية وشركاتها في العلاقات مع العراق ودعم الدكتاتورية على جميع الصعد، استكمالا لتقويض عمل المنظمة الدولية وخرق ميثاقها وتكريس دورها التابع.
كان القرار 1441 علامة الشؤم لما حلّ بالعراق، وبداية لما وصلت إليه الأمور بعده في احتلاله وإقرار الأمم المتحدة بكل ذلك رسميا. ومثله حصل مع القضية الفلسطينية التي وقفت الإدارات الامريكية وسفراؤها دائما ضد أي قرار يساند الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ويدين ارتكابات الكيان الإسرائيلي ضدها. وسجلات انتهاك قرارات الأمم المتحدة كبيرة وعدد قرارات النقض (الفيتو) الامريكية تؤكد ذلك. وهذه فضيحة معلنة عن تلك الانتهاكات التي لاذت الأمم المتحدة ومجلس حربها بالصمت عليها دون ان تتوقف عندها وتحسم أمرها كما هو مطلوب منها، كمنظمة دولية مهمتها حفظ السلم والأمن الدوليين. وربما بالنسبة لقضية الشعب الفلسطيني تطول قضايا البحث عن استهانة الأمم المتحدة بميثاقها وقراراتها وممارساتها الفعلية. وما زالت حتى اليوم تواصل منهجها العدائي المكشوف للقضية الفلسطينية بحكم الموقف الأمريكي وضغوطه المعلنة.
دون تفاصيل عن تاريخ الأمم المتحدة منذ تأسيسها (عام 1945) يشرح القرار الذي ادعت الأمم المتحدة اتخاذه تحت اسم الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين أثناء الانتفاضة الشعبية في ليبيا صورة واقعية لها. حيث صدر القرار 1973 إكمالا للاستعدادات العسكرية للناتو التي كانت على قدم وساق قبل أسابيع من إعلانه. ونتائجه لا يراد ان تعرف وبصمت وبقصد مررت عربيا أيضا. إلا ان معطيات كثيرة ظهرت منها، خصوصا في مطبوعات فاعلين فرنسيين في الملف الليبي اعترفت بتواجد قوات عسكرية فرنسية منذ بدء الانتفاضة مكذّبين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي كان ينفي ذلك، وكذلك ما نقلته وكالات الأنباء عن جريدة لوموند الفرنسية وفضحها لتواجد غواصات فرنسية وبريطانية وتقاسمها لخطط التحرك مع اندلاع انتفاضة 17 شباط/ فبراير الليبية ضد الاستبداد والطغيان المدعوم من قبل فرنسا وبريطانيا وغيرها اساسا.
خلاصة القول ان الأمم المتحدة لها صفحات سوداء في تاريخها مع العالم العربي. وللأسف  أو لغيره استمرار الحكومات العربية في التصديق بها وتقديم التنازلات لها واللجوء إليها لتمرير قرارات اخرى تواصل القرارات السابقة التي رسمت خارطة العالم العربي على حاله اليوم.
العودة إلى أوراق التاريخ فيما حصل ويحصل للعراق ضرورة ودرس وعبرة. قلة من تتمعن وتستفيد، وقلة من تقرأ بتروٍ وتبصرٍ، وقلة من تهتم بالأمر كله أساسا. هذه مشكلة فعلية وقضية خطيرة. العواقب في مثل هذه الأمور لا تضر صاحبها فقط وإنما تشكل خطرا شاملا ومستمرا إذا لم يجر إدراكها والتصدي لها بما يناسبها ويوقفها عند حدودها في أفضل وأحسن الحالات.
في فصل تحت عنوان" يجب تدمير بغداد" من كتاب (خطورة أمريكا، ملفات حربها المفتوحة في العراق) للصحفي والسياسي الفرنسي نويل مامير وزميله السياسي الفرنسي باتريك فاربياز (ترجمة ميشال كرم وإصدار دار الفارابي- بيروت، 2003) إشارات مفتوحة لمن يريد ان يرى حقائق السياسات الإمبراطورية الامريكية وتناقضات شعاراتها التي تضلل بها الرأي العام، ولاسيما العربي الرسمي، الذي يتغنى بالشرعية الدولية ويحتمي بها ضد شعبه. ورد فيه: "معسكر الحرب يردد بصوت واحد النغمة المعروفة التي كان مجلس الشيوخ في روما القديمة يرددها إزاء قرطاجة: "يجب تدمير بغداد" لكن هذه النغمة التي تسمع منذ سنة 1991 لم تكن دائما في راس لائحة أنغام الدبلوماسية الامريكية". وأضافا: "إذا لم يكن النفط سوى احد أهداف حرب الخليج الأولى (بين العراق وإيران 1980- 1988) فانه كان بوضوح في قلب الثانية (1990- 1991)." ومن اجل النفط والأهداف الأخرى في المنطقة حافظت الولايات المتحدة على الالتباس في طرح نفسها أمام من يتعامل معها أو يرتبط بها أصلا ولم تراع الثمن العراقي. فالحرب الأولى التي شنت بمباركة الأمم المتحدة وبتحالف ضم ثماني وعشرين دولة قادته الولايات المتحدة، وانتهت بعد اثنين وأربعين يوما من الغارات الجوية والهجوم البري.. أودت كما صار معلوما بحياة حوالي ربع مليون شخص بينهم 100,000 جندي عراقي (...)، و60,000 إلى 80,000 ضحية أضرار متصلة بالحرب، والباقي ذهب ضحية قمع الحكومة لانتفاضة شجعتها الولايات المتحدة ولم تساندها. وفر مليونان من اللاجئين نحو الحدود التركية والإيرانية. (وظلت هذه أرقام فقط!).
وما يجدر الانتباه له ما ذكراه أيضا، "وقبيل نهاية الحرب، جرت حادثة لم تلفت الانتباه، رغم أنها تلقي ضوءا على الوضع الراهن. ففي شباط / فبراير 1991 عرض الرئيس بوش خطة الولايات المتحدة بشان الطاقة لمرحلة العشرين سنة القادمة. لقد دعا في هذه الخطة إلى تسارع عام في استهلاك النفط ورفض فرض أي رسم على المحروقات. وهو بذلك قد استبق خطة شيني بعشر سنوات".
انتهت تلك الحرب بهزيمة السلطة العراقية ولم تقترن بسقوطها لحسابات الادارة الامريكية وخشيتها من تطورات لا تريدها آنذاك، كقيام دولة كردية وزعزعة استقرار حليفتها تركيا وقيام دولة شيعية، مجاورة لإيران. كما كتب الكاتبان "الأوربيان"، وأضافا بأنه قد تخلى الأميركيون عن العراقيين وعن الأكراد الذين أعلنوا العصيان على الحكومة العراقية بناء على نداء من بوش. وقد أفضت هذه "السياسة الواقعية" حسب الطريقة الكسينغرية في آذار/ مارس 1991 إلى ذبح عشرات الآلاف من الثائرين. (ويلاحظ الآن ما تخطط الإدارة الامريكية له وما تخشى منه فعلا!).
لقد سببت الحروب التي سميت باسم حروب الخليج والتي استمرت عشر سنوات الكوارث. سماها المؤلفان بالحرب الصامتة التي جمعت بين الحصار والغارات الجوية وكانت لها عواقب رهيبة على الشعب العراقي. الأمر الذي يتناساه الكثيرون أو لا يريدون سماعه والإطلاع عليه وهو الأهم في كل ما نتج عن تلك الحروب الامبريالية الامريكية ومن راهن عليها. فبحسب اليونيسيف ارتفعت نسبة الوفيات بين الأطفال من 56% إلى 131% وبات سوء التغذية يهدد مليون طفل دون الخامسة من العمر، أما اللقاحات فلا تصل إلا بعد ان يتفشى الوباء لان استيرادها اصدم بصعوبات هائلة، بمشاركة الدول المجاورة للعراق فيه. وقد تسبب الحظر هذا بوفاة  أكثر من مليون شخص، بينهم 600,000 طفل في سنة 1996، وخلال برنامج "ستون دقيقة" على قناة سي بي اس، ردت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الامريكية، بوقاحة على سؤال مذهل، حول هذا الرقم الكبير من الضحايا الأطفال بسبب الحظر، قائلة: اعتقد ان هذا الخيار صعب جدا، لكن الثمن .. نعم.. نعتقد ان الثمن يليق بالجهد" . فهل أدرك المتسابقون اليوم لخدمة الادارة الامريكية هذا الثمن؟.
واصل الكاتبان تفاصيل شرح ما حصل للشعب العراقي من تدمير للنظام التربوي العراقي في ذلك الزمن: 30% من الأطفال لم يعودوا للمدارس، ونقل التلاميذ إلى المدارس لم يعد مؤمنا بشكل صحيح. وتأثيراته على المرأة والطالبات منها. وكذلك ما حل في الاقتصاد العراقي من دمار. فخلال عشر سنوات أدى تدمير الإمكانات العراقية واستحالة إعادة بنائها إلى العودة بالبلاد إلى ما قبل العصر الصناعي. وهو ما خططت له الادارة الامريكية.
بعد هذه الكوارث التي حلت بالشعب العرقي جراء السياسات الامريكية وحلفائها في المنطقة، ولظروف داخلية امريكية أصدرت الادارة تعديلات لقوانين الحصار وتخفيفها ولكن بفرض ما سمته الادارة بالعقوبات "الذكية ". وبعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001 وبعد عدم استنكار أحداثها اعتبر استفزازا للإدارة الامريكية ووضع العراق من جديد أمام عصابات البنتاغون وما خطط له ونفذ من بعد.
لم تعد كوارث الحروب التي تشنها الإدارات الامريكية في وارد مخططيها أو توابعهم كما ظهر من خلال الحروب التي شنتها، وما زالت تواصلها بأشكال اخرى على العالمين العربي والإسلامي خصوصا. وما يزيدها كارثية هو تصديق أو رهان من يدافع عنها ويتوافق معها رغم ما يراه من نتائجها. في التاريخ دروس عن الحروب التي شنتها الإدارات الامريكية والتي أعلنتها انتصارات لها وانتهت بهزائم فعلية ومحن كبيرة عليها وعلى الشعوب التي ابتلت بها، ولم يتعظ بها. وللأسف هذا ما يجري اليوم!.
تختلف أساليب الاحتلال والحرب الامبريالية من زمن وآخر، أو تتغير مع تطور العلوم والتقنية والاتصالات وغيرها بما يقابلها ويستفيد منها، ولكن مع استمرار تقاليدها وأسسها العدوانية. الأمر الذي يتطلب قراءتها ومتابعة ما يحدث في سياسات العدوان والهيمنة ومحاولات تجديد مخططاتها ومشاريعها. ما عبر عنها بوضوح ما سمته الادارة الامريكية انسحاب القوات العسكرية الامريكية من العراق وانتقالها إلى قواعدها الإستراتيجية الثابتة في دول الخليج والكيان الإسرائيلي، والحديث عن وعود إكمال الانسحاب من أفغانستان. وهذا حسب وجهة نظرها التي تبعد عنها ظروف وعوامل التسريع والهزيمة، والتي بدونها أساسا لا تضطر أو تنهزم كما حصل في العراق وستتلوه في البلدان الأخرى التي ابتلت بالغزو والحرب. وردا أو استباقا لتوقعات وتغيرات متعددة لم تترك الادارة الامريكية العراق خاليا من تداعيات الانسحاب/ الهزيمة ومن صناعة أزمات لا تتوقف عند حدود التخلص من الاحتلال العسكري المباشر وترسيخ احتلال ناعم بقفازات مدنية ومتفجرات سياسية وأمنية متتالية. هذه الممارسات تعكس تحولات واستمرارا في مشاريع الغزو والعدوان الاستعمارية وبسط النفوذ وتنوع أشكاله، ورد فعل على الهزيمة/ الانسحاب العسكري.
في الواقع.. ليست العملية بكل جوانبها سهلة أو يسيرة على مجمل مخططات العسكرية الامريكية في العراق والمنطقة. الهزيمة تدفع الادارة الامريكية إلى العمل على تغيير برامجها ومخططاتها وتطويرها وفق التطورات الأمنية والسياسية والعسكرية على مختلف الصعد، ومن أبرزها إعادة الانتشار في المنطقة، والتوزع بين التواجد العسكري الفعلي والقواعد الإستراتيجية والنفوذ السياسي والاقتصادي والهيمنة الامبريالية. وهو ما يحصل الان. يفصح عن ذلك كله، ما قاله الرئيس الأمريكي الحالي باراك اوباما أثناء إعلانه الانسحاب العسكري وفق الاتفاقية المبرمة بين بغداد وواشنطن وتحديد جداول الانسحاب وتواريخها، من انه استفاد من دروس الغزو والاحتلال والحرب، وأكد على تغيير الأساليب وتقدير الأثمان الباهظة فيها، وتجنب تداعياتها في الداخل الأمريكي وعلى الصعد المختلفة، وكذلك رده أو تبرؤه من خطابات عصابات الادارة التي سبقته، وخططها وذرائعها التي تبيّن خداعها وتضليلها على مختلف المستويات أيضا.
ما حصل في العراق اثر الانسحاب العسكري الأمريكي المتفق عليه من تفجيرات ومتفجرات سياسية وأمنية تشرح طبيعة الاحتلال وسياساته الاستباقية وتربط بينها بشكل لا يحتاج إلى دليل أكثر منها هي نفسها. ترسمها صورة الأشلاء العراقية المتناثرة في شوارع المدن العراقية وتصاعد الأرقام في الضحايا والخسائر البشرية والمادية، بدلا من الاحتفال بالجلاء العسكري في حده الأدنى، والعمل على إنهاء  كل أشكال الاحتلال الأخرى، وإعادة الأعمار والبناء لعراق حر مستقل ديمقراطي. حيث رسمت المفجرات السياسية وقائع الاحتلال والقائمين بدورهم فيه من شخصيات وأطراف سياسية شاركت في عمليته السياسية وتسابقت في خدمته ورسم ملامحه على الأرض. وهو الدور الذي عرف تاريخيا من تجربة الاستعمار القديم والجديد. لاسيما في البلدان التي ابتلت به وتتعايش فيها مكونات متنوعة تاريخية.. كما فضحت الأحداث حقيقة ادعاءات من شارك في العملية السياسية باسمها أو بتغطيتها بشعارات براقة متوافقة مع سياسات الاحتلال أكثر مما هي تعبير عن منطلقات صادقة ومخلصة. وهو ما تكشفه التصريحات والرسائل المرسلة إلى عنوانها الوحيد عبر وسائل إعلامه، أو في اللجوء إلى السفير الأمريكي في بغداد، والتشكي له، والعودة الصارخة لبدايات الغزو والاحتلال والارتباط بمصالح السياسات الامريكية في العراق والمنطقة والتسابق بينها حول الولاء والارتهان بتلك السياسات لا بالمصالح الوطنية والقومية والدينية لها في عراق جديد فعلا. والأغرب في الأمر ان كل تلك القوى المشتركة في العملية السياسية تنتقد بعضها بعضا وتسجل ملاحظاتها على الدستور ومواده والانتخابات ونتائجها، وقوائم الفساد والإفساد، وأعمال الإرهاب والقتل والاعتقال، وهي أمور معبرة عن مساحة التغير في العراق، ولكنها تتراجع وتتقهقر حتى هذه الأشكال اللفظية من التعبيرات السياسية  بإشارات من السفير الأمريكي في بغداد أو من يخوله بالتصريح بذلك أو توجيه الأوامر فعليا. وهي حالة عراقية، وربما عربية في بعض البلدان، ملفتة للانتباه والدرس والاعتبار منها بعد التحولات والانتفاضات العربية والصراخ العالي رسميا عن الاستقلال والحرية.
يعبر عنها ما يجتاح الشارع السياسي العراقي من الإشكاليات العامة التي تتدرج من التهديدات السياسية بتعليق عضوية وتجميد أعمال مؤسسات العملية السياسية، إلى تقسيم البلاد بمطالبة محافظات معينة بالتحول إلى أقاليم مستقلة، الأمر الذي ينطق بتعثر التفاهم وتعمق الانقسامات بين "المسؤولين" العراقيين، والتوجه إلى مرحلة جديدة من الفوضى. يضاف لكل ذلك تصعيد الأزمات إلى صراعات حادة ومدها إلى خارطة مكونات طائفية وقومية واستغلالها، وصولا إلى التهديد أو التحذير أو التخوف من انزلاق البلاد إلى حروب دامية، لفرض شروط ومطالب لا تخدم المصالح الوطنية للعراق الجديد!.
أثبتت الوقائع الجارية بان الشعارات التي رفعتها الادارة الامريكية بعد فشلها في تصديق ذرائعها في غزو العراق واحتلاله لم تنجح في تطبيقها وتنفيذ ادعاءاتها حولها عمليا وظلت أسماء محرفة عن معانيها. كما هو الحال مع شعار الديمقراطية الذي كرره اوباما أيضا في تأكيده عليه بعد الانسحاب.. ونموذجيته أفصحت بان تأسيسه على أسس خاطئة ومضللة يثمر نتائج خاطئة بديهيا، وهو ما عليه العراق اليوم. فلا شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقلال وغيرها تحققت في العراق إثناء السنوات العجاف من الغزو والاحتلال ولا بعد الانسحاب العسكري وتمديد النفوذ بكل أشكاله عليه.
صحيح تم الانسحاب العسكري الأمريكي فعلا ولكن لم ينته الدور الأمريكي ولا النفوذ المتعدد الأشكال، والذي يدخل في إرباك العديد من الذين جاءوا مع الاحتلال أو أسهموا فيه أو تمرنوا على يديه ووظفوا جهودهم في خدمته، سواء برضاهم أو بضرورة الحاجة، كما تعلن ذلك الخطابات الرنانة التي تستعيد الأهداف التي رسمت بجهودهم وما سموه بالعملية السياسية الامريكية، بإعادتها إلى مربعها الأول، وإثارة فوضى أزمات بعد ما يقارب من تسع سنوات من الاحتلال وجرائمه. وما يعيشه العراق حاليا من متفجرات متتالية على مختلف الصعد يقدم دروسا وعبرا لابد من تفحصها باستمرار والتصدي لمخاطرها الكارثية.

صفحة 1 من 7

المتواجـدون الآن

حاليا يتواجد 124 زوار  على الموقع

مقالات منشورة

تسجيل الدخول